عن أبي هريرة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزًا يومًا للناس الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) هنا عن مسدد وفي الزكاة مختصرًا عن محمد بن عبد الرحيم، وفي التفسير عن إسحاق وأخرجه (م) هنا عن أبي بكر.
وقد سلف ذكر رواية غير أبي حيان، وهو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي التيمي تيم الرباب. وليس هو بتابعي، اتفقوا على الثناء عليه.
وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية. وأبو زرعة اسمه هرم بن عمرو، وهذا الحديث مشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة راجعة إليه والأحكام منطبقة عليه والبروز الظهور، فمعنى بارزًا ظاهرًا لهم جالسًا معهم. قال ابن سيده برز يبرز بروزًا خرج إلى البراز وهو الفضاء وبرزه إليه وأبرزه، وكل ما ظهر بعد خفاء فقد برز.
واختلف في الجمع بين الإيمان واللقاء والبعث، فقيل اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء، والبعث بعده عند قيام الساعة، وقيل اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب، ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى، فإن أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، ولا يدري الإنسان ما يختم له.
رواية (م) البعث الآخر بكسر الخاء وقيده بذلك مبالغة في الإيضاح لشدة الاهتمام به. وقيل إن خروج الإنسان إلى الدنيا بعث من الأرحام، وخروجه من القبر إلى المحشر بعث من الأرض. فقيد البعث بالآخر؛ ليتميز.
والعبادة الطاعة مع خضوع، ولذلك قال الهروي يقال طريق معبد. إذا كان مذللًا للسالكين، وكل من دان لملك فهو عابد له.
وفي (( المحكم ) )عبد الله يعبده، ويعبده عبادةً ومعبدة ومعبدة تأله له. وفي (( الصحاح ) )التعبد التنسك.
فيحتمل أن يكون المراد هنا معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيته، ويكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها؛ لإدخالها في الإسلام؛ لأنها لم تكن دخلت في لفظ العبادة، واقتصر على هذه الثلاث؛ لكونها من أظهر شعائر الإسلام وأركانه، والباقي ملحق بها، وترك الحج إما لأنه لم يفرض إذن، أو أن بعض الرواة لم يجوده وأسقطه.
ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقًا كما هو حدها ومقتضى إطلاقها، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها. وعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهًا على شرفه ومزيته كقوله تعالى {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} [الأحزاب7] .
والإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة، وأنه تعالى منزه عن صفات النقص ص 234 التي هي أضداد تلك الصفات، وعن صفات الأجسام.
في (خ) في كتاب التفسير، و (م) هنا زيادة (( وكتبه ) )بعد (( وملائكته ) )وفي بعضها (( وكتابه ) ). والإيمان بكتب الله هو التصديق بأنها كلام الله ومن عنده، وأن ما تضمنه حق وأن الله تعبد خلقه بأحكامها وفهم معانيها.
(( الملائكة ) )جمع ملك. فقيل لا اشتقاق له. وقيل وزنه فعل. وقيل مفعل من لاك أي أرسل. وقيل مأخوذ من الألوكة التي هي الرسالة، فأصله على هذا مالك؛ فالهمزة فاء الفعل، لكنهم قلبوها إلى عينه فقالوا ملأك. وقيل مثل سمأل.
ويجب الإيمان بجميع ملائكة الله تعالى، فمن ثبت تعيينه كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن لم يثبت إثباته إجمالًا، وكذلك الأنبياء والرسل، وما يثبت من ذلك بالنص والتواتر كفر من يكفر به.
والإيمان برسل الله هو بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله آثرهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم بلغوا عن الله رسالته وبينوا للمكلفين ما أمرهم ببيانه، وأنه يجب احترامهم، وأن لا نفرق بين أحد منهم.
قوله (( ولا تشرك به ) )وفي (م) (( لا تشرك به شيئًا ) ). إنما ذكر بعد العبادة؛ أن الكفار كانوا يأتون بصورة عبادة الله تعالى في بعض الأشياء، ويعبدون الأوثان وغيرها، ويزعمون أنها شركاء فنفى هذا وجاء هنا، وفي كتاب التفسير (( تعبد الله ولا تشرك به ) )، وجاء في حديث ابن عمر في (م) فيه (( أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) )فكان أبا هريرة نقل الحديث بالمعنى، وابن عمر نقله باللفظ.
وجاء في حديث ابن عمر (( ويحج البيت ) )ولم يأت في رواية أبي هريرة ولا في حديث طلحة بن عبيد الله، وقد سلف الجواب عنه قريبًا.
والمراد بإقامة [الصلاة] فعلها بحدودها، وقيدها في (م) بالمكتوبة تبركًا بقوله تعالى {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا} [النساء13] .
وقد اشتهر في غير ما حديث تسميتها مكتوبة كقوله عليه السلام (( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) )ونحوها فيحتمل تقييدها بالمكتوبة للاحتراز من النافلة، ويحتمل أن تكون لمراعاة الأدب مع لفظ القرآن، وكان عليه السلام يلازم هذا الأدب، ومنها تنكير المقام في قوله (( مقامًا محمودًا ) )وهو معين؛ لتوافق الآية وهي مقامًا محمودًا.
وتقييد الزكاة بالمفروضة لتخرج صدقة التطوع؛ فإنها زكاة لغوية. وقيل للاحتراز من الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة وليست مفروضة الآن. وإنما فرق بين الصلاة والزكاة. فقال في الأولى المكتوبة، وفي الثانية المفروضة للبلاغة.
وفيه جواز قول رمضان من غير إضافة لفظ الشهر إليه.
والإحسان مصدر أحسن يحسن إحسانًا، وهو بمعنيين
أحدهما متعد بنفسه، كأحسنت كذا وحسنته إذا كملته، منقول بالهمزة من حسن الشيء.
والثاني متعد بحرف الجر، فأحسنت إليه إذا أوصلت إليه النفع، والإحسان في هذا الحديث بالمعنى الأول؛ فإنه يرجع إلى إتقان العبادات ومراعاة حق الله ومراقبته.
ومعنى (( تعبد الله كأنك تراه ) )إلى آخره أن تعبد عبادة من يرى الله تعالى ص 235 ويراه الله تعالى، فإنك لا تستبقي شيئًا من الخضوع والخشوع، ومراعاة الآداب الظاهرة والباطنة ما دمت في عبادته، وإن عرض عارض فنادر.
وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة. ولعل هذه الحالة هي المشار إليها بقوله عليه السلام (( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) ).
والثاني حال من يغلب عليه اطلاع الحق عليه، وإليه الإشارة بقوله تعالى {الذي يراك حين تقوم} [الشعراء218] .
والألف واللام في (( ما الإحسان؟ ) )إلى المعهود في قوله تعالى {للذين أحسنوا الحسنى} [يونس26] ونحوها من الآيات، ولتكراره في القرآن ولترتب السؤال عليه سأل جبريل عليه السلام عنه.
أقول وأصل الساعة مقدار من الزمان غير معين لقوله تعالى {ما لبثوا غير ساعة} [الروم55] والمراد بها هنا يوم القيامة، وقد يطلق من عرف الميقاتين على جزء من أربعة وعشرين جزءًا من اليوم والليلة والساعة عبارة عن ستين دقيقة، والدقيقة عبارة عن ستين ثانية إلى التاسعة فإنها ستين جزءًا من العاشرة، والعاشرة بعشر ضبط آخرًا بها وقالوا بعبارة أخرى أن الساعة عبارة عن خمسة عشر درجة وفيه تجوز، وإنما مرادهم سير الشمس في فلكه وقطع خمسة عشر درجة من الفلك والساعة ورد لمعان.
قال ابن الأثير في (( النهاية ) )الساعة يوم القيامة والساعة يطلق لمعنيين
أحدهما أن تكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزء من مجموع اليوم والليلة، والثاني أن تكون عبارة عن جزء قليل من الليل أو النهار يقال جلست عنده ساعة من نهار أي وقتًا قليلًا منه، ثم استعير لاسم يوم القيامة.
قال الزجاج معنى الساعة في كل القرآن الوقت الذي تقوم فيه الساعة يريد أنها ساعة حقيقة يحدث فيها أمر عظم فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعة.
قوله (( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ) )فيه أن الأدب للمفتي والعالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم.
و (( أشراطها ) )بفتح الهمزة وسكون الشين واحدها شرط بفتحهما علاماتها، ومنه سمي الشرط؛ لأنهم يعملون لأنفسهم علامات وقيل أوائلها ومقدماتها. وقيل صغار أمورها.
وفي (( الغريبين ) )عن الأصمعي ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض الناس على بعض إنما هي علامة يجعلونها بينهم.
النووي المراد بأشراطها السابقة لا أشراطها المضايقة لها كطلوع الشمس من مغربها ونحوها.
قوله (( أن تلد الأمة ربها ) )، وفي رواية (م) (( ربتها ) )، وفي رواية (( بعلها ) ).
ومعنى الأولين السيد. كما يقال رب الدار، وهو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مال الإنسان صائر إلى ولده غالبًا، وقد يتصرف فيه في حياته إما بإذن أبيه له أو بقرينة الحال أو عرف الاستعمال، هذا ما عليه الأكثرون.
وعبر بعضهم بأن المراد استيلاء المسلمين على الكفرة فتكون الأمة من سيدها بمنزلة سيدها، والعلامة على هذا كثرة الفتوح والتسري، وقيل معناه أن الإماء تلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وهو قول إبراهيم الحربي.
وقيل معناه أنه تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ص 236 ابنها وهو لا يدري.
وعلى هذا القول لا تختص بأمهات الأولاد بل يتصور في غيرهن، فإن الأمة قد تلد حرًا بوطء غير سيدها بشبهة، أو ولدًا رقيقًا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها وبنتها؛ وعلى هذا يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، وقيل إن أم الولد لما عتقت بولدها فكأنه سيدها.
وقيل معناه أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الأهنة [1] .
وأما رواية (( بعلها ) )فالصحيح في معناها أن البعل هو السيد أو المالك، فيكون بمعنى ربها.
قال أهل اللغة بعل الشيء ربه ومالكه. قال تعالى {أتدعون بعلًا} [الصافات125] أي ربًا؛ قاله ابن عباس والمفسرون، وقيل المراد هنا الزوج.
وعلى هذا معناه نحو ما سبق أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري، وهذا أيضًا معنى صحيح إلا أن الأول أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى.
ومع هذا فالقائل بأن المراد الزوج أن يقول ليس في هذا ترجيح هنا؛ لأن المراد هنا بيان علامة من علامات الساعات وهي غير منحصرة في هذا المذكور، فإن من جملتها رفع العلم، وظهور الجهل، وظهور الزنا، وغير ذلك مما تظاهرت عليه الأحاديث، وهذه العلامات قد وقع أكثرها وتزايدت.
وليس في الحديث دلالة على إباحة بيع أمهات الأولاد، ولا بيع بعضهن، وقد استدل به إمامان جليلان أحدهما على الإباحة، والآخر على المنع.
وهو عجيب منهما، وليس كل ما أخبر به الشارع بكونه من العلامات يكون محرمًا أو مذمومًا، فإن تطاول الرعاء في البنيان وفشو المال وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك، وإنما هذه علامة، والعلامة تكون بالخير والشر والحرام والواجب والمباح وغير ذلك.
و (( الرعاة ) )بضم الراء وبالهاء في آخره جمع راع، كقاض وقضاة، ويقال أيضًا رعاء بكسر الراء وبالمد من غير هاء كصاحب وصحاب. يقال راع ورعيان ورعاة ورعاء؛ لأن فاعلًا إذا كان اسمًا فجمعه على فواعل قياسًا كحائط وخاتم وشبهها. وإن كان صفة استعمل استعمال الأسماء كراع، يجمع على فعلان بضم الفاء كرعيان، وعلى فعال بكسر الفاء، وعلى فعلة كرعاة وقضاة وغزاة؛ فإن أصلها رعية وقضية وغزوة قلبت لام الكلمة ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت رعاة وغزاة وقضاة، وأصل الرعي الحفظ.
قوله (( رعاة الإبل البهم ) )كذا في رواية (خ) وفي (م) حذف الإبل؛ لأنهم أضعف أهل البادية؛ لأن أصحاب الإبل أصحاب الفخر والخيلاء، والبهم بضم الباء بلا خلاف ورواه الأصيلي بالفتح ولا وجه له، وروي بجر الميم ورفعها، فمن جر جعله وصفًا للإبل؛ أي رعاة الإبل السود قالوا وهي شرها، ومن ضم جعله صفة للرعاة، ومعناه الرعاة السود.
الخطابي معناه الرعاة ص 237 المجهولون الذين لا يعرفون. جمع بهيم، ومنه أبهم الأمر، وقيل الذين لا شيء لهم، ومنه (( يحشر الناس حفاة عراة بهمًا ) )أي لا شيء معهم، ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة يبسط لهم في الدنيا حتى يتباهوا في البنيان وإطالته.
والبهم صغار الضأن والمعز، هذا قول الجمهور، وقال الزبيدي في (( مختصر العين ) )البهمة اسم لولد الضأن والمعز والبقر، وجمعه بهم وبهام، وأما البهيمة فهي ذوات الأربع من دواب البر والبحر.
وذكر التياني في (( الموعب ) )أن البهم صغار الضأن، الواحدة بهمة للذكر والأنثى والجمع بهم، وجمع البهم بهام وبهامات. وفي (( المخصص ) )تكون بعد العشرين يومًا بهمة من الضأن والمعز إلى أن تفطم.
وفي (( المحكم ) )وقيل هو بهمة إذا شب، والجمع بهم وبهم وبهام، وبهامات جمع الجمع، وقال ثعلب البهم صغار المعز.
وفي (( الجامع ) )للقزاز بهمة مفتوحة الباء ساكنة الهاء، يقال لأولاد الوحش من الظباء، وما جانس الضأن والمعز بهم.
وفي (( الصحاح ) )البهام جمع بهم. والبهم جمع بهمة. والبهمة للمذكر والمؤنث للضأن خاصة، والسخال أولاد المعزى، وإذا اجتمعت البهام والسخال قلت لهما جميعًا بهام وبهم أيضًا. وقيل البهمة السخلة.
وفي الحديث أنه عليه السلام قال للراعي (( ما ولدت ) )قال بهمة. قال (( اذبح مكانها شاة ) )فلولا أن البهمة اسم لجنس خاص لما كان في سؤاله الراعي وإجابته عنه ببهمة كثير فائدة، إذ يعرف ما تلد الشاة إنما يكون ذكرًا أو أنثى فلما أجاب عنه ببهمة وقال (( اذبح مكانها شاة ) )دل على أنه اسم للأنثى دون الذكر، أي دع هذه الأنثى في الغنم للنسل واذبح مكانها ذكرًا.
قوله (( في خمس لا يعلمهن إلا الله ) )أي استأثر بعلمها، وفي الكلام حذف تقديره في خمس، أي هي في خمس انفرد الله تعالى بعلمها، أي هي في عدد خمس ولا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الخمسة إلا أن يعلمه الله تعالى به.
قوله (( ثم أدبر ) )فقال (( ردوه ) )، فلم يروا شيئًا، فقال عليه السلام (( هذا جبريل ) ). وفي (( الصحيح ) )أيضًا فلبثت مليا، ثم قال لي يا عمر، (( أتدري من السائل؟ ) ). وفيه فقال عليه السلام (( إنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم ) ).
وفي أبي داود والترمذي قال عمر ثم انطلق فلبثت ثلاثًا ثم قال لي (( يا عمر أتدري من السائل؟ ) )، فظاهر هذه الرواية أنه قال له بعد ثلاث ليال، فهو مغاير لما تقدم من قوله فلبثت مليا.
فيحتمل أن عمر لم يحضر قوله عليه السلام أولًا (( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) )في الحال، بل كان قام من المجلس فأخبر عليه السلام الحاضرين في الحال وأخبر عمر بعد ثلاث.
أقول لفظ الترمذي بعد أن ساق الحديث إلى أن قال قال عمر فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بثلاث فقال (( يا عمر هل تدري من السائل؟ ذاك جبريل أتاكم يعلمكم معالم دينكم ) )انتهى.
قوله (( هذا جبريل ) )فيه دلالة على تشكل الملائكة في صور بني آدم كقوله تعالى {فتمثل لها بشرًا سويا} [مريم17] وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية، ولم يره النبي صلى الله عليه وسلم على خلقته التي خلق عليها غير مرتين.
قوله (( جاء يعلم الناس دينهم ) )أي قواعد دينهم وكلياتها، وهذا دال على أنه إنما عرفه عليه السلام في آخر الأمر. وقد جاء مبينًا في الدارقطني في آخر هذا الحديث (( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم فخذوا عنه، فوالذي نفسي ص 238 بيده ما شبه علي مذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى ) ).
زاد سليمان التيمي في الحديث من طريق ابن عمر (( وتغتسل وتتم الوضوء ) )، قال ابن حبان تفرد بها.
قلت وهو ثقة بإجماع، وفيه بعد (( وتحج البيت وتعتمر ) )، وصححها الحاكم وغيره.
أخرج هذا الحديث النسائي من طريق أبي ذر وأبي هريرة أيضًا بزيادة حسنة كان عليه السلام يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا ندري أهو هو حتى يسأل، فطلبنا أن نجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانًا من طين يجلس عليه، إنا لجلوس عنده ورسول الله صلى الله عليه وسلم لمجلسه إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا وأطيبهم رائحة ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف البساط، قال السلام عليك يا محمد. فرد عليه السلام، فقال ادنو يا محمد؟ فقال (( ادن ) )فما زال يقول ادنو مرارًا، حتى وضع يديه على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر نحوه.
وفي (م) من حديث أبي هريرة أنه عليه السلام قال (( سلوني ) )فهابوا أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه فقال يا رسول الله، ما الإسلام؟ الحديث.
كأنه لما كثر سؤالهم وخيف التعنت به غضب عليه السلام وأنزل الله تعالى فيه {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} [المائدة11] فانكف الناس. فأرسل الله تعالى إليهم جبريل فسأل فقال (( هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا ) ).
وظاهر الحديث تغاير الإيمان والإسلام وقد تقدم الكلام عليه، ومراد البخاري أنهما واحد.
قد جمع هذا الحديث أنواعًا من القواعد والفوائد، وقد أشرنا إلى جمل منها، ومنها وجوب الإيمان بهذه المذكورات، وعظم مرتبة هذه الأركان التي فسر الإسلام بها، وعظم محل الإخلاص والمراقبة.
ومنها لا أدري من العلم، والاعتراف بعدم العلم، وأن ذلك لا ينقصه ولا يزيل ما عرف من جلالته، بل ذلك دليل على ورعه ووفور علمه وعدم تكبره وتبجحه بما ليس عنده.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( سؤال جبريل ) )بفتح لام جبريل لأن المصدر أضاف إليه وهو غير منصرف وهو فاعل والنبي مفعول وجبريل ملك يتوسط بين الله ورسوله بالوحي.
قوله (( وعلم الساعة ) )أي علم القيامة. الكشاف سمي ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها؛ أي هو تلميح كما يقال في الأسود كافور أو لأنها عند الله على طولها لساعة من الساعات عند الخلق.
فإن قلت السؤال ليس عن علمها، وظاهر الكلام يقتضي أن يقال بدل علم الساعة وقت الساعة؛ لأن السؤال هو عن وقتها لأنه قال متى الساعة قلت الوقت مقدر؛ أي علم وقت الساعة والقرينة كلمة متى لأنها للسؤال عن الوقت وأما العلم فهو لازم السؤال إذ معناه أتعلم وقت الساعة فأخبرني فهو متضمن للسؤال عن علم وقتها.
قوله (( وبيان ) )عطف على سؤال. فإن قلت لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم وقت الساعة فكيف قال وبيان النبي له لأن الضمير إما راجع إلى الأخير أو إلى مجموع المذكور. قلت إما أنه أطلق وأراد أكثره إذ حكم معظم الشيء حكم كله، أو جعل الحكم فيه بأنه لا يعلمه إلا الله بيانًا له.
قوله (( ثم قال ) )أي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلت لم عطف الجملة الفعلية على الاسم وغير أسلوب الكلام؟. قلت لأن المقصود من الكلام الأول بيان الترجمة ومن ص 239 الثاني بيان كيفية الاستدلال منه على جعل كل ذلك دينًا فلتغاير المقصودين تغاير الأسلوبان.
قوله (( فجعل ) )أي رسول الله (( كله دينًا ) )فإن قلت علم وقت الساعة ليس من الإيمان فكيف قال كله. قلت الاعتقاد بوجودها وبعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى من الدين أيضًا أو أعطى للأكثر حكم الكل مجازًا.
قوله (( لوفد ) )هم الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي العظماء والمصير إليهم واحدة وافد. و (( عبد القيس ) )قبيلة من قبائل العرب. و (( من الإيمان ) )متعلق بقوله بين، فإن قلت على م عطف وما بين. وقوله تعالى {ومن يبتغ} ولا جائز أن يعطف على السؤال ليدخل في الترجمة إذ لا أثر لحكاية وفد عبد القيس في هذا الباب ولا لمعنى الآية. قلت الواو بمعنى مع؛ أي جعل ذلك دينًا مع ما بين للوفد من أن الإيمان هو الإسلام حيث فسر الإيمان في قصتهم بما يفسر الإسلام ههنا، ومع الآية حيث دلت على أن الإسلام هو الدين فعلم أن الإيمان والإسلام والدين أمر واحد، وهو مراد (خ) أو ما بين مبتدأ، وقوله تعالى عطف عليه وخبر المبتدأ محذوف؛ أي الذي بينه الرسول للوفد من الإيمان.
والحديث والآية يدلان على ما ذكرنا أما الحديث فمن حيث فسر الإيمان ثمة بما فسر الإسلام ههنا، وأما الآية فمن حيث أفادت أن الإسلام هو الدين فقوله وما بين على الأول مجرور المحل وعلى الثاني مرفوع، وإنما ضم إلى الترجمة وما بين إلى آخره؛ لأنها لم تدل على أن الإيمان هو الإسلام بل على أن الكل هو الدين فأراد الاستعانة في تتميم مراده والتقريب له بحديث الوفد والآية.
قوله (( أن تؤمن بالله ) )فإن قلت ما وجه تفسير الإيمان بأن تؤمن وهو تعريف الشيء بنفسه. قلت ليس تعريفًا بنفسه إذ المراد من المحدود الإيمان الشرعي ومن الحد الإيمان اللغوي أو المتضمن للاعتراف ولهذا عدي بالباء أي أن تصدق معترفًا بكذا ولفظ الإيمان بالله متناول للإيمان بوجوده [و] بصفاته التي لا تتم الألوهية إلا بها.
قوله (( وملائكته ) )هو جمع ملك نظرًا إلى أصله الذي هو ملاك مفعل من الألوكة بمعنى الرسالة، والتاء زيدت فيه لتأكيد معنى الجمع أو لتأنيث الجمع وهم أجسام علوية نورانية متشكلة بما شاءت من الأشكال.
قوله (( بلقائه ) )الخطابي أي برؤية الله في الآخرة.
النووي اختلفوا في المراد بالجمع بين الإيمان بلقاء الله والبعث، فقيل اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء والبعث بعده عند قيام الساعة، وقيل اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب وليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى، فإن أحدًا لا يقطع لنفسه بها، فإن الرؤية مختصة بمن مات مؤمنًا ولا يدري الإنسان ما يختم له به.
وأقول فيه نظر إذ لا دخل لقطعه لنفسه بل اللازم أن يقطع بأنه حق في نفس الأمر. نعم لو قيل الرؤية من المسائل المختلف فيها ليست من ضروريات الدين فلا يجب الإيمان بها لتم دينه.
قوله (( وبرسله ) )جمع الرسول، وهو النبي الذي أنزل عليه الكتاب والنبي أعم منه، وقدم ذكر الملائكة على الرسل اتباعًا لترتيب الوجود فإن الملائكة مقدمة في الخلق، وللترتيب الواقع في تحقيق معنى الرسالة، فإنه يقال أرسل الله الملك إلى الرسول لا تفضيلًا للملائكة على الرسل كما هو زعم المعتزلة.
فإن قلت الإيمان بالكتب أيضًا واجب فلم تركه؟. قلت الإيمان بالرسل مستلزم للإيمان بما أنزل عليهم. ص 240
قوله (( وتؤمن بالبعث [2] ) )فإن قلت لم كرر لفظ وتؤمن؟ قلت لأنه نوع آخر من المؤمن به لأن البعث سيوجد فيما بعد وأخواته موجودة الآن، والمراد من البعث بعث الموتى من القبور وما يترتب عليه من الحساب والصراط والجنة والنار وغيره أو بعثه الأنبياء، والأول أظهر.
قوله (( أن تعبد الله ) )العبادة هي الطاعة مع الخضوع، فيحتمل أن يراد بها معرفة الله فيكون عطف الصلاة والزكاة [3] والصوم عليها لإدخالها في الإسلام؛ لأنها لم تدخل تحت لفظ العبادة، واقتصر على هذه الثلاث لكونها من أركان الإسلام وأظهر شعائره والباقي ملحق بها، وترك الحج إما لأنه لم يكن فرضًا حينئذ وإما أن يكون بعض الرواة شك فيه فأسقطه، ويحتمل أن يراد بها الطاعة مطلقًا فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها فيكون عطف الثلاث عليها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهًا على شرفه ومزيته، وذكر ولا تشرك به بعد العبادة؛ لأن الكفار كانوا يعبدونه تعالى في الصورة ويعبدون معه أوثانًا يزعمون أنها شركاء فنفى ذلك.
قوله (( الإحسان ) )هو ههنا بمعنى الإخلاص. الطيبي الإحسان يقال على وجهين الإنعام على الغير نحو أحسن إلى فلان، والثاني الإحسان في الفعل وذلك إذا علم علمًا حسنًا أو عمل عملًا حسنًا، ويجوز أن يحمل هنا على الأنعام، وذلك لأن المرائي يبطل عمله فيظلم نفسه فقيل له أحسن إلى نفسك واعبد الله كأنك تراه وإلا فتهلك، وعلى المعنى الثاني {إنا نراك من المحسنين} أي المجيدين المتقنين في تعبير الرؤيا كأنه سأل ما الإجادة والإتقان في حقيقة الإيمان والإسلام، فأجاب بما ينبئ عن الإخلاص.
قوله (( كأنك ) )فإن قلت كأنك ما محله من الإعراب. قلت حال من الفاعل أي تعبد الله مشبهًا بمن يراه.
فإن قلت فإنه يراك لا يصح جزاء للشرط؛ لأنه ليس مسببًا عنه. قلت إما أن تقدر فإن لم تكن تراه فاعبد أو اعتبر أنت أو أخبر أنا بأنه يراك كما يقال في إن أكرمتني فقد أكرمتك أمس أن المراد أن تعتد بإكرامك فاعتد بإكرامي، أو فإن تخبر بذاك فأخبر بهذا، وهو قول النحوي وإما أن تقدر فإن لم تكن تراه فلا تغفل فإنه يراك فإن رؤيته مستلزمة؛ لأنه لا يغفل منه يعني أنه مجاز في كونه خبرًا، والمراد لازمه وهو قول البياني.
قوله (( بأعلم ) )الباء زيدت لتأكيد معنى النفي، والمراد ما المسئول عن وقتها لا عن وجودها إذ الوجود مقطوع به.
فإن قلت لفظة أعلم مشعرة بوقوع الاشتراك في العلم والنفي توجه إلى الزيادة فيلزم أن يكون معناه أنهما متساويان في العلم به لكن الأمر بخلافه؛ لأنهما متساويان في نفي العلم به. قلت اللازم ملتزم لأنهما متساويان في القدر الذي يعلمان منه وهو نفس وجودها، أو أنه صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون صالحًا؛ لأن يسئل ذلك لما عرف أن المسئول في الجملة ينبغي أن يكون أعلم من السائل.
قوله (( أشراطها ) )أي علاماتها، وقيل أوائلها ومقدماتها، وقيل صغار أمورها، والمراد أشراطها ص 241 السابقة لا أشراطها المقارنة لها المضايفة لها كطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض ونحوهما.
قوله (( إذا ولدت ) )لما كان الشرط محقق الوقوع جاء بلفظ إذا التي تدل على الجزم بوقوع مدخولها، ولهذا يصح أن يقال إذا قامت القيامة كان كذا، ولا يصح أن يقال إن قامت القيامة كان كذا بل يكفر قائله؛ لأنه مشعر بالشك فيه.
فإن قلت ما جزاؤه؟. قلت محذوف تقديره فهي أي الولادة شرطه. فإن قلت إذا ولدت كيف وقع بيانًا للاشتراط؟ قلت نظرًا إلى المعنى تقديره ولادة الأمة وتطاول الرعاة كما يقال في قوله {آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا} أن المراد أمن داخله، والأظهر أن يكون إذا متمحضًا لمجرد الوقت؛ أي وقت الولادة ووقت التطاول.
فإن قلت الأشراط جمع وأقله ثلاثة ولم يذكر ههنا إلا اثنان. قلت إما أنه ورد على مذهب أن أقله اثنان أو حذف الثالث لحصول المقصود بما ذكر كما يقال أيضًا على الأصح في الآية الكريمة المذكورة آنفًا.
فإن قلت لم ذكر جمع القلة والعلامات أكثر من العشرة في الواقع. قلت جاز لأنه قد تستعرض القلة للكثرة والعكس أو لفقد جمع الكثرة للفظ الشرط أو لأن الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في المنكرات لا في المعارف.
فإن قلت كيف أطلق الرب على غير الله وقد ورد النهي بقوله صلى الله عليه وسلم (( ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي ومولاي ) )قلت هو من باب التشديد والمبالغة أو الرسول مخصوص منه.
قوله (( رعاة ) )معناه أن أهل البادية تبسط لهم الدنيا حتى يتفاخروا في إطالة البنيان يعني العرب تستولي على الناس وبلادهم ويزيدونهم في بنيانهم، وهو إشارة إلى اتساع دين الإسلام كما أن العلامة الأولى أيضًا فيها اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الكفر وسبي ذراريهم.
القاضي البيضاوي وذلك أن بلوغ الأمر الغاية منذر بالتراجع المؤذن بأن القيامة ستقوم لامتناع شرع آخر بعده. ابن بطال معناه أن ارتفاع الأسافل من العبيد والسفلة الجمالين وغيرهم من علامات القيامة، قال والبهم بفتح الباء خطأ لأنه مع ذكر الإبل إذ الفتح في الغنم مستعمل.
الطيبي والمقصود أن علاماتها انقلاب الأحوال والقرينة الثانية ظاهرة في صيرورة الأذلة أعزة ملوك الأرض فتحمل القرينة الأولى على صيرورة الأعزة أذلة، وقال تطاول أي تفاخر في طول البنيان وتكثر به.
قوله (( في خمس ) )خبر مبتدأ محذوف؛ أي علم وقت الساعة في جملة خمس أو متعلق بأعلم، والأربعة الباقية نزول الغيث وعلم ما في الأرحام وكسب الغد والأرض التي يموت الشخص فيها.
فإن قلت من أين استفاد الحصر من الآية حتى يوافق الحصر الذي في الحديث. قلت من تقديم عنده، وأما بيان الحصر في أخواتها فلا يخفى على العارف بالقواعد وأما الانحصار في هذه الخمس مع أن الأمور التي لا يعلمها إلا الله كثيرة، فإما لأنهم كانوا سألوا الرسول من هذه الخمسة فنزلت جوابًا لهم، وإما لأنها عائدة إلى هذه الخمس.
قوله بالنصب بفعل محذوف نحو أعني الآية وبالرفع ص 242 بأنه مبتدأ وخبره محذوف؛ أي الآية مقروءة إلى آخرها وبالجر؛ أي الآية أي إلى مقطعها وتمامها قال تعالى {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث} الآية.
فإن قلت ما الحكمة في سؤال الساعة حيث جبريل يعلم أن وقتها غير معلوم لخلق الله. قلت أقله التنبيه على أن لا يطمع أحد التطلع إليه والفصل بين ما يمكن معرفته وبين ما لا يمكن.
قوله (( ثم أدبر ) )أي السائل (( فقال ) )أي رسول الله للصحابة (( ردوه ) )أي استرجعوه فلم يروا، وإنما قال شيئًا ولم يقل فلم يروه أو فلم يروا أحدًا مبالغة يعني ما وجدوا شيئًا منه ولا عينه ولا أثرًا منه (( فقال رسول الله هذا جبريل ) )فيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبي وأن يراه غيره قائلًا سامعًا.
قوله (( يعلم ) )فإن قلت وسأله فقط والناس تعلموا الدين من الجواب لا منه. قلت لما كان هو السبب فيه أطلق المعلم عليه أو لما كان غرضه التعليم أطلق عليه وصورة هذه الحالة كصورة المعيد إذا امتحنه الشيخ عند حضور الطلبة ليزيدوا طمأنينة في أنه يعيد الدرس ويلقي إليهم المسألة كما سمع من الشيخ بلا زيادة ولا نقصان.
قوله (( قال أبو عبد الله ) )أي صاحب الجامع (( جعل رسول الله ذلك كله من الإيمان ) )فإن قلت قال أولًا جعل كله ذلك دينًا، وقال ههنا من الإيمان. قلت أما جعله دينًا فظاهر حيث قال (( يعلمهم دينهم ) )وأما جعله إيمانًا فمن إما تبعيضية، والمراد بالإيمان هو الإيمان الكامل المعتبر عند الله وعند الناس، فلا شك أن الإسلام والإحسان داخلان فيه، وإما ابتدائية ولا يخفى أن مبدأ الإسلام والإحسان هو الإيمان بالله إذ لولا الإيمان به لم تتصور العبادة له، واعلم أن هذه الأسولة والأجوبة صدرت قبل حجة الوداع قريب استقرار الشرع، وفيه فوائد لا تحصى.
[1] في هامش المخطوط أقول وهذا مصرح به في الحديث أعتقها ولدها.
[2] أقول في (م) بالبعث الآخر قيل مبالغة في الإيضاح، وقيل إن خروج الإنسان إلى الدنيا بعث من الأرحام وخروجه من القبر إلى المحشر بعث قصد الآخر لهذا.
[3] قوله الزكاة المفروضة إنما ندبت دون غيرها لأن الكفار كانت تدفع المال للنجاة فنبه بالفرض على رفض نية ما كانوا عليه والظاهر أنها للتأكيد.