فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث ابن عمر استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث.
وحديث ابن عباس (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية ) )، الحديث.
أما حديث ابن عمر فأخرجه (م) ، وأما حديث ابن عباس فهو من أفراده، والثاني رواه (خ) ، عن إسحاق ثنا خالد، عن خالد، عن عكرمة، ثنا إسحاق هو ابن بشر الواسطي، ذكره أبو نعيم، وخالد هو ابن عبد الله الطحان، وخالد الثاني هو ابن مهران الحذاء.
و (( السقاية ) )كانت للعباس مكرمة يسقي الناس نبيذ التمر، فأقرها عليه السلام في الإسلام، وموضوعها من باب إكرام الضيف، واصطناع المعروف.
قال ابن إسحاق في (( سيره ) )لما ولي قصي بن كلاب البيت كانت إليه الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، فأعطى ابنه عبد الدار بن قصي ذلك كله، فلما هلك قصي نازعت بنوه عبد مناف بني عبد الدار ذلك، فتصالحوا على أن يكون لبني عبد مناف السقاية والرفادة، ولأولئك الحجابة واللواء والندوة.
أقول قالت بنو قصي فينا الحجابة، يعنون حجابة الكعبة، وهي سدانتها، وتولي حفظها، وهم الذين بأيديهم مفتاحها، والسقاية هي سقاية الحاج، وهي ما كانت قريش تسقيه الحاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام.
والرفادة وهو شيء كانت قريش تترافد به في الجاهلية أي تتعاون فيخرج كل إنسان بقدر طاقته، فيجمعون مالًا عظيمًا، فيشترون به الطعام والزبيب للنبيذ، ويطعمون الناس ويسقونهم أيام موسم الحاج حتى ينقضي.
والندوة يقال ندوت القوم أندوهم إذا جمعتهم في النادي، وبه سميت دار الندوة بمكة كانوا يجتمعون فيها ويتشاورون، واللواء الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش. انتهى ما نقلته من (( النهاية ) ).
قال طاوس والشرب من سقاية العباس من تمام الحج.
وإنما أذن للعباس في المبيت عن منى وهو واجب، ولم يوجب عليه الهدي من أجل السقاية؛ لأنها عمل من أعمال الحج، ألا ترى قوله إذ ورد زمزم وهم يسقون (( اعملوا فإنكم على عمل صالح ) ).
قوله (( لولا أن تغلبوا لنزلت ) )أي لاستقاء الماء فهذه ولاية للعباس وآله للسقاية، وإنما خشي أن يتخذها ص 1643 الملوك سنة يغلبون عليها من وليها من ذرية العباس، ولا تختص رخصة السقي للعباسية على الأصح؛ لأن المعنى عام، وقيل يختص ببني هاشم من آل العباس وغيرهم، وقيل بآل العباس، ولا تختص أيضًا بتلك السقاية على الأصح بل ما حدث للحاج كذلك.
وهذا الحديث أصل في المبيت بمنى ليالي منى مأمور به، وإلا فكان يجوز للعباس ذلك ولغيره دون إرخاص له، وإذا ترك غير من رخص له الثلاث ليال فدم واحد على الأصح.
وفي قول لكل ليلة دم، وإن ترك ليلة فالأظهر أنه يجبر بمد [1] ، وفي قول بدرهم. ونقل عن عطاء، وفي قول لكل ليلة دم.
وقال أبو حنيفة لا شيء عليه، وقال ابن عباس المبيت بمكة مباح ليالي منى، وعن عكرمة نحوه.
والمبيت لا يحصل إلا بمعظم الليل، وفي قول أن الاعتبار بوقت طلوع الفجر، والجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، والثانية الوسطى، وهما بمنى، وثالثها جمرة العقبة، وليست من منى، فمنى من بطن محسر إلى العقبة.
وقال ابن عباس من كان له مباح بمكة يخشى عليه ضياعه بات بها، ومقتضاه إباحته للعذر وعليه دم، على مقتضى قول ابن نافع في (( مبسوطه ) )، ومن حديث ليث، عن مجاهد لا بأس أن يكون أول النهار بمكة وآخره بمنى، ولا بأس أن يكون أول الليل بمنى وآخره بمكة.
وهذا الماء مرصد لمصالح المسلمين أرصده العباس للمارة وابن السبيل، لا يقال إنه من الصدقات؛ فإنها محرمة عليه الفرض والتطوع.
وفيه أنه لا يكره الاستسقاء، وقد استسقى اللبن في مخرجه من المدينة.
وفيه استعمال التواضع؛ فإنهم كانوا يجعلون أيديهم فيه، وشرب منه كما أشار إليه العباس تسهيلًا للناس.
وفيه رد ما قد يهدى له.
وفيه من التواضع قوله لولا أن تغلبوا ... إلى آخره.
و (( على هذه ) )يعني عاتقه.
وفيه أن أفعاله للوجوب فتركه مع الرغبة في الفضل شفقة أن تتخذ واجبًا للاقتداء، نبه عليه الخطابي.
وقال الداودي يريد إنكم لا تدعوني إلى الاستقاء، ولا أحب أن أفعل بكم ما تكرهون، وهذا إنما يجيء إذا كان (( تغلبوا ) )مبنيًا للفاعل، والرواية المعروفة مبنيًا للمفعول الذي لم يسم فاعله.
قال ابن بزيزة وأراد بقوله (( لولا أن تغلبوا ) )قصر السقاية عليهم، وأن لا يشاركوا فيها.
قال بعض الشيوخ المبيت في هذه الليالي سنة عندنا، وبه قال أهل الظاهر.
قال القرطبي وروي نحوه عن ابن عباس والحسن البصري قال والمبيت بمنى ليالي التشريق من سنن الحج بلا خلاف، إلا لذوي السقاية، والرعاة، ومن تعجل بالنفر في ترك ذلك في ليلة واحدة، أو في جميع الليالي، كان عليه دم عند مالك، وللشافعي فيه قولان أصحهما وجوبه، وبه قال أحمد.
ومن المعذورين عن المبيت من له مال يخاف ضياعه إن اشتغل بالمبيت، أو يخاف على نفسه، أو كان به مرض، أو له مريض، أو يطلب آبقًا، وشبه ذلك ففي هؤلاء وجهان عندنا أصحهما وهو المنصوص يجوز لهم ترك المبيت ولا شيء عليهم بسببه.
في (م) من أفراده من حديث بكر بن عبد الله المزني قال كنت جالسًا مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاني أعرابي فقال ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ أومن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل، قدم رسول الله على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى، ص 1644 فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب، وسقى فضله أسامة وقال (( أحسنتم وأجملتم، كذا فاصنعوا ) )، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
في (( أفراد م ) )من حديث جابر أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال (( انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ) )، فناولوه دلوًا فشرب منه، وأفاد ابن السكن أن الذي ناوله الدلو العباس بن عبد المطلب.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( ليالي منى ) )هي ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.
النووي هذا يدل على مسألتين
إحداهما أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق مأمور به وهل هو واجب أو سنة؟ قال أبو حنيفة سنة والآخرون واجب.
الثانية يجوز لأهل السقاية أن يتركوا هذا المبيت ويذهبوا إلى مكة ليستقوا بالليل الماء من زمزم ويجعلوه في الحياض مسبلًا للحاج ولا يختص ذلك عند الشافعي بالعباس بل كل من تولى السقاية كان له ذلك.
وقال بعض أصحابنا تختص الرخصة بالعباس، وقال بعضهم بآل العباس.
واعلم أن السقاية كانت للعباس في الجاهلية وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم له فهي حق لآل العباس أبدًا.
وقال الأزرقي كانت السقاية بيد عبد مناف فكان يحمل الماء في المذاود والقرب إلى مكة ويسكب في حياض من أدم بفناء الكعبة للحاج ثم وليها بعده هاشم ثم عبد المطلب حتى حفر بئر زمزم، ثم يشتري الزبيب ينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس، وكان أيضًا يسقي اللبن بالعسل في حوض آخر فقام بأمر السقاية بعده العباس في الجاهلية ثم أقرها النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ولم تزل في يده حتى مات فوليها عبد الله ثم ابنه علي بن عبد الله وهلم جرًا.
و (( السقاية ) )اسم الموضع الذي يسقى فيه الماء.
قال صاحب (( المجمل ) )هو الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في الموسم وغيره.
و (( الفضل ) )هو أخو عبد الله بن العباس, قوله (( فقال ) )الفاء فيه فصيحة؛ أي فذهب فأتى بالشراب فقال له رسول الله (( اسقني ) ).
و (( يعملون فيها ) )أي ينزحون منها الماء و (( لولا أن تغلبوا ) )أي لولا أن يجتمع عليكم الناس ومن كثرة الزحام تصيروا مغلوبين أو لولا مغلوبيتكم بأن يجب عليكم ذلك عند فعلي.
قال الخطابي فيه دليل على أن ظاهر أفعاله فيما يتصل بأمور الشريعة على الوجوب شفقًا أن يتخذ سنة.
وفيه أن رسول الله لم تحرم عليه الصدقات التي سبيلها المعروف كالمياه التي تكون في السقايات يشربها المارة.
وفيه إثبات أمر سقاية الحاج.
قال التوربشتي معناه لولا أن تغلبوا عليها بأن ينتزعها الولاة منكم حرصًا على حيازة هذه المأثرة.
[1] لعل الصواب (( بدم ) ).