فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 4610

3 -4 - «وكَانَ يَخْلُو بِحِرَاء» : وهو مأخذ الصُّوفية في التَّجرد، ولعلهم خصوه بالأربعينية، لقصة موسى عليه السلام { ... وَاعَدْنَا مُوسَى ... } الآية [البقرة:51] ، ولحديث النُّطفة والعلقة والمضغة، فإنَّ التَّغير فيها في الأربعينات، فعُلِم أنَّ له دخلًا خاصًا في تغير الأحوال، وبسط القسطلَّاني في تخصيص جبل حراء للتَّعبد.

قال السهيلي في (( الروض ) )وهو الجبل الَّذي نادى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين قال له ثبير وهو ظهره: (( اهبط عنِّي فإنِّي أخاف أن تقتل على ظهري فأعذَّب، فناداه حراء: إليَّ إليَّ يا رسول الله ) ) [1] . انتهى.

«فَيَتَحَنَّث» : من التَّحَنُّث، وهو إلقاء الحنث، فإنَّ التَّفعل تأتي لسلب المأخذ، وقيل هو بمعنى يتحنَّف أي يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامه، وقد وقع في رواية ابن هشام في السِّيرة يتحنَّف بالفاء، كذا في (( الفتح ) )والقسطلَّاني، قال ابن هشام: (( تقول العرب التَّحنث، والتَّحنف، يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء بالثَّاء، كما قالوا جَدَف و جَدَث يريدون القبر ) ) [2] . انتهى.

ج 2 ص 84

«وهو التَّعَبُّد» : تفسير للتَّحنث من أحد الرُّواة، وهو الزُّهري كما جزم به الطَّيبي، فسره به مجازًا، واللَّيالي ظرف ليتحنث، لا التَّعبد، وذكر اللَّيالي يتناول الأيام بالأَوْلَى، فإنَّ البارزين إلى الفلوات يرجعون إلي بيوتهم في اللَّيالي، فلو قال: أيامًا لأوهم الرُّجوع إلى البيت في اللَّيل، ويشكل أنَّ العبادة لم تشرع بعد؟ فالجواب: أنَّهم اختلفوا في كيفية تعبده بناءً على إنَّه هل كان متعبدًا بشرع سابق أو لا؟ ففيه ثلاثة أقوال:

الأوَّل: إنَّه لم يكن متعبدًا بشرع سابق، قال في (( الدُّر المختار ) )تبعًا لصاحب البحر: (( وهو المختار عندنا ) )، قال ابن عابدين: (( نسبه في التَّقرير الأكملي إلى محققي أصحابنا، قال: لإنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قبل الرِّسالة في مقام النُّبوَّة لم يكن من أمة نبي قط ) ) [3] . انتهى. قلت: وعزاه القاضي عياض والحافظ ابن حجر وعمر بن نجيم في النَّهر الفائق إلى الجمهور، قال القاضي عياض في الشِّفاء: (( واحتجوا بأنَّه لو كان كذلك لنقل، ولما أمكن كتمه وستره في العادة، إذ كان من مُهمِّ أمره، وأولى ما اهتبل به من سيرته، ولفخر به أهل تلك الشَّريعة ولاحتجوا به عليه، ولم يؤثر شيء من ذلك جملة ) ) [4] .

والقول الثَّاني: الوقف، ذهب إليه إمام الحرمين والغزالي وابن الأنباري وغيرهم واختاره السِّبكي [5] .

والقول الثَّالث: إنَّه كان متعبدًا بشرع سابق، قال ابن بدران الحنبلي في المدخل: (( كان نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم قبل البعثة متعبدًا في الفروع بشرع من قبله عند القاضي والحلواني، وأومأ إليه أحمد واختاره ابن الحاجب والبيضاوي وابن الهمام، ثمَّ اختلفوا في تعيينه، فقيل آدم، وقيل نوح، وقيل إبراهيم، واختاره ابن عقيل والمجد ابن تيمية، وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل بجميع الشَّرائع، حكاه بعض شراح المحصول عن المالكية ) )، قال ابن الهمام: [6] (( والمختار إنَّه مُتَعَبِّد بما ثبت إنَّه شرع إذ ذاك، إلَّا أن يُثْبِتا متضَادين فبالأخير، لعدم معلومية طريقه فيما رَكَنَ إليه ) ). انتهى [7] .

وعلى القول الأوَّل بماذا كان يتعبَّد؟ قيل: بما يُلقَى إليه من أنوار المعرفة، وقيل بما يحصل له من الرُّؤيا، وقيل بالتَّفكر، وقيل باجتناب رؤية ما كان يقع من قومه.

«حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ» : برفع الدَّال على الفاعلية، أي بلغ الجَهدُ مبلغه، وبالنَّصب على المفعولية، أي بلغ الغطُّ مني جَهدَه، أي غايته، أو بلغ جبريل جَهدَه وقوَّتَه. وأشكل بأنَّ البشر لا يطيق غاية جهد الملك، ويزيد هذا الإشكال في قصَّة صكِّ موسى عليه السَّلام وجه عزرائيل عليهما السَّلام حتَّى فقئت عينه [8] ، وقد ذكر على هذا الحديث الكلام في (( اللَّامع ) )وهامشه في كتاب الجنائز مفصلًا حتَّى أنكر بعض الجهلة هذا الحديث، فارجع إليه لو شئت التَّفصيل.

والجواب عن أصل الإشكال بأنَّ من تزيَّا بزيِّ غيره فإنَّه تنتقل إليه جميع ميزات ذلك الشَّيء، لذا ترى أنَّ الجنَّ عندما يكونون في زيِّ الثَّعابين والعقارب فإنَّهم يموتون بضربة أو ضربتين فقط، كما تشهد عليه الوقائع الكثيرة، مع أنَّها لو كانت في زيها الأصلي لما استطاع أحد الوقوف لها البتَّة، فكذلك لما كان جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام في زي رجل، فجهده لا يتعدى جهد الرِّجال المعتاد، وتحمل النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان أكثر من ذلك، فلا إشكال مطلقًا ولذا لا يشكل فقؤ عين عزرائيل عليه السَّلام بصكِّ موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، لكن قال القاري: (( لا يلزم من تشكل الملك بصورة الآدمي وتبدله عن أصل هيئة الملكي سلب القوَّة عنه، ونفي الغلبة منه، فإنَّ الأمر المعنوي لا يتغير بتغير الهيكل الصُّوري ) ) [9] . انتهى.

وقال الحافظ: (( ما المانع أن يكون قوَّاه الله على ذلك؟ ويكون من جملة

ج 2 ص 85

معجزاته )) [10] ، ثمَّ رجَّح الحافظ رواية الرَّفع فقال: (( والتَّرجيح ههنا متعين لاتحاد القصَّة، ورواية الرَّفع لا إشكال فيها، وهي الَّتي ثبتت عن الأكثر، فترجَّحت، وإن كان للأخرى توجيهًا، وقد رجَّح شيخنا البلقيني بأنَّ فاعل بلغ هو الغط، والتَّقدير بلغ منِّي الغط جهده، أي غايته، فيرجع الرَّفع والنَّصب إلى معنى واحد وهو أولى ) ) [11] . انتهى.

ثمَّ التَّثليث إشارة إلى أنَّ المؤدِّب لا يزيد الضَّرب على ثلاثة مرات، حكاه السُّهيلي عن شريح القاضي التَّابعي، وقيل الغطَّة الأولى للتَّخلي عن الدُّنيا، والثَّانية للتَّفرغ لما يوحى إليه، والثَّالثة للمؤانسة، كذا في القسطلَّاني، والأوجه عندي أن الأولى لحصول النِّسبة الإلقائية، والثَّانية لحصول النِّسبة الإصلاحية، والثَّالثة لحصول النِّسبة الاتحادية، فالتَّوجه عند العارفين أربعة أنحاء: انعكاسي وإلقائي وإصلاحي واتِّحادي، وتفصيل هذه التَّوجهات الأربعة في (( هامش اللَّامع ) )، بذيل هذا الحديث جدير بأن ينظر.

ولم يحتج صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الأولى لأنَّها حصلت لمجرد لقاء جبريل عليه السَّلام، لصفاء قلبه صلَّى الله عليه وسلَّم بالخلوة في حراء ستَّة أشهر، ولا يقال إنَّه يلزم منه فضل جبريل عليه السَّلام على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لإنَّه أمر ابتدائي وأول أحواله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ ترقى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ذلك كلَّ يوم، حتَّى سبق على جبريل بمراحل، إلى أن قال جبريل:

أكر يك سرموني برتربرم ... فروغ تجلى بسوزد برم [12]

فلما ارتقى صلَّى الله عليه وسلَّم إلى هذه المرتبة العلية قبل الهجرة بكثير، فما ظنُّك فيما ارتقى عليه الصَّلاة والسَّلام بعد ذلك، وقد يقال: إنَّهم ذكروا ثلاث عوالم، الأوَّل عالم النَّاسوت، والثَّاني عالم الملكوت، والثَّالث عالم اللَّاهوت، فيقال: إنَّ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وإن كانت النُّبوَّةُ كامنةً فيه، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند التِّرمذي وغيره: «قالوا: يا رسول الله، متى وَجَبَت لكَ النُّبوَّة؟ قال: وآدَم بين الرُّوحِ والجَسَد» [13] .

وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة ذكرها السُّيوطي في الخصائص، ولكن كان النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبل إتيان جبريل إليه في عالم النَّاسوت متَّصفًا بصفات الإنسان، فلمَّا أتاه جبريل وغطَّه ذهبت عنه ما هو من صفات النَّاسوت، ودخل في عالم الملكوت، الذي هو عالم الملائكة، الذي من لوازمه التَّجرد والانقطاع عن ملابسات النَّاس، والانخلاع عن لوازم البشريَّة، وبعد ذلك ترقى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى وصل إلى عالم اللَّاهوت، الذي هو كناية عن حضرة الرُّبوبيَّة، فحصل له ما حصل مما لا يأتي في البيان، والله أعلم.

« {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ... } [العلق:1] » الآية: لا يقال فيه تكليف بما لا يطاق، لإنَّه ليس بتكليف، بل تلقين، كما يقول المعلِّم لتلميذه، ظنَّه النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم تكليفًا، فقال: «ما أنا بقارئ» .

وقيل: كان في يد جبريل عليه السَّلام ثوب حرير مكتوب عليه هذه الآيات، فالجواب إذًا إنَّه لم يكن داخلًا في ما لا يطلق [14] [يطاق] ، لكنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم ظنَّه كذلك هضمًا لنفسه، كذا في بعض تقارير شيخ الإسلام المدني، وقصة «ثوب حرير» إنَّما وقعت في مرسل عبيد بن عمير اللَّيثي عند ابن إسحاق، وهو منام كما ذكره ابن إسحاق مفصَّلًا، كما في (( الفتح ) )وغيره.

ثمَّ مسألة تكليف ما لا يطاق خلافية، جوزته الأشاعرة، ومنعته الحنفية والمعتزلة، كما في (( المسايرة ) )وشروحها، وفي البداية بهذه الآيات لطائف ذكرها الشُّراح، ثمَّ اختلف في أوَّل ما نزل، والجمهور على إنَّه خمس آيات من اقرأ إلى قوله: { ... لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:5] .

وورد عن عليٌّ رضي الله عنه: أوَّل ما نزل سورة الفاتحة: وقيل:

ج 2 ص 86

أوَّل ما نزل المدَّثر، والجمع أنَّ هذه الآيات أوَّل ما نزل مطلقًا، ثمَّ الفاتحة، ثمَّ المدَّثر، باعتبار تواتر النُّزول، فإنَّه فتر الوحي قبلها ثلاث سنين، كذا في (( التَّفسير العزيزي ) )وبسط الكلام على ذلك في (( هامش اللَّامع ) )في كتاب التَّفسير أشدَّ البسط، والقول الأوَّل صححه القاضي ابن العربي، والقاضي عياض، وابن كثير، وابن القيم، وقال النَّووي: (( هذا هو الصَّواب الذي عليه الجماهير من السَّلف والخلف ) ) [15] . انتهى.

ولا يذهب عليك إنَّه اسْتُدل بهذا الحديث على أنَّ البسملة ليست من السُّورة، وهي مسألة مشهورة أجمل الكلام عليها في (( الأوجز ) )، وبَسط في (( هامش اللَّامع ) )، وحاصل المذاهب الأربعة أقوال:

الأوَّل: أنَّها ليست من القرآن، وهو قول مالك ورواية عن أحمد وطائفة من الحنفيَّة.

والثَّاني: أنَّها آية من كل سورة أو بعض آية، وهو المشهور عن الشَّافعي.

والثَّالث: أنَّها آية من الفاتحة دون غيرها، وهو رواية عن الشَّافعي وأحمد.

والرَّابع: أنَّها آية مستقلَّة من القرآن ليست من السُّور، وهو قول ابن المبارك وداود وهو المنصوص عن أحمد، وقال أبو بكر الرَّازي وهو مقتضى أبي حنيفة.

«فَرَجَعَ بهَا» : أي بالآيات المذكورة المحفوظة، أو بالكيفية المذكورة

«يَرْجُفُ» : لثقل القراءة، أو لغط جبريل عليه السَّلام، أو لاتحاد الرُّوح بالْمَلَكية، ولا يشكل عليه أنَّ الاتحاد سبب التَّقوية لا الاضطراب، لأنَّ الانتقال عن حالة معهودة وإن كان بسبب ما يقوي الطَّبع قد يفضي إلى مثل ذلك، كمن استعمل مسكًا كثيرًا فإنَّه قد يفضي إلى حالة سكرية، وإن كان مقويًا غاية التَّقوية.

«زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» : قال ذلك لشدَّة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جارية بسكون الرَّعدة بالتَّلفف، وذكر في (( الأرواح الثَّلاثة ) )إنَّه سئل العارف الكبير الحاج إمداد الله المهاجر المكي _ نوَّر الله مرقده _ عن وجه التَّلفف والتَّزمل، هل خاف النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم جبريل عليه السَّلام؟ فقال: لا، بل لما شاهد النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم جبريلَ، وانكشفت عليه حقيقة نفسه، فهابها ولم يستطع أن يتحملها لعظمتها وكبرها، فإنَّ الحقيقة تختفي في غير الجنس، فإذا ورد أحد من أبناء جنسه تنكشف عليه حقيقته، كما اشتهر أنَّ رجلًا اقتنى جرو أسد، فكان يصبح ويمسى في أغنامه، ويروح ويسرح، كإنَّه فرد منها، حتَّى شبَّ ولم يعلم نفسه، ما هو، حتَّى إنَّه رأى يومًا صورته في الماء فعلم إنَّه ليس من جنس الأغنام، بل هو شيء آخر، ذو هيكل مهيب بسل شجاع، فلمَّا تحقق ذلك دخل في الأغنام فافترس هذه وأكل أخرى، وجرح تلك وقتل أخرى، حتَّى وقع الصِّياح والعويل فيهنَّ وفررن وانتشرن، وكما أنَّ رجلًا جميلًا ذا بهاء وسناء كأنَّ وجهه قطعة قمر، لو كان في بعض الجزائر التي يسكنها ذوو الأشكال البشعة القبيحة والوجوه الدَّميمة لما ظهر منه الدَّلال والغنج، وما هو من شؤون المحبوبين الحسان، حتَّى إذا ورد عنده رجل مثله في الحسن والجمال وأظهر التَّدلل والتَّشكل والتَّغنج، فيظهر عليه حقيقة نفسه، ويظهر حينئذ شؤون المحبوبية.

فالنَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان في جهال مكَّة مثل ذلك الأسد، والرَّجل الجميل، اللَّذَين لم يعرفا أنفسهما، ولم تنكشف عليه حقيقة نفسه، فلمَّا رأى من هو من أبناء جنسه وهو جبريل فإنَّه غذي بلبان العلم وربي به، ولذا كانت سفارة الوحي إليه، كما أن الأنبياء عليه الصَّلاة والسَّلام

ج 2 ص 87

غذوا بلبان العلم، وربُّوا بتلك الصِّفة، فظهرت صورته، وله حقيقة في جبريل وكانت في غاية العظمة والكمال، فلم يستطع أن يتحملها، فخاف نفسه الشَّريفة، لا إنَّه خاف جبريل، قال مولانا أمير شاه خان _رحمه الله تعالى_ ناقل ذلك: وكان مولانا محمود الحسن الدِّيوبندي المعروف بشيخ الهند يسمعه منه كرَّات ومرَّات ويلتذ ويتمايل من الفرح والسُّرور، قال حكيم الأمَّة مولانا أشرف علي التَّهانوي _ قُدِّس سرُّه _ في حاشية (( الأرواح الثَّلاثة ) )ما حاصله: أنَّ هذا التَّوجيه للحديث على ذوق الصُّوفية، وليس في النُّصوص ما يدفعه، وأمَّا توهم مصادمته لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لقَد خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» ، فمدفوع بأنَّه ليس معناه خشيت جبريل، بل معناه خشيت أن لا أتحمل أعباء الرِّسالة، فإنَّه يحتاج إلى قوَّة بليغة خاصَّة، وقد كانت تلك القوَّة مغلوبة في ذلك الوقت.

وأمَّا قول خديجة رضي الله عنها: «والله لا يُخْزيكَ الله أبدًا، فإنَّكَ تَصِلُ الرَّحِم ... إلى آخره» ، فاستدلال عقلي على إنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يُعْطَى من الله الكر يم قوَّة على تحمل ذلك، فإنَّ هذه القوَّة ثمرة لتأييد الحق، وهذه الأوصاف جالبة لتأييد الحق، وأما ذهابها بالنَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ورقة، فكان لطلب تأييد هذا الاستدلال العقلي بالدَّليل النَّقلي، وأما ذكر ورقةَ سيِّدَنا موسى عليه الصَّلاة والسَّلام فكان تنظيرًا منه لحصول التَّحمل في مثل ذلك، لا أنَّ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان شاكًا في نبوَّته، ثمَّ إنَّ الله تعالى قدَّر بحكمته البالغة طريقًا لحصول الصَّبر والتَّحمل بأن حبس الوحي أيامًا، ففتر واشتاقت نفسه الشَّريفة للوحي، حتَّى إنَّه اغتمَّ بسبب الفترة غمًّا شديدًا، وذهب إلى شواهق الجبال لكي يلقي نفسه، ولكن تبدَّى له جبريل قائلًا: إنك رسول الله حقًا، فاطمأنت نفسه، وسكن جأشه، فلمَّا اشتاق واشتدَّ شوقه، هان عليه تحمل أعباء الرِّسالة، فإنَّ الشَّيء يسهل تحمله بعد اشتياق النَّفس إليه.

وقد ذكر العارف الرُّومي في (( المثنوي المعنوي ) )توجيهًا نحوه لنحو تلك القصَّة، وهي أنَّ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم سأل جبريل أن يريه صورته الأصلية، فقال له جبريل إنَّكَ لا تقدر على النَّظر إليَّ في تلك الحال، فلمَّا أصر عليه المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم، تبدَّى له جبريل له ستُّمائة جناح، قد سدَّ الأفق، فخرَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مغشيًا عليه، فنزل جبريل واحتضنه، حتَّى سكن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. قال العارف الرُّومي ما حاصله أنَّ المتأثِّر إنَّما كان جسم النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لا حقيقته وروحه، بل الحقيقة المحمَّديَّة لا يقدر جبريل أن يتحملها، ولذلك لمَّا تقدَّم النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليلة الإسراء فوق السِّدرة وقال لجبريل: تقدَّم، فاعتذر إليه جبريل قائلًا: إنَّه لو تقدَّم مقدار شعرة لذاب واحترق، والله تبارك وتعالى أعلم. انتهى معربًا ملخصًا.

«لقد خَشِيْتُ ... إلى آخره» : اختلفوا في الخشية على اثني عشر قولًا، بُسِطت في (( اللَّامع ) )وهامشه، وهي: الجنون، والهاجس، والموت، والمرض ودوامه، والعجز عن التَّحمل، والعجز عن رؤية الملك، وعدم الصَّبر على الأذى، وخوف القتل، ومفارقة الوطن، وتكذيبهم، وتغييرهم، وأوجه الأقوال الثَّالث: الموت، أو السَّادس، ورجَّح شيخ المشايخ القطب الكنكوهي السَّادس، وكذا رجَّحه النَّووي في شرح مسلم [16] ، وهي خشية عدم تحمل أعباء النُّبوَّة، وحاصل قول العلَّامة السِّندي: إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لم يخش، بل قال ذلك القول لانعطاف رأفة خديجة رضي الله عنها عليه صلَّى عليه الله، لتكون معينة له من أول الأمر، مخافة أن تنكر ذلك، ورجَّحه شيخ الإسلام المدني رحمه الله.

«فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ ... إلى آخره» : أفاد شيخ الهند _رحمه الله_ في (( تراجمه ) )أنَّ الحديث ظاهر في بداية الوحي عند الشُّراح، وهو ظاهر، والأوجه عندي _أي عند شيخ الهند_ أنَّ مقصود الرِّواية: بيان هذه الأوصاف الجليلة الَّتي تدلُّ على إنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم

ج 2 ص 88

كان بخلقه جامعًا للملكات الفاضلة، والأخلاق الحميدة، والأفعال الحسنة الَّتي هي مبدأ الوحي، ومنشأ النُّبوَّة.

قلت: والأوجه عندي أنَّ هذه الصِّفات الَّتي ذكرتها خديجة رضي الله عنها في النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، هي الَّتي ذكرها ابن الدُّغُنَّة في أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه عند مهاجرته إلى الحبشة، وهي أصرح دليل على حصول النِّسبة الاتحاديَّة لأبي بكر مع النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فكان قلبه على قلبه صلَّى الله عليه وسلَّم سواء، وهي كانت لاتصال خلافيته بالنَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كما ذكر شيء من ذلك في (( هامش اللَّامع ) )، في كتاب الشُّروط في عمرة الحديبية، عند قول أبي بكر فاستمسك بِغَرْزِه، والبسط منه في جزء عمرات النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم تحت هذا القول.

«وتَكْسِبُ الْمَعْدُوم» : الكسب قد يتعدى إلى مفعول، كقوله كسبت المال، وقد يتعدى إلى مفعولين، كما في كسبت غيري المال، وهذا من قبيل الثَّاني، وروي من الأفعال فلا إشكال، وفي هامش الهنديَّة عن الكرماني والعيني، قوله: تَكْسِب بفتح التَّاء، وهو المشهور الصَّحيح في الرِّواية، والمعروف في اللُّغة. ورُوي بضمها، وفي معنى المضموم قولان: أصَحُّهما أنَّ معناه تُكسب غيرك المعدوم، أي تُعطيه له تبرعًا، ثانيهما: تُعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك من معدومات الفوائد، ومكارم الأخلاق، يقال كَسَبت مالًا، واكْسَبت غيري.

وفي معنى المفتوح قولان: أصحُّهما أنَّ معناه كمعنى المضموم، ويقال كَسَبت الرَّجل مالًا، وأكْسَبته مالًا، والأوَّل أفصح وأشهر، والثَّاني: أنَّ معناه تُكْسِب المال، وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، ثمَّ تجود به وتنفقه في وجوه المكارم، وقيل: المعدوم عبارة عن الرَّجل المحتاج العاجز عن الكسب، لكونه كالمعدوم الميت، حيث لم يتصرَّف في المعيشة. انتهى.

«عَلَى نَوائِبِ الحَقِّ» : قال القسطلَّاني في النَّوائب: تكون في الخير والباطل، ولذا قيَّده بالحق، أو إشارة إلى النَّوائب السَّماوية، فإنَّ الإعانة فيها تكون مشكلة، ومن يعين فيها يكون في نوائب الدُّنيا أشدُّ إعانة.

«ابنَ عَمِّ خَدِيْجَة» : بالنصب، بدلًا عن ورقة، ويجب كتابة ألف ابن كذا في القسطلَّاني، وقوله: ابن عمِّ هكذا في التَّفسير في رواية أبي ذر الهروي، وفي رواية غيره: يا عمُّ، بحذف الابن، وكذا في مسلم: أي عمَّ، بحذف لفظ ابن، وجمع بينهما النَّووي بالتَّعدد، واستبعده الحافظ ابن حجر لاتِّحاد مخرج الحديث، ومال إلى أنَّ الرِّواية بحذف الابن وهم، وقال الزَّرقاني في (( شرح المواهب ) ): عندي إنَّها قالت: (ابن عم) على حذف حرف النِّداء فتصحفت ابن بأي [17] . انتهى.

قلت: وهذا إنما يتمشى في رواية مسلم بلفظ أي عمَّ، وأما رواية البخاري فبلفظ يا عمُّ، والله اعلم.

«وكانَ يَكْتُب الكِتَاب» : بيان لمهارته وغاية اطلاعاته على مرادات الكتب، حتَّى إنَّه كان يترجمها، إلى آخر ما بسط في (( اللَّامع ) )وهامشه، ولا يذهب عليك أنَّ في متن النُّسخة الهندية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب الإنجيل بالعبرانية، وفي نسخة الحاشية بدل بالعبرانية بالعربية، وهو كذلك في كتاب التَّفسير، ولا تعارض بين النُّسختين لإنَّه كان يقدر على اللِّسانين.

«النَّامُوس» : بمعنى الجَاسوس، وفرَّق بعضهم بأنَّ الأوَّل صاحب سرِّ الخير، والثَّاني صاحب سرِّ الشَّر، كما بسط في (( هامش اللَّامع ) )، قال البخاري في كتاب الأنبياء: صاحب السِّرِّ الذي يطلعه بما يستره عن غيره. انتهى.

ج 2 ص 89

«نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى» : ولم يقل: على عيسى، مع كونه نصرانيًا؛ لأنَّ كتاب موسى عليه السَّلام مشتمل على الأحكام الكثيرة ككتاب نبيِّنا، بخلاف كتاب عيسى عليه السَّلام فإنَّه أمثال وعبر، أو لأنَّ نبوَّة موسى مُسَلَّمة عند اليهود والنَّصارى معًا، بخلاف نبوَّة عيسى عليه السَّلام فإنَّه ينكرها كثير من اليهود، كذا في (( القسطلَّاني ) ).

ويشكل عليه أنَّ ورقة لم يكن نبيًّا فكيف علِم بهذه الأمور؟ ويمكن التَّفصي عنه بأنَّه علم من الكتب السَّابقة، وهذا ظاهر في إنَّه أقرَّ بنبوَّته عليه الصَّلاة والسَّلام، ولكنَّه مات قبل الدَّعوة، فيكون مثل بَحِيرا، لكن في إثبات صحبته نظر، ثمَّ ذكر الرِّوايات الدَّالة على إسلامه، وإنَّه أوَّل مؤمن، وهكذا ذكر الاختلاف (( العيني ) )، وبسط الرِّوايات في إسلامه مع الكلام عليه، وذكره الحافظ في القسم الأوَّل من (( الإصابة ) )، وقال الحافظ: (( خرج ورقة وزيد بن عمرو بن نُفَيل إلى الشَّام لما كَرِهَا عبادة الأوثان، فتنصَّر ورقة، وسيأتي ذكر زيد في المناقب ) ) [18] . انتهى.

«بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ» : عبَّره بالماضي للتيَّقن.

«تُوُفِّي ورقة» : بمكة بعد البعث بقليل، ولا يصحُّ ما قال الواقدي إنَّه خرج إلى الشَّام، فلمَّا بلغه إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أمر بالقتال رجع لينصره، حتَّى إذا كان ببلاد لخم وجذام أخذوه فقتلوه، كذا في القسطلَّاني [19] .

«وفَتَر الوَحْيُ» : واختُلف في مدَّة الفترة على أربعة أقوال، فقيل: سنتان، وقيل: سنتان ونصف، وقيل: ثلاث سنين، واختار الحافظ ابن حجر أنَّها كانت أيامًا، ثمَّ الذي نزل بعد الفترة المدثر، كما في الصَّحيحين، ووقع عند ابن إسحاق إنَّه الضُّحى، وفيه نظر، فإنَّها نزلت بعد فترة أخرى كانت ليلتين أو ثلاثًا، كما هو مصرح في تفسير البخاري وغيره، وإنَّما فتر مدة كذا ليتدبَّر في مقتضى الآيات المنزَّلة، مع ما في التَّأخير من الازدياد بالأشواق، وفي التتابع من تواتر الكلف عليه، فلو تتابع من أول الأمر ربما أدَّى إلى هلاكه، كما بسط في (( اللَّامع ) )وهامشه.

«قَال ابنُ شِهَاب» : أخبرني عروة بما سبق، وأخبرني أبو سلمة بما سيأتي، فهو عطف على أخبرني المقدَّم.

«تابعه عبد الله بن يوسف» : الضَّمير يرجع إلى يَحيى بن بُكَيْر، أي عبد الله بن يوسف، وأبو صالح، تابعا يَحيَى بن بُكَيْر في الرِّواية عن اللَّيث، فرواه عن اللَّيث ثلاثة: يحيى، وعبد الله، وأبو صالح.

قوله: «وَتَابَعَهُ هِلاَلُ» أي: تابَعَ عُقَيْلَ بن خَالد، هِلالُ بنُ رَدَّاد عن ابن شهاب [20] ، فالأوَّلى متابعة تامَّة، والثَّانية ناقصة، والمتابعة إن كانت في أوَّل السَّند تسمَّى تامَّة، وهي أقوى، وإن كانت في أثناء السَّند تسمَّى ناقصة.

قال النَّووي [21] : (( ومما يحتاج إليه المعتني بصحيح البخاري فائدة ننبه عليها، و [هو] إنَّه تارة يقول: تابعه مالك عن أيوب، وتارة يقول: تابعه مالك ولا يزيد، فإذا قال مالك عن أيوب فظاهر [والضَّمير في(تابعه) يعود إلى حمَّاد، أي تابع مالكٌ حمادًا فرواه عن أيوب كرواية حمَّاد] ، وأمَّا إذا اقتصر على تابَعه مالك فلا يَعرف لمن المتابعة، إلا من يَعرف طبقات الرُّواة ومراتبهم ))، وقال الكرماني: (( فعلى هذا لا يُعلم أنَّ عبد الله يروي عن اللَّيث أو غيره ) ). قلت: (( الطَّريقة في هذا أن تنظر طبقة المتابع _بكسر الباء_ فتجعله متابعًا لمن هو في طبقته، بحيث يكون صالحًا لذلك ) )كذا في العيني [22] . انتهى من هامش (( الهنديَّة ) )وبسط النَّووي في شرح هذا الموضع أنواع المتابعة.

ج 2 ص 90

[1] الروض الأنف: 2/ 256.

[2] سيرة ابن هشام:2/ 235

[3] حاشية ابن عابدين:1/ 358

[4] الشفا بتعريف حقوق المصطفى:2/ 148

[5] أنظر الإبهاج في شرح المنهاج لتقي الدين السبكي:2/ 275

[6] المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ص 289 وفيه تفصيل فليراجع

[7] التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام:2/ 308

[8] قصة صك موسى عليه السلام وجه عزرائيل مروية في البخاري ومسلم ففي البخاري برقم (1339) وفي مسلم (2372) وصرح فيها بأن موسى فقأ عين عزرائيل عليهما السلام

[9] مرقاة المفاتيح:9/ 3730

[10] فتح الباري:12/ 357

[11] فتح الباري:12/ 358

[12] لو ارتقي تعلو هامتي لو ارتقي نور التجلي يشتعل

[13] أخرجه الترمذي في المناقب باب في فضل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم رقم:3609 وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

[14] كذا في الأصل ولعل ما أثبت بين حاصرتين أصح

[15] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج:2/ 199

[16] شرح النووي عبى مسلم:2/ 200

[17] شرح الزرقاني على المواهب:1/ 398

[18] فتح الباري:1/ 25

[19] انظر إرشاد الساري:6/ 173

[20] انظر التلخيص شرح الجامع الصحيح للنووي (373) وما بعدها.

[21] التلخيص شرح الجامع الصحيح للنووي: (258) وما أدرجته بين حاصرتين في نص النووي رحمه الله فمن كتابه التلخيص وقد سقط عند المؤلِّف.

[22] عمدة القاري:1/ 68

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت