(10) (باب قوله {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ} [آل عمران:153] وهو تأنيث آخِرِكم)
قال الحافظ: كذا وقع فيه، وهو تابع لأبي عبيدة، فإنَّه قال: أُخْرَاكم: آخركم، وفيه نظر؛ لأنَّ أخرى تأنيث آخَر _بفتح الخاء لا كسرها_ وقد حكى الفراء أنَّ من العرب من يقول في أخراتكم بزيادة المثناة، وهكذا قال العيني، وفي شرح القَسْطَلَّانِي، وتعقبه في (( المصابيح ) )فقال: نظر البخاري أدق من هذا، وذلك أنَّه لو جعل أخرى ههنا تأنيثًا لآخَر _بفتح الخاء_ لم يكن فيه دلالة على التأخر الوجودي، وذلك لأنَّه أميتت دلالته على هذا المعنى بحسب العُرف، وصار إنَّما يدل على الوجهين بالمغايرة فقط تقول: مررت برَجل حسن ورَجل آخر؛ أي: مغاير للأول، وليس المراد تأخره في الوجود عن السابق، والمراد في الآية الدلالة على التأخر، فلذلك قال: تأنيث آخركم _بكسر الخاء_ لتصير أخرى دالة على التأخر كما في {قَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ} [الأعراف:39] أي: المتقدمة للمتأخرة، واستعماله في هذا المعنى موجود في كلامهم بل هو الأصل. انتهى. وسيأتي توجيه هذا الإيراد في كلام الشيخ قُدِّس سِرُّه أيضًا قريبًا.
قلت: وتقدم التبويب بصدر هذه الآية _أعني {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} الآية [آل عمران:153] _ في المغازي، وتقدم أيضًا هناك شرحه.
قوله (وقال ابن عباس: إحدى الحسنيين ... إلخ) قال الحافظ: كذا وقع هذا التعليق بهذه الصورة، ومحله في سورة براءة، ولعله أورده هنا للإشارة إلى أنَّ إحدى الحسنيين وقعت في أُحُد وهي الشهادة. انتهى. وكذا أورد العلامة العيني في ذكر هذا القول ههنا، ولم يذكر الجواب كما أجاب الحافظ.
وكتب الشيخ قُدِّس سِرُّه إيراده ههنا تنظير على ما ذكره من أنَّ الأخرى تأنيث الآخِر _بالكسر_ لا الآخَر _بالفتح_ حتى يكون اسم تفضيل، والوجه في ذلك أنَّ كونه اسم تفضيل يقتضي أن يكون له بفضل عليه مع أنَّه ليس تفضيله على شيء آخر مقصودًا، أمَّا في قوله {أُخْرَاكُمْ} ؛ فلأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن في آخر الآخر حتى يصدق عليه اسم التفضيل، وأمَّا في الحسنى؛ فلأنَّ المقصود بيان حسن الشهادة، والفتح في نفسهما لا باعتبار فضيلتهما على غيرهما، وعلى هذا فليس ذكر إحدى الحسنيين في غير موضعه. انتهى.
ج 5 ص 984