فيه حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء.
هذا الحديث أخرجه (م) أيضًا، وهو عند العلماء مستحب مستحسن مرغب فيه، ونقله ابن عبد البر عن مالك وغيره من أهل العلم.
قال وليس بسنة من سنن الحج ولا من المناسك التي تجب على تاركها دم أو فدية ولكن حسن عند جميعهم؛ الإهلال منها لأهل المدينة، إلا ابن عمر فإنه جعله سنة.
وهذه البطحاء المذكورة هنا يعرفها أهل المدينة بالمعرس، وأناخ بها صلى الله عليه وسلم في رجوعه من مكة إلى المدينة، وبمكة أيضًا بطحاء، وكذا بذي قار، وبطحاء أزهر نزل به عليه السلام في غزواته، وبه مسجد، فهذه أماكن أربعة.
قال والدي رحمه الله تعالى
لفظ (( مهل ) )بضم الميم وفتح الهاء اسم مكان الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية.
فإن قلت غرض (خ) أن الإحرام لا بد وأن يكون من هذه المواقيت فما وجه دلالته عليه إذ ليس فيه إلا أن تلبيته من ثمة؟ قلت التلبية إما واجبة في الإحرام أو سنة فيه وعلى التقديرين فالإحرام لا يخلو منها فالمهل هو الميقات.
قوله (( وهيب ) )مصغر الوهب (( ووقت ) )أي عين والتوقيت التعيين فلا يقال إن ذا الحليفة هو الميقات المكاني لا الزماني فلم قال (( وقت ) ).
قوله (( قرن المنازل ) )هو جمع المنزل والمركب الإضافي هو اسم المكان، وقد يختصر على لفظ المضاف كما في الحديث المتقدم.
قوله (( هن ) )أي المواقيت لأهلهن وللمار عليهن (( وأنشأ ) )أي قصد وابتدأ، ويروى (( أهل ) )مرفوعًا ومجرورًا وفي بعضها بلفظ الماضي من الهلال.
فإن قلت ليس للمكي الإحرام من مكة بالعمرة بل من الحل؟ قلت الحديث مخصوص به أو لأن العمرة حج أصغر والحج قصد وهو بالخروج من الحرم.
الخطابي هذه المواقيت وقتت لتكون حدودًا لا يتجاوزها من أراد الإحرام في حج أو عمرة وهي لا تمنع من تقديم الإحرام عليها والمواقيت للعبادة على ضربين أحدهما هذا، والآخر كمواقيت الصلاة فإنها ضربت حدودًا لئلا تقدم الصلاة عليها.
قال والدي رحمه الله تعالى
الميقات الزماني للحج أيضًا لا يجوز أن يتقدم عليه فالحج والصلاة يتساويان فيما يتعلق بالزمان.
وقال وفيه أن النجدي إذا جاء من اليمن كان ميقاته يلملم ونحوه.
وفيه أنه من كان عند مروره بها غير مريد للنسك ثم حضرته نيته بعد ما جاوزها كان له إنشاؤه من حيث قصده ولا يلزمه دم وأن من داره دون هذه؛ أي ما يلي الحرم ينشئ الإحرام من دويرة أهله ولا يجب أن يصعد إلى الميقات حتى إن أهل مكة يهلون من جوف مكة وهذا في الحج، وأما العمرة فإنما وجب عليهم الخروج لها منها ص 1558 من أجل أن الله قال {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران97] ، والحج معناه القصد فلما كانت أعمال العمرة كلها واقعة في الحرم أوجبنا عليه الخروج إلى الحل للإحرام لها ليصير قاصدًا إلى البيت، ولما لم يكن للحاج به من الخروج إلى عرفة وعند منصرفه منها يصير قاصدًا لم يوجب الخروج إلى الحل.
(( باب ميقات أهل المدينة ) )قال والدي رحمه الله تعالى قوله (( لا يهلوا قبل ذي الحليفة ) )فإن قلت يجوز تقديم الإحرام على الميقات المكاني فما معناه؟ قلت إما أن يريد به النهي التنزيهي؛ فإن الأفضل أن يحرم من الميقات لا قبله اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وإما أن مذهبه عدم جواز التقديم عليه نظرًا إلى ظاهر لفظ الحديث إذ قال (( ويهل أهل المدينة من ذي الحليفة ) )وإما أن يراد بالقبلية ما قدامها من جهة مكة لا من جهة المدينة.
قوله (( وبلغني ) )فإن قلت هل يكون مثله حجة إذ هو من قبيل المجهول لأن راويه غير معلوم؟ قلت لا ينقدح به؛ لأن الظاهر أنه لا يرويه إلا عن صحابي آخر والصحابة كلهم عدول.
قوله (( دونهن ) )أي أقرب إلى مكة (( فمهله ) )بضم الميم؛ أي مكان إحرامه دويرة أهله (( وكذلك ) )أي وكذا من كان أقرب من هذا الأقرب حتى أهل مكة يكون مهلهم من مكة.
قوله (( مهيعة ) )بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتانية وإهمال العين وقيل بكسر الهاء والصحيح المشهور هو الأول.
قوله (( زعموا ) )أي قالوا والزعم يستعمل بمعنى القول المحقق ولفظ (( ولم أسمعه ) )معترضة بين (( قال ) )ومقوله.
قوله (( المصران ) )أي البصرة والكوفة وقرن قد يكتب بدون الألف ويقرأ بالتنوين على اللغة الربعية إلا أن يقال إنه علم للبقعة.
قوله (( جور ) )بفتح الجيم وسكون الواو الميل عن القصد والحذو بفتح المهملة وسكون المعجمة الحذاء؛ أي المقابل يقال حذوت النعل بالنعل؛ أي قدرت كل واحدة لصاحبتها.
قوله (( ذات عرق ) )بكسر المهملة وسكون الراء وبالقاف على مرحلتين من مكة.
والعراق هو الإقليم المعروف، وسمي به لاستواء أرضه وخلوها من جبال تعلو وأودية تنخفض والعراق لغة الاستواء وقيل لأنه على شاطئ دجلة والفرات حتى يتصل بالبحر وكل شاطئ ماء عراق وقيل هو معرب إيران، وقيل لتراشح عروق الأشجار. انتهى كلام والدي رحمه الله.
أقول قال ياقوت العراق ماء لبني سعد بن مالك، ومحلة كبيرة عظيمة بمدينة إخميم من مصر، والعراق المشهور هو ما بين حديثة الموصل إلى عبدان طولًا وما بين عذيب القادسية إلى حلوان عرضًا، وسمي بالعراقين الكوفة والبصرة؛ لأنهما محال جند المسلمين بالعراق، ولكل واحد منهما وال يختص به، وحده عند الفقهاء ما ذكرناه. انتهى.
قال النووي وقع الإجماع على أن ذات عرق ميقات أهل العراق وقال الشافعي ولو أهلوا من العقيق كان أفضل والعقيق أبعد من ذات عرق بقليل فاستحبه لأثر فيه؛ ولأنه نقل أن ذات عرق كانت أولًا في موضعه ثم حولت وقربت إلى مكة.
الزركشي
(( مهل ) )بضم الميم موضع الإهلال، مفعل من أهل يهل.
قال أبو البقاء وهو مصدر بمعنى الإهلال كالمدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج.
(( هن لهن ) )هذا ضمير جمع المؤنث العاقل، فكيف استعمل فيما لا يعقل؟ ولهذا في نسخة (( لهم ) )، ومن قال إنه يجوز أن يكون ضمير الجماعات المتقدمة من أهل المدينة وأهل الشام وما بعدهما، أي هذه البقاع التي هي المواقيت لهذه الجماعات المذكورة.
(( حتى أهل مكة ) )بالرفع؛ لأن (( حتى ) )ابتدائية. ص 1559
(( مهيعة ) )وهي الجحفة، وفي (( دلائل النبوة ) )ثابت أنها قريبة من الجحفة، وقيدها أكثرهم بفتح الميم وكسر الهاء وسكون الياء فعيلة كجميلة.
(( حتى إن ) )بالكسر؛ لأنها ابتدائية.
(( لما فتح هذان المصران ) )بضم (( فتح ) )على البناء للمفعول وفتحها، ونصب (( هذين ) )، والفاعل مضمر وهو الله تعالى، قاله القاضي.
وقال ابن مالك تنازع (( فتح ) )و (( أتوا ) )وهو على إعمال الثاني وإسناد الأول إلى ضمير (( عمر ) ).
(( جور عن طريقنا ) )أي مائل عنه وليس على جادته.
(( فانظروا حذوها ) )بذال معجمة؛ أي مقابلها وتلقاءها.