(2) (باب {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3] )
سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، وذكر في سبب نزولها حديث جندب، وأنَّ ذلك سبب شكواه صلى الله عليه وسلم، وقد تقدمت في صلاة الليل أن الشكوى المذكورة لم ترد بعينها، وأنَّ من فسرها بأصبعه التي دميت لم يصب، ووجدت الآن في الطبراني بإسناد فيه من لا يعرف أن سبب نزولها وجود جرو كلب تحت سريره صلى الله عليه وسلم ولم يشعر به، فأبطأ عنه جبريل لذلك، وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، بل شاذ مردود بما في الصحيح، والله أعلم.
وورد لذلك سبب ثالث، وهو ما أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن أبطأ عنه جبريل أيامًا، فتغير بذلك، فقال: ودعه ربه فقلاه، فأنزل الله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3] ومن طريق إسماعيل مولى آل الزبير قال: فتر الوحي حتى شق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وأحزنه، فقال: لقد خشيت أن يكون صاحبي قلاني، فجاء جبريل بسورة {وَالضُّحَى} .
وذكر سليمان التيمي في (( السيرة ) )التي جمعها، ورواها محمد بن عبد الأعلى عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: وفتر الوحي، فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع، ولكن الله قلاه، فأنزل الله {وَالضُّحَى} و {أَلَمْ نَشْرَحْ} بكمالهما، وكل هذه الروايات لا تثبت، والحق أنَّ الفترة المذكورة في سبب نزول {وَالضُّحَى} [الضحى:1] غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإنَّ تلك دامت أيامًا، وهذه لم تكن إلَّا ليلتين أو ثلاثًا، فاختلطتا على بعض الرواة، وتحرير الأمر في ذلك ما بينته، وقد أوضحت ذلك في التعبير، ولله الحمد.
ووقع في (( سيرة ) )ابن إسحاق في سبب نزول {وَالضُّحَى} شيء آخر، فإنَّه ذكر أنَّ المشركين لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين والروح وغير ذلك، ووعدهم بالجواب، ولم يستثن، فأبطأ عليه جبريل اثنتى عشرة ليلة أو أكثر، فضاق صدره، وتكلم المشركون، فنزل جبريل بسورة {وَالضُّحَى} وبجواب ما سألوا بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23 - 24] . انتهى.
وذكر سورة الفتح ههنا بعيد، لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربًا، فضم بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأخرى، وكل منهما لم يكن في ابتداء البعث، وإنَّما كان بعد ذلك بمدة، والله أعلم.
قوله (فجاءت امرأة فقالت: يا محمد! إنِّي لأرجو أن يكون شيطانك تركك) هي أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب قيام الليل، وقد بينت هناك أنَّه وقع في رواية أخرى عند الحاكم: فقالت خديجة، وأخرجه الطبري أيضًا من طريق عبد الله بن شداد، فقالت خديجة: ولا أرى ربك، ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه: فقالت خديجة
ج 5 ص 1125
لما ترى من جزعه، وهذان طريقان مرسلان، ورواتهما ثقاة، فالذي يظهر أنَّ كلًا من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أم جميل عبرت لكونها كافرة بلفظ: شيطانك، وخديجة وعبرت لكونها مؤمنة بلفظ: ربك أو صاحبك، وقالت أم جميل شماتة وخديجة توجعًا. انتهى. كله من (( الفتح ) )
وقال العلامة العيني: ههنا فصلان: الأول: في مدة احتباس جبريل عليه السلام، فعن ابن جريج: اثنا عشر يومًا، وعن ابن عباس: خمسة عشر يومًا، وعنه: خمسة وعشرين يومًا، وعن مقاتل: أربعون يومًا، وقيل: ثلاثة أيام، الثاني: سبب الاحتباس، ففيه أقوال إلى آخر ما ذكر، فقد تقدم تحقيقه في كلام الحافظ قُدِّس سِرُّه.
(باب قوله {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3] )
قال الحافظان: كذا ثبتت هذه الترجمة في رواية المستملي، وهو تكرار بالنسبة إليه لا بالنسبة للباقين؛ لأنَّهم لم يذكروها في الأولى. انتهى.
قوله (تقرأ بالتشديد والتخفيف بمعنى واحد ... إلخ) أمَّا القراءة بالتشديد؛ فهي قراءة الجمهور، وقرأ بالتخفيف عروة وابنه هشام وابن أبي علية، وقال أبو عبيدة {مَا وَدَّعَكَ} [الضحى:3] يعني: بالتشديد من التوديع و {مَا وَدَعَكَ} يعني: بالتخفيف من ودعت. انتهى ويمكن تخريج كونهما بمعنى واحد على أنَّ التوديع مبالغة في الودع؛ لأنَّ من ودعك مفارقًا، فقد بالغ في تركك.
ج 5 ص 1126