ومثله لو قال: أسلمت إليك هذا الثوب بدينار، فإن اعتبرنا المعنى قلنا: هذا بيع، وليس سلمًا، وإن اعتبرنا اللفظ قلنا: هذا سلم فاسد؛ لأن المسلم فيه لا بد أن يكون غير معين.
فإذا قلنا: أجرتك هذه السلعة بكذا، وإذا سددت الأقساط كانت السلعة مستحقة لك، فهل ننظر إلى اللفظ فنقول: إجارة، أو ننظر إلى المعنى فنقول: بيع.
وقد سبق بحث هذه المسألة في مبحث مستقل، وبينت أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
وعلى هذا مذهب الحنفية [1] ، والمالكية [2] ، وأحد الوجهين في مذهب
(1) قال في فتح القدير (6/ 251) :"والمعنى هو المعتبر في هذه العقود؛ ألا يرى إلى ما قالوا: لو قال: وهبتك أو وهبت لك هذه الدار أو هذا العبد بثوبك هذا، فرضي به، فهو بيع بالإجماع". يقصد بذلك إجماع علماء الحنفية، والله أعلم.
وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر (ص 207) :"الاعتبار للمعنى، لا للألفاظ، وصرحوا به في مواضع منها ..."ثم ذكر جملة من فروع هذه المسألة في باب الكفالة، والبيع، والهبة، والعتق، والنكاح .. الخ.
وانظر غمز عيون البصائر (2/ 266) ، وانظر مجلة الأحكام العدلية، المادة (3) حيث قال: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني.
(2) جاء في تبصرة الحكام (2/ 129) :"إذا وهب هبة تقتضي أنه يريد بها الثواب، فإن القرائن الدالة على أنه قصد الثواب تقوم مقام الشرط، مثل أن يهب الفقير لغني بخلاف العكس، فإن هبة الغني تدل على أنه لم يرد الثواب".
وقال في حاشية العدوي (2/ 261) :"ومن وهب هبة مطلقًا، وادعى أنه وهبها للثواب، نظر في ذلك، وحمل على العرف، وإن كان مثله يطلب الثواب على الهبة صدق مع يمينه". وانظر التفريع لابن الجلاب (2/ 314) ، وحاشية الدسوقي (3/ 3) ، والفروق للقرافي (1/ 39) .