قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ومعه بلال إلى آخره، هذا الحديث أخرجه (م) في العيدين وسيأتي من حديث جابر في العيد إن شاء الله تعالى.
ورواته سلفوا خلا عطاء، وهو الإمام الجليل أبو محمد عطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح المسلم المكي القرشي، مولى إبراهيم الفهري، وابن خثيم عامل عمر بن الخطاب على مكة، ولد في آخر خلافة عثمان. وروي عنه أنه قال أعقل عثمان. ويقال إنه من مولدي الجند من مخاليف اليمن، ونشأ بمكة وصار مفتيها. وهو من كبار التابعين.
روى عن العبادلة وعائشة وغيرهم. وروى عنه الليث حديثًا واحدًا، وجلالته وثقته وديانته متفق عليها، وحج سبعين حجة، وكانت الحلقة بعد ابن عباس له، مات سنة خمس عشرة وقيل أربع عشرة ومائة. عن ثمانين سنة، وكان حبشيًا أسود أعور أفطس أشل أعرج لامرأة، من أهل مكة، ثم عمي بآخره، ولكن العلم والعمل به رفعه.
ومن غرائبه أنه إذا أراد الإنسان سفرًا، له القصر قبل خروجه من بلده، ووافقه طائفة من أصحاب ابن مسعود، وخالفه الجمهور. ومن غرائبه أيضًا أنه إذا وافق يوم عيد يوم جمعة يصلي العيد فقط ولا ظهر ولا جمعة في ذلك اليوم.
والقرط ما كان في شحمة الأذن ذهبًا أو غيره، قاله ابن دريد. والخاتم بفتح التاء وكسرها وخاتام وخيتام وختام وختم هذه ست لغات تقدمت.
والخرص بضم الخاء المعجمة، حلقة صغيرة من الحلي تكون في الأذن كما قاله عياض، وفي (( البارع ) )وهو القرط يكون فيه حبة واحدة في حلقة واحدة.
والسخاب قلادة من طيب أو مسك قاله (خ) ، وقال ابن الأنباري هو خيط فيه خرزات ويلبسه الصبيان والجواري. وقيل قلادة من قرنفل ومسك ليس فيها من الجوهر شيء.
والفتخ بالخاء المعجمة، قال (خ) هي خواتيم عظام. وأطلق غيره أنها الخواتيم، واحدها فتخة. وقال الأصمعي هي خواتيم لا فصوص لها. وفي (( الجمهرة ) )الفتخة حلقة من ذهب أو فضة لا فص لها، وربما اتخذلها فص كالخاتم.
وفيه افتقاد الإمام رعيته وتعليمهم ووعظهم الرجال والنساء في ذلك سواء لقوله (( فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن ) ).
وفيه عدم افتقار صدقة التطوع إلى إيجاب وقبول، بل يكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من بلال ولا من غيره، وهذا هو الصحيح عندنا، وأبعد من قال بافتقاره.
وفيه جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على الثلث من مالها وهو مذهب الشافعي والجمهور، وقال مالك لا تجوز الزيادة على الثلث من مالها إلا برضا زوجها. وجه الدلالة للجمهور أنه عليه السلام لم يسألهن هل استأذن أزواجهن في ذلك أم لا؟ وهل هو خارج عن الثلث أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل [1] .
وأجاب القاضي بأن الغالب حضور أزواجهن. وإذا كان كذلك فتركهم الإنكار رضًا منهم بفعلهن، وهو ضعيف كما قال النووي؛ لأنهن معتزلات لا يعلم الرجال المتصدقة منهن من غيرها، ولا قدر ما يتصدقن به ولو علموا فسكوتهم ليس إذنًا.
وأما حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 360 قال (( لا يجوز لامرأة أمر في مالها إلا إذا ملك زوجها عصمتها ) )رواه أبو داود، وللنسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تحل لامرأة عطية إلا بإذن زوجها ) ). قال البيهقي الطريق إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثباته.
فالجواب عنه من أوجه
1 معارضته بالأحاديث الصحيحة الدالة على الجواز عند الإطلاق، وهي أقوى منه فقدمت عليه، وقد يقال هي واقعة حال؛ فيمكن حملها على أنها كانت قدر الثلث.
2 على تسليم الصحة، أنه محمول على الأولى والأدب والاختيار، ذكره الشافعي في البويطي، قال وقد أعتقت ميمونة فلم يعب النبي صلى الله عليه وسلم عليها.
3 الطعن فيه، قال الشافعي هذا الحديث سمعناه وليس بثابت فيلزمنا أن نقول به، والقرآن يدل على خلافه، ثم الأثرثم المنقول ثم المعقول. قيل أراد بالقرآن قوله تعالى {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} [البقرة237] ، وقوله {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا} [النساء4] ، وقوله {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة229] ، وقوله {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء11] ، وقوله {وابتلوا اليتامى} [النساء6] الآية ولم يفرق، فدلت هذه الآيات على تصرفها في مالها دون إذن زوجها، وقال عليه السلام لزوجة الزبير (( ارضخي ولا توعي فيوعي الله عليك ) )متفق عليه.
وقال (( يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ) ). واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زوجها من كل شيء فلم ينكر ذلك ابن عمر.
وأما أبو محمد بن حزم فإنه طعن في حديث عمرو بن شعيب بأن قال صحيفة منقطعة وقد علمت أن شعيبًا صرح بعبد الله بن عمرو فلا انقطاع، وقد أخرجه الحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند وحبيب المعلم عن عمرو به، ثم قال صحيح الإسناد.
ثم ذكره ابن حزم من حديث ابن عمر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حق الزوج على زوجته؟ قال (( لا تصدق إلا بإذنه، فإن فعلت كان له الأجر وكان عليها الوزر ) ) [2] ، ثم قال هذا خبر هالك؛ لأن فيه موسى بن أعين، وهو مجهول، وليث بن سليم، وليس بالقوي.
وهو غريب منه فإن موسى بن أعين روى عن جماعة، وعنه جماعة، واحتج به الشيخان ووثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، نعم فيه الحسن بن عبد الغفار وهو مجهول وليته أعله به.
ثم ذكر حديث إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة رفعه (( لا تنفق المرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذنه ) )قيل يا رسول الله، ولا الطعام. قال (( ذلك أفضل أموالنا ) )ثم قال إسماعيل ضعيف وشرحبيل مجهول لا يدري من هو، وهذا عجيب منه.
4 أن الصدقة تنجي من النار، فإنه صلى الله عليه وسلم أمرهن بها لما رآهن أكثر أهل النار، وقيل إنما أمرهن بها؛ لأنه كان وقت حاجة إلى المواساة وكانت الصدقة يومئذ أفضل وجوه البر.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله العظة بمعنى الوعظ وهو التذكير بالعواقب. قوله (( أشهد على النبي صلى الله عليه وسلم ) )ذكر بلفظ الشهادة تأكيدًا لتحقيقه وبيانًا لوثوقه بوقوعه.
فإن قلت لم استعمل الشهادة بعلى لا باللام. قلت ذلك أيضًا لزيادة التأكيد في وثاقه لأنه يدل على الاستعلاء بالعلم على خروجه صلى الله عليه وسلم. الجوهري الشهادة خبر قاطع بقول منه شهد الرجل على كذا.
قوله (( خرج ) )أي من بين صفوف الرجال إلى صف النساء ص 361 و (( بلال ) )هو ابن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بعض النسخ (( معه بلال ) )بدون الواو جملة اسمية وقعت حالًا، وذلك جائز بغير ضعف. قال الله تعالى {اهبطوا بعضكم لبعض عدو} .
قوله (( إنه لم يسمع ) )وفي بعضها (( لم يسمع النساء ) )مصرحًا بلفظ النساء وإن مع اسمها وخبرها قائمة مقام مفعولي ظن.
قوله (( بالصدقة ) )وهي ما يبذل من المال لثواب الآخرة وهي تتناول الفريضة والتطوع لكن الظاهر أن المراد هنا هو الثاني فاللام فيها للعهد عنها، وإنما أمرهن بها لما رآهن أكثر أهل النار، وفي (( الصحيح ) ) (( تصدقن يا معشر النساء فإني رأيتكن أكثر أهل النار ) )، وقيل أمرهن بها لأنه كان وقت حاجة إلى المواساة والصدقة يومئذ كانت أفضل وجوه البر.
قوله (( فجعلت ) )أي فطفقت وهو مثل كاد في الاستعمال. فإن قلت الصدقة حرام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما مصرفها. قلت مصرفها مصرف سائر الصدقات ذكر (خ) رواية إسماعيل متابعة واستشهادًا لتقوية ما تقدم، وهذا من تعليق (خ) ؛ لأنه لم يدركه إذ هو إسماعيل بن علية وهو مات في عام ولادة (خ) سنة أربع وتسعين ومائة، ويحتمل أن يكون عطفًا على يأتي حدثنا شعبة، فيكون المراد منه ثنا سليمان قال ثنا إسماعيل فيخرج من التعليق.
قوله (( عن عطاء ) )يعني رواه بلفظ عن لا بلفظ سمعت كما في رواية شعبة، وقال ابن عباس هو مقول قال إسماعيل أيضًا والغرض منه أنه رواه مطلقًا لا بلفظ سمعت، وفي بعضها قال ابن عباس بدون الواو، فعلى هذا التقدير المقول أمر واحد هو هذا المجموع لا أمران.
قال ابن بطال في الحديث إنه يجب على الإمام افتقاد أمور رعيته وتعليمهم ووعظهم الرجال والنساء في ذلك سواء. قال محيي السنة فيه دليل على جواز عطية المرأة بغير إذن زوجها، وأما ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها فمحمول على غير الرشيدة.
وأقول أو المراد مال زوجها لا من مالها. وأقول وفيه أن الأصل في الناس العقل وفي التصرفات الصحة إذ لم يفتش رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كون الملقيات كلها عاقلة بالغة أم لا. فإن قلت الحديث دل على الوعظ فما وجه دلالته على التعليم والوعظ حتى يدل على تمام الترجمة. قلت من جهة أن الأمر بالصدقة يستلزم التعليم.
[1] في هامش المخطوط أقول وأيضًا من أين علم أن أزواج المتصدقات جميعهن كانوا حضورًا، هذا تقييد أيضًا.
[2] في هامش المخطوط أقول ويمكن أن يقال أن هذا فيما إذا هي تصدقت من مال الزوج لا من مالها، وقوله من بيت زوجها يؤيد ذلك لأنها إذا تصدقت من مالها لا يقال من بيت زوجها بل في بيت زوجها من مالها فيدل أن مالها لها التصرف فيه كيف شاءت فتأمله.