فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 4610

2 - «أُمِّ المُؤْمِنِينَ» : تغليبًا، وتدخل فيه النِّساء، ولكن صحَّ عن عائشة رضي الله عنها: «أنا أمُّ رجالكم لا أمُّ نسائكم» [1] ، وهي باعتبار الشَّرافة والكرامة وتحريم نكاحهن، لا في جواز الخلوة، وتحريم نكاح بناتهنَّ، كذا في القسطلَّاني.

لا يقال: إنَّ الآية: { ... وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... } [الأحزاب:6]

ج 2 ص 82

قطعية، فلم لا تتناول جميع الأحكام، لأنَّ الآية الأخرى: { ... وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ... } [الأحزاب:53] ، تدلُّ على إيجاب الحجاب، فالجمع بين الآيتين يدلُّ على ما تقدَّم.

وقال ابن العربي في (( أحكام القرآن ) ): (( اختلف النَّاس هل هنَّ أمهات الرِّجال والنساء، أم هنَّ أمهات الرِّجال خاصَّة؟ فقيل: ذلك عامٌّ في الرِّجال والنِّساء، وقيل خاصٌّ للرِّجال، لأنَّ المقصود بذلك إنزالهن منزلة أمهاتهم في الحرمة حيث يُتَوقَّع الحِل، والحِلُّ غير متوقع بين النِّساء، فلا يُحْجَب بينهن بحرمة، وقد رُوي أنَّ امرأة قالت لعائشة: «يا أماه. فقالت: لست لك بأمِّ إنما أنا أمُّ رجالكم» ، وهو الصَّحيح ) ). انتهى.

وفي الطَّحاوي عن حُكَّام الرَّازي [2] قال: (( قال أبو حنيفة: كان النَّاس لعائشة مَحْرَمًا ) ) [3] . انتهى.

«كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟» : أجاب عليه الصَّلاة والسَّلام بالصُّورتين فقط. وقد قالوا: يأتي الوحي بسبعة أوجه أو أكثر كما تقدَّم. وأجاب عنه في (( اللَّامع ) )بأنَّ الاقتصار على ذكر القسمين اقتصار على معظم أنواعه، أو يكون ذكر الأقسام الباقية أيضًا، ولكنه لم يَذْكرها بعض الرُّواة، وهذا مبني على أنَّ السُّؤال عن كل أقسام الوحي، ولكن الظَّاهر أنَّ مسألته كانت عما يوحى عليه من الكيفية، الَّتي تَنَزَّل عليه الوحي من الله في أكثر أحيإنَّه وغالب أزمانه، والجواب إذ ذاك يمكن على إيراده على ثلاثة أوجه:

1 -بيان كيفيَّة الوحي لنفسه. 2 - أو الموحي وهو الْمَلَك. 3 - أو الموحى إليه وهو الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، إلى آخر ما بسط في (( اللَّامع ) ).

«وأَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ» : أصله صوت وقْع الحديد بعضه على بعض، ثمَّ أُطلق على كل صوت له طنين، وفي مصداقه ستة أقوال:

1 -صوته تعالى القديم، واختاره مولانا السَّيد أنور الشَّاه في الفيض [4] .

2 -تخليق الصَّوت من الله عزَّ وجل في الموحى به بكمال قدرته، كذا في (( الأوجز ) ) [5] .

3 -الصَّوت الأصلي للملك.

4 -صوت أجنحة جبريل.

5 -وحكى عن شيخ الإسلام المدني _رحمه الله_ إنَّه صوت مجيء جبريل، كما يسمع صوت قطار سكَّة الحديد (( ترين انجن ) )من المسافة البعيدة بنحو خمسة أميال بل أكثر من ذلك. قلت: وأورد عليه بعض الطَّلبة إنَّه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يكون محسوسًا للكل، ويردُّ هذا الإيراد على الأجنحة أيضًا، ويمكن التَّفصي عنه بأنَّ إحساسه من باب الكشف، كما ورد أنَّ جبريل يبسط أجنحته ليلة القدر، ولا يكشف هذا إلا لأهل الكشف، ولا يظهر لغير أهله، كما لا يسمع الأصم الصَّوت.

6 -ومال شيخ المشايخ الشَّاه وليُّ الله الدَّهلوي في (( تراجمه ) )إنَّه أثر تعطُّل الحواس، إذ قال: (( اعلم أن من تعطلت حاسة من حواسه يظهر له في تلك الحاسة ما لا يتميز فيه، مثل من تعطلت حاسَّته البصرية يرى ألوانا مختلفة متكثرة، ومن تعطلت حاسَّته السَّمعية يسمع أصواتًا ممتزجة مختلفة غير متميزة، فقوله مثل صلصلة الجرس عبارة عن تعطل حاسة السَّمع عن مسموعات عالم الشَّهادة، لكي يتفرغ لحفظ ما أوحي عليه ويعيه كما هو حقه، فتدبَّر ) ).

وأشكل عليه أنَّ صوت الجرس مذموم، لصحة النَّهي عنه، كما في مسلم وأبي داوود، فكيف يشبه به ما فعله الملك، مع أنَّ الملائكة تنفر عنه. وأجيب: بأنَّه لا يلزم من التَّشبيه تساوي المشبه والمشبه به في جميع الصِّفات، كمن شبَّه رجلًا بالأسد فيكون التَّشبيه في شجاعته، لا في نتن رائحة الفم، فذكر ما ألف السَّامعون سماعه تقريبًا لأفهامهم، كما قيل في توجيه العتمة. فإن قيل: قد روى عن عمر رضي الله عنه عند أبي داود كنَّا نسمع عنده مثل دوي النَّحل، وههنا كصلصلة الجرس، وبينهما تفاوت؟ أجيب: بأنَّ ذلك بالنِّسبة إلى الصَّحابة، وهذا بالنِّسبة إلى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كذا أفاده الشُّراح. والأوجه عندي إنَّه ليس

ج 2 ص 83

بحقيقة بل تقريب وتشبيه، فلا يخالف أيضًا ما ورد «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ _تبارك وتعالى_ كَإنَّه سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ» [6] . انتهى. مختصرًا من (( الأوجز ) ) [7] .

«وهُو أشَدُّهُ عَلَيَّ» : لكون الصَّوت لم يُفهم، أو لانقطاعه إلى عالم الملكوت، كما يَعتَري للذَّاكرين إذا أثَّر الذِّكر فيهم، وذُكر في (( هامش اللَّامع ) )في بيان الشِّدة ما يعتري النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم من التَّعب والكرب، حتَّى يتفصد جبينه عرقًا، وقد قال عزَّ اسمه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل:5] .

«فيَفْصِم» : فيه ثلاث روايات، أشهرها: فتح التَّحتية وكسر المهملة، والثَّانية: بضم أوَّله وكسر الثَّالثة، والثَّالثة: بضم أوَّله وفتح الصَّاد على البناء للمجهول، يقال أفصم المطر إذا أقلع، كما في (( الأوجز ) ).

«الْمَلَكُ رَجُلًا» : نُصِب على المصدريَّة، أي تَمَثُّل رَجُل، أو حال، ورجَّح العيني نصبه بنزع الخافض، والْمَلَك مشتق من الألوكة بمعنى الرِّسالة، هذا قول سييويه والجمهور، وأصله لاك، وقيل أصله الْمَلْك بفتح ثمَّ سكون، وهو الأخذ بالقوة، وقيل مخفَّف من مالك، والبسط في (( هامش اللَّامع ) ).

«وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» : يُشْكل عليه ما سيأتي من قوله «زَمِّلُونِي» ، ذُكر في (( هامش اللَّامع ) )الجمع بينهما، و الأحسن أن يقال: إنَّ قولها «ليتَفَصَّد عرقًا» حالة عامَّة كانت في أكثر أحوال النُّزول، كما هو ظاهر من الأحاديث الواردة في أحوال نزول الوحي، من إنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كانت تأخذه الشِّدة وقت النُّزول، حتَّى لو كان على بعيرٍ برك لشدَّة الثِّقل، وأوحيَ إليه وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقل على زيد، حتَّى قال زيد: خفت أن تُرَضَّ فخذي، وكانت تأخذه البُرَحَاء في اليوم الثَّاني، حتَّى إنَّه ليتَحَدَّر منه مثل الجُمان، وغير ذلك من الرِّوايات الكثيرة.

وأمَّا قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «زَمِّلُوني» فكان في أوَّل الأمر، فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كانت تأخذه الحُمَّى في أوَّل أمره، فيحتاج إلى التَّزَمُّل والتَّلَفُّف، ثمَّ لما اعتادت نفسه الشَّريفة ذهبت عنه تلك الهيبة الَّتي كانت تأخذه الحمى بسببها، وأما الشِّدة فبقيت في أكثر أحوال النُّزول.

المناسبة بالتَّرجمة بأنَّ هذه الحالة الواردة في الحديث، مبدأ لكل وحي يكون مثل هذا النَّوع.

ج 2 ص 84

[1] أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن مَسْرُوقٍ، عن عائشة رضي اللهُ عنها أَنَّ امرَأَة قالت لها: يا أُمَّهْ، فقالت: (أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ لَسْتُ بِأُمِّكِ) (رقم: 13422) .

[2] حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ الكِنَانِيُّ الرَّازِيُّ الإِمَامُ، الصَّادق، كان مِنْ نُبَلاَءِ العُلَمَاء. وَثَّقَه: أبو حَاتِمٍ، وغيره، وحَدَّث ببغداد في السُّنِّيَّةِ، مَاتَ: سَنَةَ تِسْعِيْنَ وَمائَةٍ، بِمَكَّةَ، قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ لِلْحَجِّ. «سير أعلام النبلاء» : (9/ 88)

[3] شرح معاني الآثار: 2/ 116.

[4] (( فيض الباري ) )1/ 87.

[5] أوجز المسالك إلى موطأ مالك:4/ 256، باب ما جاء في القرآن حديث (461)

[6] صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، بَابُ {حتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ:23] ، رقم:4800. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[7] أوجز المسالك إلى موطأ مالك:4/ 256، باب ما جاء في القرآن حديث (461)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت