فهرس الكتاب

الصفحة 1310 من 3844

73 -باب إذا اشترط في البيع شروطًا لا تحل

فيه حديث عائشة في قصة بريرة قوله عليه السلام (( ما بال رجال يشترطون ) )، الحديث.

ثم ذكر حديثًا آخر عنها بنحوه.

وهو حديث صحيح حفيل له طرق، وقد أفرد بالتأليف، وقام الإجماع على أن من اشترط في البيع شرطًا لا يحل أنه لا يجوز شيئًا منها؛ عملًا بهذا الحديث، واختلف في غيرها من الشروط على مذاهب مختلفة، فذهبت طائفة إلى أن البيع جائز، والشرط باطل على نص حديث بريرة، وهو قول ابن أبي ليلى والحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وابن جرير، ودل هذا الحديث أن الشروط كلها في البيع تبطل وتثبت البيوع.

وذهبت أخرى إلى جوازهما، واحتجوا بحديث جابر في بيعه واستثنائه حمله إلى المدينة، روي ذلك عن حماد وبعض التابعين.

وذهبت طائفة إلى بطلانها، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط ) )، وهو قول عمر وولده وابن مسعود والكوفيين والشافعي.

ولها عند مالك أحكام مختلفة، ويجوز عنده البيع والشرط في مواضع، ومما أجازه مالك فيه البيع والشرط شراء العبد بشرط عتقه، اتباعًا للسنة في بريرة، وهو قول الليث، وبه قال الشافعي في رواية الربيع.

قال المهلب وحديث بريرة أصل في العقوبة في الأموال؛ لأن مواليها أبوا الوقوف عند حكم الله وحكم السنة، فلما عرفت عائشة رسول الله بإبائهم واستمرارهم على خلاف الحق باشتراطهم ما لا يجوز، قال لها اشترطي لهم ذلك فإن ذلك غير نافعهم ولا ناقض لبيعهم، فعاقبهم بالمال.

فيه جواز كتابة الأمة، وكرهها القاضي في (( معونته ) )لما روي عن عثمان أنه قال لا تكلفوا الأمة الكسب فتكسب بفرجها.

وفيه تنجيم الكتابة خلافًا للمالكية، والإعانة عليها، ويدل على أن الخير في الآية الصلاح والعفة لا المال.

وفيه جواز السؤال للضرورة، لقولها أعينيني.

وفيه أخذ المكاتب الزكاة وهو المعني بقوله {وفي الرقاب} [التوبة60] خلافًا لمالك.

وفيه جواز بيع المكاتب، وقد يقال إنها عجزت نفسها، وأجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي.

وفي تعجيز المكاتب ثلاثة أقوال عند المالكية

ثالثها ما في (( المدونة ) )نعم، إلا أن يكون له مال ظاهر.

قوله (( واشترطي لهم الولاء ) )قد سلف أنه تفرد مالك به عن هشام، وأنه لم يتابع.

وقال يحيى بن أكثم هذا لا يجوز عن رسول الله، ولا يتوهم أنه يأمر بغرور أحد. وليس كما قال، فقد تابعه عليه أبو أسامة وجرير، وقد سلف تأويله أن لهم بمعنى عليهم، أو أنه من باب {اعملوا ما شئتم} [فصلت40] على التهكم، أو أنه لم يعبأ بقولهم، ولا رآه قادحًا في البيع، وأن هشامًا نقله على المعنى، أو أنه قد يخرج الحكم بخاص يتعلق به، ثم يرتفع السبب ويرتفع الحكم؛ فإن الجاهلية كانت تعتقد ذلك، فأراد عليه السلام أن يمنعهم منه فأمرهم بفعله، ثم منعه ليكون أبلغ في منعه، قاله الشافعي.

أو معنى (( اشترطي لهم الولاء ) )أي لا يلزمك، ويدل له رواية (خ) في بعض طرقه (( اشتريها وأعتقيها، ص 2007 ودعيهم يشترطون ما شاءوا ) )وروي (( اشترطي ) )رباعي؛ أي بيني، أو خص به عائشة، أو لم يكن الشرط في العقد، فهذه سبع تأويلات.

وخطب عليه السلام على رؤوس الأشهاد أبلغ في النكير.

قوله (( قضاء الله أحق ) )وفي لفظ (( شرط الله أحق ) )يعني قوله تعالى {فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب5] وقوله {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} [الأحزاب37] فأثبت الولاء للمعتق.

وفيه الابتداء بالحمد عند الموعظة.

وفيه دليل على ابن عباس القائل قال المكاتب حر بنفس الكتابة؛ لأنه قال الولاء إلى عائشة، وعندنا وعند مالك أنه عبد ما بقي عليه درهم، وعند ابن مسعود يعتق إذا أدى نصف كتابته.

وفيه أن المسؤول لا يجب عليه أن يعطي سائله إذا لم يخف عليه هلكة من موت أو أسر.

وفيه أن العدة لا تلزم؛ لأنه عليه السلام لم يلزمها ما شرطت لهم، ورد ذلك عليهم.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( بريرة ) )بفتح الموحدة والأواق جمع أوقية وفي مقدارها خلاف، والأصح أن الأوقية الحجازية أربعون درهمًا، وكان أصله أواقيذ _ بتشديد الياء _ فحذف إحدى الياءين تخفيفًا والثانية على طريق قاض.

وفيه أن مال الكتابة منجم.

قوله (( أعدها ) )أي أشتريك وأزن الأواقي عنك وأعتقك ويكون ولاؤك لي، ويؤخذ من هذا بأن يفسخ عقد الكتابة بعجز المكاتب عن أداء النجوم.

قوله (( من عندهم ) )في بعضها (( من عندها ) )أي عند أهلها.

فإن قلت ما الفائدة في الإخبار حيث سمع رسول الله بنفسه؟ قلت سمع شيئًا مجملًا فأخبر به مفصلًا.

قوله (( اشترطي ) )فإن قلت كيف صح هذا والشروط ثلاثة أقسام باطل في نفسه مبطل للعقد، وباطل غير مبطل، ولا باطل مبطل وما نحن فيه من القسم الأول؟

قلت قال النووي هذا مشكل من حيث أن هذا الشرط يفسد البيع من حيث أنها خدعت البائع وشرطت لهم ما لا يصح فكيف أذن رسول الله لعائشة؟ ولهذا الإشكال أنكر بعضهم هذا بجملته، هذا منقول عن يحيى بن أكثم أي _ بفتح الهمزة وسكون الكاف وبالمثلثة _ المروزي قاضي بغداد أحد أعلام الدنيا.

واستدل بسقوط هذه اللفظة في كثير من الروايات، فأوله العلماء بتأويلات بأن معناه اشترطي عليهم كما قال {وإن أسأتم فلها} [الإسراء7] أي فعليها، أو بأن المراد أظهري لهم حكم الولاء، أو بأن المراد التوبيخ لهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد بين لهم أن هذا الشرط لا يصح فلما لجوا في اشتراطه، ومخالفة أمره قال لعائشة هذا، بمعنى لا تبالي سواء شرطوا أم لا؛ فإنه شرط باطل مردود لما بين بيانه لهم، والأصح أنه من خصائص عائشة رضي الله عنها، وهي قضية عين لا عموم لها.

قالوا والحكمة في إذنه فيه ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم في ذلك كما أذن لهم في الإحرام في حجة الوداع ثم أمرهم بفسخه وجعله عمرة ليكون أبلغ في زجرهم عما اعتادوه من منع العمرة في أشهر الحج، وقد تحتمل المفسدة اليسيرة لتحصيل مصلحة عظيمة.

الخطابي وجهه أن يقال إن الولاء لحمة كلحمة النسب، والإنسان إذا أعتق عبدًا ثبت له ولاؤه كما إذا ولد له ولد ثبت له نسبه، فلو نسب إلى غيره لم ينتقل نسبه عن والده، كذلك إذا أراد نقل ولائه عن محله لم تنتقل عنه فلم يعبأ رسول الله بقولهم ولا رآه قادحًا في العقد إذ جعله بمنزلة اللغو من الكلام وقولهم يقولون ما شاءوا لتكون الإشارة برده وإبطاله قولًا يخطب به على الناس ظاهرًا على رؤوس الإشهاد إذ هو أبلغ في النكير وأوكد في التعبير.

وقد أول أيضًا بأن هذا الأمر ص 2008 كان على معنى الوعيد والتهديد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي كقوله {اعملوا ما شئتم} [فصلت40] .

قوله (( ما بال ) )فإن قلت لا يجوز حذف الفاء من جواب (( أما ) )؟

قلت هذا دليل على جواز حذفه، ومر مثله في كتاب الحج في باب طواف القارن حيث قال وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافًا واحدًا.

قوله (( في كتاب الله ) )أي مكتوبة قرآنًا أو حديثًا ولفظ الشرط في (( مائة شرط ) )مصدر ليكون معناه مائة مرة حتى يوافق الرواية المصرحة بلفظ المرة. وكلمة (( إنما ) )تفيد حصر الولاء على المعتق لا للحليف ونحوه.

وفيه جواز السجع إذا لم يتكلفه وإنما نهى عن سجع الكهان لما فيه من التكليف.

وفيه فوائد غزيرة وقد صنف ابن جرير فيه مجلدًا كبيرًا وتقدم بعضها في باب ذكر البيع على المنبر في أبواب المسجد.

الزركشي

(( على تسع أواقي ) )بتخفيف الياء وتشديدها، جمع أوقية _ بضم الهمزة وتشديد الياء.

وقولها (( كاتبت ) )ظاهره أن الكتابة كانت قد انعقدت، وبعد هذا فما وقع من شراء عائشة فسخ لها عند من يقول به، وأما من لم يقل به _ كالشافعي وغيره _ فأشكل عليهم الحديث، وتحزبوا في تأويله، فقيل (( كاتبت ) )بمعنى راوضتهم عليها، وأنها لم تقع بعد، وهذا خلاف الظاهر، وقيل ذلك بتعجيزها نفسها، وهو المختار.

(( أما بعد ما بال؟ ) )كذا بإسقاط الفاء في الجواب، وهو عند المحدثين نادر.

(( في كتاب الله ) )أي في سنة رسول الله، قال تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر7]

(( أن تشتري جاريةً فتعتقها ) )هو بالنصب عطفًا على المنصوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت