فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 4610

5 - «وكانَ مِمَّا يُحرِّكُ شَفَتَيْه» : والحروف كلَّها ليست بشفويَّة، فكان حقُّه ممَّا يحرك لسانَّه من قبيل إرادة الكلِّ

ج 2 ص 90

بذكر البعض، أو من باب الاكتفاء.

والأوجه عندي: أنَّ تحريكهما ظاهر، بخلاف تحريك اللِّسان، وسيأتي في (( التَّفسير ) )وكان مما يحرك به لسإنَّه وشفتيه بذكرهما معًا، فلا إشكال إذن.

(( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا ... إلى آخره ) ): يُشْكِل أنَّ مولد ابن عباس قبل الهجرة بثلاث سنين، والآية في بدء النُّزول كما يدل عليه تبويب البخاري، ولذا لم يقل ابن عباس لفظ: (( كما رأيت ) )كما قاله سعيد بن جبير، ويُحْتَمل إنَّه أخبَره النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو أحَد من الصَّحابة، كذا في القسطلَّاني، والأَوْجَه عندي: الثَّاني، وقال النَّووي فيه: (( إنَّه يُسْتحَب للمُعلِّم أن يمثِّل للمُتَعلم بالفِعل ويُرِيَه الصُّورة بفِعْلِه، إذا كَان فِيه زيَادةُ بيانٍ على الوَصْف بالقَول ) ) [1] . انتهى.

{لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ... } [القيامة:17] : لا مُنافَاة بينه وبينَ ما تقدَّم من قول ابن عبَّاس رضي الله عنه: (( كان يُحَرِّكُ شَفَتيْه ) )كما بَسَطه القسطلَّاني، تبعًا للفتح، والكرماني، والعيني. والأوْجَه عند هذا العبد الضَّعيف: أنَّ الثَّاني بيان لنهي قراءته صلَّى الله عليه وسلَّم مع جبريل عليه السَّلام، والقراءة تكون باللِّسان، والأوَّل كان بيانًا لرؤية القراءة، والرُّؤْيَة مما يَتَعَلق بالشَّفَتَين كَمَا تَقَدَّم.

«جَمَعَه لكَ في صَدْرِك» : وعند الفلاسفة: الحَافظة في الدِّماغ، وعند المتكلمين والأصوليين: مَنْبَعُ الكُلِّ القَلب، كذا أفاده شيخ الإسلام المدني في بعض تقاريره، وفي (( إزالَة الخَفَاء ) )أنَّ جَمعَه في الصَّدر تَفَقُّه من ابن عبَّاس رضي الله عنه، والوَجْه عِندي إنَّه إشَارة إلى جميع [2] القرآن في المَصَاحف. انتهى.

ويؤيِّدُه مَا أخْرَجَه الطَّبري [3] عن قتادة أنَّ مَعْنى جَمْعَه: تَأْلِيفه.

{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:19] : وفسره غير ابن عبَّاس ببيان ما أشكل من معانيه، وكان عليه السَّلام يسأل جبريل عمَّا أشكل عليه في أثناء القراءة فقال ذلك، وفي لفظ (( ثُمَّ ) )دليل للجمهور على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.

وتُعُقِّب بأنَّ المراد تمام القرآن، للضَّمير، وليس كلَّه بمجمل، فالمراد الظُّهور، ثمَّ تُعُقِّب عليه بأنَّ قوله: (( بَيَانَه ) )جنس مضاف، فيعم جميع أصنافه من إظهاره وتبين أحكامه، وما يتعلق بهما من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك، وهذه المسألة خلافية شهيرة بسطها أصحاب الأصول، وفي (( التَّحرير ) )وشرحه (( التَّقرير ) ): إنَّه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى الحاجة عند الجمهور، منهم أصحابنا والمالكية، وأكثر الشَّافعيَّة، واختاره الرَّازي، وابن الحاجب، وعن الحنابلة، وعبد الجبار الجبائي، وابنه، وبعض الشَّافعيَّة كأبي إسحاق المروزي، والقاضي أبي حامد منعه. انتهى. كذا في القسطلَّاني [4] .

والحاصل: أنَّ الأوَّل: جمعه في صدرك، والثَّاني: تلاوته، والثَّالث: توضيحه، كذا في القسطلَّاني وابن كثير.

والمناسبة بجزء التَّرجمة وهو الوحي ظاهر، وبالبدء لأنَّ حاله هذا كان في البدء قبل نزول هذه الآية، وعلى أصل شيخ الهند كونه _عزَّ اسمه_ محافظًا للفظه، وبيانه ظاهر في عظمته، وكتب حضرة شيخ الهند في (( تراجمه ) )ما تعريبه: (( إنَّه يستفاد من الحديث عدَّة أمور مهمَّة منها: إتيان جبريل عليه السَّلام بالوحي عليه، وكون الشِّدة عليه صلَّى الله عليه وسلَّم عند نزول الوحي، حتَّى إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان يقرأ بنفسه مع جبريل عليه السَّلام للشِّدة المذكورة، وبذل جهده صلَّى الله عليه وسلَّم لضبط الوحي، وقد تكفَّل الباري _عزَّ اسمه بفضله ورحمته_ جمعه وقرآنه، فقال {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة:17] فسهَّل الأمر وارتفع خوف

ج 2 ص 91

السَّهو والخطأ والنِّسيان عنه صلَّى الله عليه وسلَّم، فحصل بذلك الاطمئنان له عليه الصَّلاة والسَّلام، وعَلِم بأنَّ الذاتَ القدسيَّةَ المبْدَأَ للوَحْيِ هي المُتَكَفِّلَةُ بِحِفْظه، فحصل الاعتماد الكلِّي على الوحي )) . انتهى.

قلت: قال عزَّ اسمه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] .

{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ... } [القيامة:17] ، أي: في صدرك، { ... وَقُرْآنَهُ} [القيامة:17] ، أي: قراءتك إياه وجريإنَّه على لسانك.

{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ... } [القيامة:18] ، أي: عليك بقراءة جبريل عليه السَّلام، { ... فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة:18] ، أي: استمع قراءته.

ج 2 ص 92

[1] التلخيص سرح الجامع الصحيح للنووي: (394) .

[2] كذا في الأصل وربما «جمع» أوضح من حيث المعنى والله أعلم.

[3] تفسير الطبري:1/ 96 وفيه قوله: عن قتادةَ في قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة:17] يقول: حفَظَه وتَأليفَه، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة:18] اتَّبع حَلالَه، واجْتَنِب حَرَامه.

[4] أنظر مزيدا وتفصيلا لهذه المسألة عند شرح الحديث في الفتح والعمدة والإرشاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت