ويمكن لي بإيجاز أن أبين أن الجمهور لا يوافقون الحنفية بالقول بعقد الاستصناع ليس من جهة الاسم، وإنما من جهة المعنى، فمثلًا:
يجيز الحنفية أن يكون الثمن مؤجلًا كله أو بعضه في عقد الاستصناع، وبالتالي يكون العقد: بيع دين بدين، وفي السلم يشترط الجميع بما فيهم الحنفية تقديم الثمن، وهذا فرق جوهري جدًا.
العقد في السلم عقد لازم، إذا توفرت شروطه، والعقد في الاستصناع عقد غير لازم قبل إتمام العمل، وإذا تم العمل كان عقدًا غير لازم في حق المستصنع، ولازمًا في حق الصانع بحسب رأي أبي حنيفة؛ لأن المشتري اشترى ما لم يره، فكان له الخيار.
= وأما ما يجمع أجناسًا مقصودة متميزة كالقطن والصوف فهو موضع خلاف بينهم، والراجح عندهم الجواز بشرط علم العاقدين بقدر كل واحد منهما.
جاء في فتح الوهاب (3/ 242) :"ويصح السلم فيما صب منها أي المذكورات أي من أصلها المذاب في قالب، ويصح في أسطال مربعة أو مدورة ...".
قال في المهذب (1/ 298) :"واختلف أصحابنا في الثوب المعمول من غزلين، فمنهم من قال: لا يجوز -يعني السلم فيه- لأنهما جنسان مقصودان، لا يتميز أحدهما عن الآخر، فأشبه الغالية."
ومنهم من قال: يجوز؛ لأنهما جنسان يعرف قدر كل واحد منهما"."
انظر: أسنى المطالب (2/ 130، 131) ، حاشيتي قليوبي وعميرة (2/ 312) ، البيان في مذهب الإِمام الشافعي (5/ 403) .
ومذهب الحنابلة فيه وجهان:
أحدهما: قريب من مذهب الشافعية، قال في الإنصاف (5/ 91) :"ولا يصح يعني: السلم فيما يجمع أخلاطًا غير متميزة، كالغالية، والند، والمعاجين ونحوها بلا نزاع أعلمه ..."وانظر المغني (4/ 185، 186) .
الوجه الثاني: لا يرون السلم في الاستصناع، جاء في الإنصاف (4/ 300) :"ذكر القاضي وأصحابه: أنه لا يصح استصناع سلعة؛ لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم، واقتصر عليه في الفروع".