فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 4610

1 - «حدَّثنا الحميدي» مصنِّف مشهور، أبو بكر عبد الله بن الزبير، المكي القرشي، بدأ المصنِّف بروايته لكونه قرشيًا، وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «قدِّموا قريشًا» ، فبدأ به، أو لكونه مكيًا، وبدأ الوحي في مكَّة، وثنى برواية مالك لإنَّه مدني، وثنى الوحي في المدينة، كذا في (( الفتح ) ).

ومن المناسبات في أوَّل سند هذا الكتاب، وآخر السَّند منه، أنَّهما مشتملان على مادة الحمد، فبدؤه من الحميدي، وانتهاؤه إلى أحمد بن إشكاب، فكان فيه إشارة إلى كون الابتداء والانتهاء محمودين، وإشارة إلى حسن نيَّة المصنِّف في الأوَّل والآخر، وقد يكون إشارة إلى المداومة على الحمد ما ورد في آخر الحديث من قوله: «سبحان الله وبحمده» ، فالإنسان يحمده تعالى إلى أن يكون منتهاه الجنَّة، الَّتي دعوى أهلها الحمد لله ربِّ العالمين.

«حدَّثنا سفيان» هو ابن عيينة المكِّي، يقال: إنَّ الإمام جمع في أوَّل سنده جميع أنواع التَّحمل، من التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع، كذا في (( الفتح ) )، وليست العنعنة في نسخنا الهندية، ولكنَّها موجودة في نسخة (( الفتح ) )بين سفيان ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبسط الكلام في مقدِّمة (( الأوجز ) )على الفرق بين ألفاظ التَّحمل هذه الأربعة، وبيان الفرق بين مراتبها، من أنَّ الإخبار والتَّحديث والإنباء، كلُّها سواء في المرتبة، أو فيها فرق في الأولوية، فارجع إليه إن شئت التَّفصيل، وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في كتاب العلم، في باب قول المحدث: حدَّثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، إلى آخره.

«حدَّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري» : هكذا في النُّسخ الهندية، وقد عرفت أنَّها في نسخة (( الفتح ) )بلفظ العنعنة عن يحي بن سعيد، ويقال: إنَّ الحديث متواتر عنه، فروى عنه مائتان وخمسون، وقيل أكثر من ثلاثمائة، وقيل سبعمائة، قال الحافظ: (( لكنِّي تتبعته منذ سمعت هذا فلم يبلغ مائة ) ). انتهى.

قلت: الحديث غريب، فردَّ باعتبار أوَّله، مشهور باعتبار آخره، وليس بمتواتر كما قيل، فإنَّه لم يروه غير عمر رضي الله عنه، ولم يرو عنه إلا علقمة، ولم يرو عنه غير التَّيمي، ولم يرو عنه غير يحيى بن سعيد، واشتهر عنه، كذا في العيني.

قال الحافظ: (( هذا الحديث متَّفق على صحَّته، أخرجه الأئمة المشهورون، إلَّا (( الموطَّأ ) )، ووهم من زعم إنَّه في الموطَّأ، مغترًا

ج 2 ص 78

بتخريج الشَّيخين له، والنِّسائي من طريق مالك، وقال أبو جعفر الطَّبري: قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض النَّاس مردودًا، لكونه فردًا، لإنَّه لا يُروى عن عمر رضي الله عنه، إلَّا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلَّا من رواية محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلَّا من رواية يحيى بن سعيد، وهو كما قال: فإنَّه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرَّد به من فوقه، وبذلك جزم التِّرمذي، و النِّسائي، وجماعة، وأطلق الخطَّابي نفي الخلاف بين أهل الحديث، في إنَّه لا يُعرف إلَّا بهذا الإسناد، وهو كما قال، لكن بقيدين أحدهما الصِّحة: لإنَّه ورد من طرق معلولة، ذكرها الدَّارقطني وغيره )) .

قلت: بسط العيني في طرقها وأسماء الصَّحابة الَّذين روى عنهم هذا الحديث، وتعقَّب السُّيوطي كلام الحافظ إذ قال في (( شرح الموطَّأ ) ): (( في رواية محمد بن الحسن عن مالك أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطَّآت منها حديث الأعمال بالنِّيَّات ) ). انتهى.

كذا في (( السَّعاية ) )وهو كذلك، فالحديث في آخر الموطَّأ لمحمد في باب النَّوادر، وما قال الحافظ: (( وَهِم من زَعَم ... إلى آخره ) )، أراد به الحافظ ابن دحيَّة.

قال الحافظ: (( ثانيهما _ أي ثاني القيدين _ السِّياق، لإنَّه ورد في معناه عدة أحاديث صحَّت في مطلق النِّية، كحديث «يبعثون على نيَّاتهم» ، وحديث «ولكن جهاد ونيَّة» ، وحديث «ربَّ قتيل بين الصَّفين الله أعلم بنيَّته» ، وحديث «من غزا وهو لا ينوي إلَّا عقالًا فله ما نوى» ، ذكر الحافظ تخريج هذه الرِّوايات ثمَّ قال: وغير ذلك مما يتعسر حصره، وعُرِف بهذا التَّقرير غلط من زعم أنَّ حديث عمر رضي الله عنه متواترًا، إلَّا إن حُمِل على التَّواتر المعنوي فيحمل، نعم، قد تواتر عن يحيى بن سعيد ) )، إلى آخر ما بسطه.

وقد نقل المنذري في (( التَّرغيب ) )عن بعض المتأخرين تواتره، ثمَّ ردَّه، وزعم أبو عبد الله الآبي أنَّ ابن الصَّلاح ادَّعى تواتره، وهذا وهم، فإنَّ ابن الصلاح ادَّعى انحصار المتواتر في حديث: «من كذب عليَّ متعمدا» ، كما ذكره الحافظ ابن حجر، وتلميذه السَّخاوي، وقال النَّووي في (( شرح مسلم ) ): (( قال الأئمة: ليس هو متواترًا وإن كان مشهورًا عند الخاصَّة والعامَّة، لإنَّه فقد شرط التَّواتر في أوَّله ) ) [1] . انتهى.

ومن العجائب أنَّ الحديث الأوَّل من جامع البخاري على القول المشهور غريب، كما رأيت، والحديث الآخر من الكتاب وهو «كلمتان حبيبتان إلى الرَّحمن ... » ، الحديث أيضًا غريب، كما ذُكر في آخر (( هامش اللَّامع ) )أنَّ الحديث تفرَّد به محمد بن فضيل وشيخه وشيخ شيخه وصحابيه كما في (( الفتح ) ).

فلا يتوحش من ينظر كثيرًا بين سطور (( البداية ) )في الفقه الحنفي لفظ: قلت غريب، لأنَّ الغرابة لا تستلزم الضَّعف، وإن كان الغريب قد يستعمل بمعنى الشَّاذ أيضًا، فتنبَّه لذلك.

«على المنبر» وضع سنة سبع أو ثمان، ورجَّحه في (( البذل ) )، وفيه أقوال عديدة من الثَّانية إلى التَّاسعة، تبسطت في (( هامشي على البذل ) )، وأكثر منها في رسالتي (( الوقائع والدُّهور ) ).

يقال: إنَّ عمر رضي الله عنه لمَّا ذكره في الخطبة _كما يدل عليه لفظ على المنبر_ أقام الإمام البخاري الحديث مقام خطبة الكتاب.

قال العيني في بيان تعلق الحديث بالتَّرجمة: (( الثَّالث، إنَّما أتى به على قصد الخطبة، وقال محمد بن إسماعيل التَّيمي: لمَّا كان الكتاب معقودًا على أخبار النَّبيّ عليه السَّلام، طلب المصنِّف

ج 2 ص 79

تصديره بأوَّل شأن الرِّسالة، وهو الوحي، ولم ير أن يقدِّم عليه شيئًا لا خطبة ولا غيرها، بل أورد حديث «إنَّما الأعمال بالنِّيات» بدل الخطبة.

وقال بعضهم: ولهذه النُّكتة اختار سياق هذه الطَّريق، لأنَّها تضمَّنت أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه خطب بهذا الحديث على المنبر، فلمَّا صلح أن يدخل في خطبة المنابر، كان صالحًا أن يدخل في خطبة الدَّفاتر، ولكن تَعَقَّب على هذا التَّوجيه العيني، فارجع إليه لو شئت.

وأيضًا: ورد إنَّه عليه السَّلام خطب به حين قدم المدينة مهاجرًا، فناسب إيرادُه في بدء الوحي، لأنَّ الأحوال الَّتي كانت قبل الهجرة كانت كالمقدِّمة لها.

«سمعته يقول» : أي حال كونه يقول، لأنَّ سمعت لا يتعدى إلى مفعولين، واختار الفارسي أنَّ ما بعد سمعت إن كان مما يسمع كسمعت القرآن، تعدَّت إلى مفعول واحد، وإلَّا كما ههنا تعدَّت إلى مفعولين، فجملة: (يقول) على هذا مفعول ثان. انتهى. مختصرًا من القسطلَّاني.

وقال القاري في (( المرقاة ) ): (( الأوَّل قول الجمهور ) ) [2] . انتهى.

«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» : كذا ههنا، بمقابلة الجمع بالجمع، يعني كلُّ عمل بنيَّة. وقال بعضهم: كإنَّه أشار إلى أنَّ النِّيَّة أيضًا تتنوع كما تتنوع الأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله عزَّ وجل، أو تحصيل موعوده، أو الاتقاء لوعيده، ووقع في معظم الرِّوايات بإفراد النِّيَّة، ووجهه أنَّ النِّيَّة فعل القلب، وهو واحد، ولأنَّ النِّيَّة ترجع إلى الإخلاص وهو واحد، كذا في (( الفتح ) ).

ثم أُورِد على الإمام عدم المناسبة من بين الحديث والتَّرجمة، ووُجِّه بوجوه، فقيل: الحديث بمنزلة الخُطبة كما تقدم، وقيل: لمجرَّد تصحيح نيَّة القارئ، وقيل: تنبيه على أنَّ المصنِّف راعى في الكتاب حسن نيَّته.

وأُورد على الثَّلاثة المذكورة إنَّه كان حقُّه أن يُقَدَّم على التَّرجمة. وأجيب: بأنَّه أخَّر الحديث عن الوحي تنبيهًا على أنَّ المنوي المذكور في الحديث هو الَّذي يُعتبر عند الشَّارع، ومداره على الوحي، ووُجِّه اهتمامًا بشأن الآية، وقيل من النَّاسخين، وتُعُقِّب بأنَّ النَّسخ متوافرة على ذلك، ووُجِّه بأنَّ الحديث أيضًا من الوحي، وتُعُقِّب بأنَّ الباب (بدء الوحي) ، فالأوجه في الجواب: أنَّ التَّرجمة بمدلول التزامي، عظَمة الوحي، وثبت بالوحي لخلوص نيَّته صلَّى الله عليه وسلَّم، كما مر في الأصل الحادي والعشرين من الأصول السَّبعين.

وأجاد في (( اللَّامع ) )في بيان المناسبة، وبسط الكلام عليها، وحاصلها أنَّ بعض الأعمال كثيرًا ما يترتب عليها بعض الفواضل، ويدلُّك عليه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «أسلَمْتُ على ما أسلَفْتُ من خير» [3] ، وعلى هذا، فالحديث بيان لبدء الوحي، أنَّ السَّبب في بدء الوحي إليه ما جُبِل عليه النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم من إخلاص النِّيَّة، وخلوص النَّصيحة لله ربِّ العالمين، ولسائر خليقته، والتَّوجيه المذكور فيه مبني على أنَّ لفظة (كيف) كما يسأل بها عن كيفية الشَّيء وصفته، فكذلك هي مسؤولة بها سبب وجود الأمر وحدوثه، يقال كيف جئت؟ والمقصود ليس هو استفسار كيفية مجيئه، بل سبب إتيانه، إلى آخر ما بسط في (( اللَّامع ) ).

وفي الحديث مسألة شهيرة خلافيَّة وهي الصِّحة، أو الإثابة، ويؤيِّدنا أنَّ إزالة النَّجاسة عن الثَّوب مثلًا لا تحتاج إلى النِّيَّة في الطَّهارة، وله نظائر تنظر من القسطلَّاني.

فكذا الحدث لا يحتاج إلى إزالته إلى النِّيَّة عندنا، بخلاف غيرنا، كما هي مبسوطة في كتب الفقه، وكتب الشَّيخ في (( البذل ) ): (( لفظ إنَّما للحصر، فالتَّقدير إنَّما الأعمال تعتبر إذا كانت بنيَّة، ولا تعتبر إذا كانت بلا نيَّة، ولا يمكن ههنا نفس الأعمال لثبوتها حسًا وصورة من غير اقتران النِّيَّة بها، فلا بد من إضمار شيء يتوجه إليه النَّفي ويتعلق به الجار، فقيل التَّقدير: صحيحة أو تصح، كما هو رأي الشَّافعي واتباعه، وقيل كاملة أو تكمل، على رأي

ج 2 ص 80

أبي حنيفة وأصحابه، والأظهر أنَّ المقدَّر: معتبرة أو تعتبر ليشمل الأعمال كلِّها، سواء كانت عبادات مستقلَّات كالصَّلاة والزَّكاة فإنَّ النِّيَّة تعتبر لصحتها إجماعًا، أو شروطًا في الطَّاعات كالطَّهارة وستر العورة، فإنَّها تعتبر لحصول ثوابها اتفاقًا، لعدم توقف الشُّروط على النِّيَّة في الصِّحة، خلافًا للشَّافعي في الطَّهارة، فعليه بيان الفرق، أو أمورًا مباحة، فإنَّها قد تنقلب بالنِّيَّات حسنات، كما أنَّها قد تنقلب سيِّئات بلا خلاف، غاية ما في الباب أنَّ متعلق الصِّحة والكمال يعرف من الخارج ولا محظور فيه.

قال القاري: واستثنى بعض الأعمال من هذا العموم كصريح الطَّلاق والعتاق، فإنَّ تعيين الشَّارع هذه الألفاظ لأجل هذه المعاني بمنزلة النِّيَّة، ولا يخفى أنَّ هذا إنَّما هو بالنِّسبة إلى الصِّحة والجواز، وأمَّا بالنِّسبة إلى الثَّواب فلا بد من تصحيح النِّيَّة. انتهى.

والحديث المذكور أحد الأحاديث الأربعة الَّتي انتخبها الإمام أبو داود من خمسمائة ألف، وهذا أحدها، والثَّاني: (( لا يكون المؤمن مؤمنًا حتَّى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ) ) [4] ، والثَّالث: (( من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ) ) [5] ، والرَّابع: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهة ... » [6] ، الحديث وقد روي بألفاظ مختلفة. انتهى.

وسبقه الإمام أبو حنيفة، إذ انتخب من خمسمائة ألف وزاد على الأربعة المذكورة حديثًا خامسًا، وهو: «المسلم من سلم المسلمون ... » [7] الحديث، ولعلَّ الإمام أبا حنيفة زاده اهتمامًا لشأنه، والإمام أبو داود حذفه لدخوله في الحديث الثَّاني (( لا يكون المؤمن مؤمنًا ) )الحديث، وبسط الكلام على ذلك في (( الأوجز ) )، وفيه قال شيخ مشايخنا الشَّاه عبد العزيز الدَّهلوي في (( البستان ) )بعد قول أبي داوُّد: (( هو كذلك، فإنَّ الأوَّل يكفي لتصحيح العبادات، والثَّاني لمعرفه الحقوق، والثَّالث لمحافظة الأوقات، والرَّابع لرفع الشَّكِّ والتَّردد من اختلاف العلماء وغيره ) ). انتهى.

وقال الإمامان الشَّافعي وأحمد ابن حنبل: حديث النِّيَّات ثلث العلم، قاله النووي في شرح البخاري. وقال المتأخرون: مدار الإسلام على حديث واحد، وهو حديث جرير: «الدِّين النَّصيحة» [8] . كما بسط الكلام عليه في (( هامش اللَّامع ) )، في آخر كتاب الإيمان، وفيه قال الحافظ: (( هذا من الأحاديث الَّتي قيل فيها إنَّها أحد أرباع الدِّين ) )، وممن عدَّه فيها الإمام محمد بن أسلم الطُّوسي، وقال النَّووي: (( بل هو وحده محصِّل لغرض الدِّين كله، لإنَّه منحصر في الأمور الَّتي ذكرها ) ) [9] . انتهى.

«وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» : جنح القرطبي إلى أنَّها مؤكدة للجملة الأولى. وقال غيره بل تفيد غير ما أفادته الأولى، كما بسط الحافظ في (( الفتح ) )أشدَّ البسط. والأوجه عند هذا العبد الضَّعيف: أنَّ الجملة الأولى بيان لمدار الثَّواب على العبادة فلا يحصل إلَّا بالنِّيَّة، والجملة الثَّانية تعميم لكثرة النِّيَّة في عمل واحد، كما بسط الشَّيخ قطب الدِّين في (( مظاهر حق على المشكاة ) )_بالأردوية_ أشدَّ البسط أيضًا، أنَّ الرَّجل مثلًا إذا نوى في دخول المسجد الاعتكاف، والتَّجنب عن المعاصي، وانتظار الصَّلاة، والتَّبتل إلى الله تبارك وتعالى، وتحصيل العلم، ومجالسة الصَّالحين، ولقاء المسلمين، وغير ذلك من الأمور الكثيرة، فيحصل له ثواب كل ما نوى. انتهى.

وما يردُّ عليه أنَّ من صام رمضان نفلًا يقع فرضًا، بسط في جوابه القسطلَّاني وقال: (( لا يردُّ على دعوى الحصر، نحو صوم رمضان بنيَّة قضاء أو نذر حيث لم يقع له ما نوى، لعدم قابلية المحل ) )إلى آخر ما بسطه.

«فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا ... إلى آخره» : واختُلف في أنَّ حذف الجملة الأولى وهي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» ، من البخاري، أو من شيخه الحميدي، وقد رُوي عن الحميدي بكلتا الجملتين، كما بسطه الحافظ رضي الله عنه،

ج 2 ص 81

والدُّنيا مشتق من الدُّنو بمعنى القرب، أو الدَّناءة، واختلفوا في حقيقة الدُّنيا كما بسطه أهل السُّلوك، وقالوا: إنَّ الدُّنيا غفلة عن الله تبارك وتعالى، لا المال والأهل والمتاع، قال العارف الرُّومي:

جيست دنيا آز خدا غافل بودن ... ني قماش ونقره وفرزندوزن [10]

قال النَّووي: (( ذكر الإمام البخاري الحديث المذكور في سبعة مواضع من صحيحه، فذكره هنا، ثمَّ في الأيمان [11] ، وفي النِّكاح، والعتق، والهجرة، وترك الحيل [12] ، والنُّذور ) ). انتهى.

قلت: ذكَر الإمامُ الحديث في ستَّة مواضع بكلتا الجملتين، وحذف الأولى في الموضع الأوَّل، وأورد عليه حبيبي المولوي بدر عالم المهاجر المدنى المرحوم، لمَّا حضرت المدينة المنوَّرة في سنة ثلاث وثمانين، وقال: (( كان حقُّ المؤلِّف أن يذكر الحديث في أوَّل موضعه بتمامه، ويختصر فيما بعد، وقال: لم أظفر على جواب شاف لهذا ) )، فوقع في نفسي على سؤاله: أنَّ دفع المضرة لمَّا كان أهمُّ من جلب المنفعة، وكان هذا موضع البداية، فلعلَّ المصنِّف _رحمه الله_ أراد أن ينبِّه الطَّالبين على التَّحرز عن فساد النِّيَّة في أوَّل كتابه.

وقد قال الحافظ: (( فالجواب ما قاله أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الحافظ في أجوبة له على البخاري: أنَّ أحسن ما يجاب به هنا، أن يقال: لعلَّ البخاري قصد أن يجعل لكتابه صدرًا يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من النَّاس، من استفتاح كتبهم بالخطب الْمُتَضَمِّنة لمعاني ما ذهبوا إليه من التَّأليف، فكإنَّه ابتدأ كتابه بنيَّة ردِّ علمها إلى الله تعالى، فإن عَلِمَ منه إنَّه أراد الدُّنيا، أو عرض إلى شيء من معانيها، فسيجزيه بنيتَّه، ونكب عن أحد وجهي التَّقسيم مجانبة للتَّزكية، الَّتي لا يناسب ذكرها في ذلك المقام ) ). انتهى ملخصًا.

(( وحاصله: أنَّ الجملة المحذوفة تشعر بالقربة المحضة، والجملة الْمُبْقَاة تحتمل التَّردد بين أن يكون ما قصده يحصل القربة أولا، فلمَّا كان المصنِّف كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث، حذف الجملة الْمُشعرة بالقربة المحضة، فرارًا من التَّزكية، وبقي الجملة المترددة المحتملة تفويضًا للأمر إلى ربه، المطلع على سريرته، المجازي بمقتضى نيَّته ) ) [13] . انتهى.

وقد اشتهر أنَّ سبب هذا الحديث قصَّة مهاجر أم قيس، المروية في المعجم الكبير للطَّبراني، بإسناد رجاله ثقات [14] ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أمُّ قيس، فأبت أن تتزوجه حتَّى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنَّا نسمِّيه مهاجر أمُّ قيس» ، ولم يقف ابن رجب على من خرجه، فقال: (( ذكره كثير من المتأخِّرين في كتبهم، ولم نر له أصلا بإسناد صحيح ) ) [15] ، هكذا قال القسطلَّاني.

لكن ذكر ابن رجب في شرح الأربعين حديث مهاجر أمُّ قيس، ثمَّ قال: (( رواه وكيع في كتابه، وقد اشتهر أنَّ قصَّة مهاجر أمُّ قيس، هي كانت سبب قول النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها» ، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلًا يصح ) ). انتهى.

ومال إليه الحافظ إذ قال بعد ذكر حديث أمُّ قيس: (( لكن ليس فيه أنَّ حديث الأعمال سبق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطُّرق ما يقتضي التَّصريح بذلك ) ). انتهى.

واسم المرأة (( قيلة ) )وأمَّا الرَّجل فلم يسمه أحد ممن صنف في الصَّحابة، وهذا السَّبب وإن كان خاص المورد ولكن العبرة بعموم اللَّفظ، والتَّنصيص على المرأة من باب التَّنصيص على الخاص بعد العام للاهتمام، قاله النَّووي في شرح البخاري.

ج 2 ص 82

[1] المنهاج شرح صحيح مسلم:13/ 54

[2] مرقاة المفاتيح:1/ 109

[3] أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها كتاب الزكاة باب من تصدق بالشرك ثمَّ أسلم رقم:1436 من حديث حكيم بن حزام

[4] رواه الطبراني في الكبير (8154)

[5] أخرجه الترمذي (2318 - 2317) والبيهقي في شعب الإيمان (4986) وغيرهم، قال النووي في الأربعين حديث حسن.

[6] رواه البخاري (2051) ومسلم (1599)

[7] رواه البخاري (10) ومسلم (41) وغيرهم

[8] رواه مسلم (95) والترمذي (1926) وقال هذا حديث حسن، وغيرهم

[9] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج:2/ 37

[10] ما غفلة الدنيا إلا عن الله لا عن المتاع والمال والأهل

[11] صحيح البخاري (6689)

[12] صحيح البخاري (6953)

[13] فتح الباري:1/ 15

[14] أخرج الطبراني في الكبير قال: حدَّثنا مُحمَّد بن علي الصَّائغ، ثنا سَعِيد بن مَنصور، ثنا أبو مُعاوية، عن الْأَعمش، عن شقيق، قال: قال عَبْدُ اللهِ: مَنْ هَاجَرَ يَبْتَغِي شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، قال: هَاجَرَ رَجُلٌ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قَيْسٍ، وَكَانَ يُسَمَّى مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ. (رقم: 8540)

[15] جامع العلوم والحكم:1/ 74

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت