فهرس الكتاب

الصفحة 1632 من 3844

ثنا عبد العزيز ... إلى آخره.

قوله (( ينمي خيرا، أو يقول ) )شك من الراوي والمعنى واحد يقال ينمي الحديث إذا رفعه، وبلغه على وجه الإصلاح، وأنماه إذا بلغه على وجه الإفساد، وكذلك نماه مشدد، ذكره الهروي، والأول ذكره الخطابي.

وقال ابن فارس نميت الحديث إذا أشعته، ونميت بالتخفيف أسندته، وقال الزجاج في فعلت وأفعلت نميت الشيء، وأنميته بمعنى، وفي ص 2434 (( فصيح ) )ثعلب نمى ينمي أي زاد وكثر.

وحكى اللحياني ينمو بالواو، وأخذ البتي على ثعلب إهمالها. قال وهما لغتان فصيحتان، ولغة أخرى حكاها ابن القطاع، وغيره نمو على وزن شرف.

وقال الكسائي لم أسمعه بالواو إلا من أخوين من بني سليم، ثم سألت عنه بني سليم، فلم يعرفوه.

وقال في (( الصحاح ) )ربما قالوا ينمو وصرح جماعة منهم الواعي أن ينمي أفصح كما اقتصر عليه ثعلب، وأنكر أبو حاتم ينمو، وكذا الأصمعي، وعن بعضهم فيما حكاه السهيلي أن بالياء للمال، وبالواو لغيره.

وقال الحربي أكثر النحويين يقولون ونمى خيرًا بالتخفيف ولا يجوز في النحو، والشارع أفصح المخلوقات، ومن خفف الميم لزمه أن يقول خير بالرفع.

قلت لا، بل يجوز نصبه ينمي، وذكر صاحب (( المطالع ) )عن القعنبي ينمى بضم أوله، قال وليس بشيء، ووقع في رواية الدباغ ينهى بالهاء، وهو تصحيف، وقد يخرج على معنى أنه يبلغ به من أنهيت الأمر إلى كذا أي وصلته إليه.

وقال ابن سيده أنميته أزعته على وجه التهمة.

وفيه جواز قول الرجل في الإصلاح ما لم يقله الآخر، والكذب لا يجوز إلا في ثلاث، هذا أحدها، وثانيها أنه يعد امرأته بشيء وينوي أن لا يفي؛ ليصلح أمرها، ثالثها خدعة الحرب إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وقال له رجل أكذب لامرأتي؟ قال (( لا خير في الكذب ) ).

وعن الأصيلي أنه لا يجوز الكذب في شيء، وإنما يجوز الإلغاز كما يقول للظالم، فلان يدعو لك، يعني قوله في الصلاة اغفر للمسلمين والمسلمات.

وقال الطبري اختلف في هذا الباب، فقالت طائفة الكذب المرخص فيه في هذه الثلاث، هو جميع معاني الكذب، وحمله قوم على الإطلاق وأجازوا قول ما لم يكن في ذلك لما فيه من المصلحة، فإن الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة للمسلمين، وقال آخرون لا يجوز الكذب في شيء من الأشياء، ولا الخبر عن شيء بخلاف ما هو عليه، وما جاء في هذا إنما هو على التورية.

وروى مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم ولده شيئًا ثم لا ينجزه.

وقال آخرون بل الذي رخص فيه هو المعاريض وقد قال ابن عباس ما أحب لي بمعاريض الكذب كذا وكذا. وهو قول سفيان وجمهور العلماء.

وقال المهلب ليس لأحد أن يعتقد إباحة الكذب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكذب نهيًا مطلقًا، وأخبر أنه بجانب الإيمان، فلا يجوز استباحة شيء منه، وإنما أطلق عليه السلام للمصلح بين الناس أن يقول ما علم من الخير بين الفريقين ويسكت عما سمع من الشر بينهم، ويعد أن يسهل ما صعب، ويقرب ما بعد، لا أنه يخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه لأن الله قد حرم ذلك ورسوله.

وكذلك الرجل يعد المرأة ويمنيها، وليس هذا من طريق الكذب؛ لأن حقيقة الكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، والوعد لا يكون حقيقة حتى ينجزه، والإنجاز مرجو في الاستقبال، فلا يصلح أن يكون كذبًا.

وكذلك في الحرب إنما تجوز فيها المعاريض والإيهام بألفاظ تحتمل وجهين يؤدي بها عن أحد المعنيين ليغر السامع بأحدهما عن الآخر، وليس حقيقة الإخبار عن الشيء بخلافه وضده، ونحو ذلك ما روي عن رسول الله أنه مازح عجوزًا فقال (( إن العجز لا يدخلن الجنة ) )فأوهمها في ظاهر الأمر أنهن لا يدخلن أصلًا، وإنما أراد أنهن لا يدخلن الجنة إلا شبابًا.

فهذا وشبهه من المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب.

وسيأتي في الأدب في باب المعاريض مندوحة عن الكذب ما يوضح هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت