6 - «ح» : فيه ستَّة أقوال على ما تفحَّصت وبسطت في مقدِّمة (( الأوجز ) )، مرجعهما إلى قولين: الأوَّل: إنَّه خاء معجمة، والآخر إنَّه حاء مهملة.
وعلى الأوَّل احتمالان:
أحدهما: إشارة إلى آخر الحديث، فهو مخفَّف من إلى آخره.
وثانيهما: إشارة إلى قوله بسند آخر.
وعلى الآخر فأربعة أقوال:
الأوَّل: إنَّه رمز الصِّحة يكتب دقيقًا لئلَّا يلتبس بالعبارة، ودفعًا لما يتوهم أنَّ حديث هذا الإسناد سقط.
والثَّاني: إنَّه مأخوذ من التَّحويل.
والثَّالث: من الحائل.
والرَّابع: إشارة إلى قولهم: الحديث.
والمعروف عند المحدثين إنَّه إذا انتهى القارئ إلى هذا الموقع يقول: حاء _بفتح المهملة_ ويستمر في قراءة ما بعدها [1] . انتهى مختصرًا.
قال الحافظ في (باب ظلم دون ظلم) : (( هكذا وقع في النَّسخ صورة ح، فإن كان من أصل التَّصنيف فهي مهملة مأخوذ من التَّحويل على المختار، وكانت مزيدة من بعض الرُّواة، فيحتمل أن تكون مهملة كذلك أو معجمة مأخوذة من البخاري، لأنها رمزه، أي: قال البخاري: وحدثني ) ) [2] . انتهى.
قلت: ما أفاده الحافظ يختَصُّ بما وقع في البخاري، و «مَعْمَر نَحْوه» ، والحاصل: أنَّ عبد الله بن المبَارك حدَّثَ عَنْه عَبْدَانُ عن يُونُس وحده، وحَدَّثَ عنه بِشْرَ عن يُونُس ومَعْمَر معًا، إمَّا باللَّفْظ فَعَن يُونُس، وإمَّا بالْمَعْنى فَعَن مَعْمَر، يعني: أنَّ في لفْظِ «نَحْوِه» إشَارةٌ إلى اخْتلافٍ بَيْنَهما في اللَّفْظِ، وهذا على ما هو المعروف عند أهل الأصول، أنَّهم يقولون «مِثْلَه» إذا اتفَقَ الحَديثان في اللَّفظ، و «نَحْوَه» إذا اتفقا في المعنى، إلى آخر ما بسط في (( هامش اللَّامع ) ).
«أَجْوَدَ النَّاس» : ولا ينافي هذا فقره عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لأنَّ فقره كان لشِدَّةِ جُودِه، ولا يأتيه شيء إلا يجود به.
«وَكَانَ أجْوَدُ مَا يَكُون» : حال كونه في رمضان، برفع أَجْودُ اسم كان وما مصدريَّة، أي: أجْودُ أكوَانه، وفي رمضان سدَّ مسدَّ الخبر، أو أجْودُ مبتدأ مضاف إلى المصدر، وفي رمضان خبره، والجملة خبر كان، واسمه الضَّمير إليه صلَّى الله عليه وسلَّم، أو بنصب أجْودَ خبر كان، واسمه الضَّمير إليه صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم، كذا في القسطلَّاني، قال الطَّيبي: (( فيه تَخْصِيص بعد تَخْصِيص للتَّرَقِّي، الأوَّل: جوده على سائر النَّاس، الثَّاني: جوده في رمضان على جوده في غيره، الثَّالث: جوده عند لقاء جبريل ) ) [3] .
«فَيُدَارسُهُ القُرْآن» : والحكمة فيه ليكون سُنَّة في عَرْض القرآن على من هو أحفظ منه، كذا في القسطلَّاني، واختلف في إنَّه كان يُدارس كلَّ القرآن، أو حسبما نزل، والأوْجَه عندي الثَّاني، والبَسْط في (( هامش اللَّامع ) ).
ثمَّ التَّرجمة بعظَمَة الوحي من المُدَارسة واضِح، وأمَّا على ظاهر التَّرجمة من البدء فلا يبعد أن يكون إشارة إلى البدْء الزَّماني، بأنَّه كان في رمضان، إذ يقولون بأنَّ أوَّل نزول جبريل في غار حراء كان في السَّابع عشر من رمضان، ولا يذهب عليك أنَّ للكلام الإلهي مناسبة خاصَّة بشهر رمضان، ولذا يقولون: إنَّ صحف إبراهيم عليه السَّلام نزلت في غرَّة رمضان أو في الثَّالث منه، وأُعْطِي داود عليه السَّلام الزَّبور في الثَّامن عشر أو الثَّاني عشر من رمضان، وأُعْطِي موسى التَّوراة في السَّادس منه، وأُعْطِي عيسى عليه السَّلام
ج 2 ص 92
الإنجيل في الثَّاني عشر أو في الثَّالث عشر، كما ذكرتُ في رسَالتي (( فَضَائل رَمَضان ) )باللِّسان الأردويَّة.
قال الحافظ: أخرج أحمد والبيهقي في (( الشُّعَب ) )عن واثِلَة بن الأسْقَع رضي الله عنه أنَّ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «أنزلت التَّوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشر خلت منه، والزَّبور لثمان خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان» [4] .
وهكذا نقله السُّيوطي في (( الإتقان ) )عن الحافظ، وزاد في رواية: وصحف إبراهيم لأوَّل ليلة.
قال السُّيوطي: لكن يُشكل على هذا ما اشْتُهر من إنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم بُعِث في شهر ربيع. ويُجاب عن هذا بما ذكروه إنَّه نبئ أولًا بالرُّؤيا في شهر مولده، ثمَّ كانت مدَّتها ستَّة أشهر، ثمَّ أوحي إليه في اليقظة، ذكره البيهقي وغيره [5] . انتهى.
وفي (( تراجم شيخ الهند ) )أن حديث ابن عباس رضي الله عنهما في مدارسته صلَّى الله عليه وسلَّم مع جبريل في شهر رمضان، الذي هو أفضل الشُّهور، يَظْهَرُ منه اختصَاصٌ واضِحٌ بالوَحْي برمَضَان، ويناسب قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] ، فكأنَّ المصنِّف أشار به إلى البدء الزَّماني للوحى، وإنَّه في رمضان، كما قد ورد ذلك في بعض الرِّوايات الَّتي ليست على شرط المؤلِّف، وعُلِم من قوله: «كان أجْوَدَ بالخَير، وكان أجْودَ ما يَكُون في رَمَضَان» أنَّ كمالاته صلَّى الله عليه وسلَّم كانت تتزايد كثيرًا عند نزول الوحي، حتَّى تتعدَّى منافعها إلى غيره، ويظهر من جميع هذه الأمور عظمة الوحي وبركته. انتهى.
«منَ الرِّيْح المُرْسَلَة» : قال في (( اللَّامع ) )والفضيلة عليها في أنَّها لا تُبْقي ولا تَذَر شيئا أتَتْ عليه، فكَذلك كَان النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يُبْقِي شيئًا مما هو في مُلْكِه.
ج 2 ص 93
[1] أوجز المسالك 1/ 215
[2] فتح الباري:1/ 87
[3] الكاشف عن حقائق السنن:5/ 1629 حديث (2098)
[4] فتح الباري:9/ص 5،
[5] الإتقان في علوم القرآن:1/ 151