فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
عن البراء بن عازب قال قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إذا أتيت مضجعك ) )الحديث.
هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في الدعوات، ومسلم هناك، و (ت) فيه، وقال لا نعلم في شيء من الروايات ذكر الوضوء إلا في هذا الحديث، و (د) في الأدب، و (ن) في (( اليوم والليلة ) ).
محمد بن مقاتل هو المروزي الثقة. مات سنة ست وعشرين ومائتين، ومات بعده محمد بن مقاتل العباداني بعشر سنين، ومحمد بن مقاتل الرازي الفقيه بعشرين.
وسفيان هو الثوري. ومنصور هو ابن المعتمر. وسعد سلمي تابعي ثقة. وعبيدة بضم العين، وليس في الستة سعد بن عبيدة سواه.
ومعنى (( إذا أتيت مضجعك ) )أردت النوم، وهو بفتح الجيم، وعن القرطبي كسرها أيضًا والمضجع هو موضع الضجع.
قوله (( فتوضأ ) )هو للندب؛ لأن النوم وفاة، وربما أن يكون موتًا، فقد تقبض روحه في نومه، فيكون ختم عمله بالوضوء، فينبغي أن يحافظ على ذلك.
وفيه سر آخر، وهو أصدق لرؤياه، وأبعد من لعب الشيطان به في منامه وترويعه إياه، وما أحسن هذه الخاتمة والدعاء عقبها الذي هو أفضل الأعمال؛ ولذلك كان ابن عمر يجعل آخر عمله الوضوء والدعاء، فإذا تكلم بعد ذلك استأنفها ثم ينام على ذلك، اقتداء ص 565 في قوله (( واجعلهن آخر ما تكلم به ) ).
أقول استئناف الدعاء مسلم وأما استئناف الوضوء ليس فيه فائدة فإن الوضوء لم يفسد بكلام آخر غير الدعاء بخلاف الدعاء فإنه إذا تكلم بعده فلم يبق آخر ما يتكلم به الدعاء فاستئنافه ظاهر بخلاف الوضوء انتهى.
قال المؤلف وهذا الوضوء يتأكد في حق الجنب أيضًا عند نومه، ولعله ينشط للغسل، وفي (د) ، عن معاذ مرفوعًا (( ما من مسلم يبيت على طهر، فيتعار من الليل، فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه ) ).
قوله (( ثم اضطجع على شقك الأيمن ) )هذا أيضًا من سنن النوم، وقد كان عليه السلام يحب التيامن، ولأن النوم بمنزلة الموت، فيستعد له بالهيئة التي يكون عليها في قبره. وقيل الحكمة فيه أن يتعلق القلب على الجانب الأيمن، فلا يثقل النوم، فيكون أسرع إلى الانتباه.
قال ابن الجوزي وهذا هو المصلحة في النوم عند الأطباء أيضًا، فإنهم يقولون ينبغي أن يضطجع على الجانب الأيمن ساعة، ثم ينقلب إلى الأيسر فينام، فإن النوم على اليمين سبب انحدار الطعام؛ لأن قصبة المعدة تقتضي ذلك، والنوم على اليسار يهضم، لاشتمال الكبد على المعدة.
قوله (( أسلمت وجهي إليك ) )وجاء في رواية أخرى والوجه والنفس بمعنى الذات كلها، كما نقله النووي عن العلماء.
وقال ابن الجوزي يحتمل أن يراد به الوجه حقيقة، ويحتمل أن يراد به القصد، فكأنه يقول قصدتك في طلب سلامي.
وقال القرطبي قيل إن معنى الوجه القصد والعمل الصالح، ولذلك جاء في رواية (( أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك ) )فجمع بينهما، فدل على تغايرهما، ومعنى أسلمت سلمت واستسلمت، أي سلمتها لك إذ لا قدرة ولا تدبير بجلب نفع ولا دفع ضر، فأمرها مسلم إليك تفعل فيها ما تريد.
قوله (( وفوضت أمري إليك ) )أي رددت أمري إليك، وبرئت من الحول والقوة إلا بك، فاكفني همه وتول إصلاحه.
(( وألجات ظهري إليك ) )أي أسندته وأملته، يقال لجأ فلان إلى كذا مال إليه، فمن أسند إلى شيء قوي به واستعان، وأنت الملجأ والمستعان.
قوله (( رغبةً ورهبةً إليك ) )أي رغبة في رفدك وثوابك، وخوفًا منك ومن أليم عقابك، وأسقط من الرهبة لفظة منك وأعمل لفظة الرغبة بقوله (( إليك ) )على عادة العرب في أشعارهم.
~وزججن الحواجب والعيونا
والعيون لا تزجج، ولكنه لما جمعهما في النظم حمل أحدهما على حكم الآخر في اللفظ، نبه عليه ابن الجوزي.
قوله (( لا ملجأ ) )هو مهموز من ألجأت (( ولا منجا ) )هو غير مهموز من النجاة. و (( كتابك ) )هنا القرآن، وقال الداودي في (( شرحه ) )المراد كتبه كلها. (( وبنبيك ) )هو محمد صلى الله عليه وسلم. والفطرة دين الإسلام، كما في الحديث (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) ).
قال القرطبي كذا قاله الشيوخ في هذا الحديث. وفيه نظر؛ لأنه إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرناها من التوحيد والتسليم والرضى إلى أن يموت على الفطرة، كما تقول من مات وآخر كلامه لا إله إلا الله على الفطرة إن لم يخطر له شيء من تلك الأمور، فأين فائدة تلك الكلمات والمقامات الشريفة، ثم أجاب بأن كلا منهما وإن مات على الفطرة، فبين الفطرتين ما بين الحالتين، ففطرة الطائفة الأولى، فطرة المقربين، وفطرة الثانية فطرة أصحاب اليمين.
قوله (( فلما بلغت آمنت بكتابك الذي أنزلت. قلت ورسولك. قال لا، ونبيك الذي أرسلت ) ).
فيه دلالة لمن لم يجوز نقل الحديث بالمعنى، ص 566 وهو الصحيح من مذهب مالك، ولا شك في أن لفظ النبوة من النبأ وهو الخبر. فالنبوة أعم والرسالة أخص؛ لأنها أمر زائد عليها، فلما اجتمعا في الشارع أراد أن يجمع بينهما في اللفظ؛ حتى يفهم منه موضع كل واحد، وليخرج عما يشبه تكرارًا بغير فائدة؛ لأنه إذا قال ورسولك الذي أرسلت. فالرسالة فهمت من الأول، فالثاني كالحشو، بخلاف ما إذا قال ونبيك الذي أرسلت، وأيضًا فالملائكة يطلق عليهم اسم الرسل، قال تعالى {الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس} [الحج75] فإذا قال ذلك زال ذلك اللبس، والمراد هنا التصديق بالنبي الذي جاء بالكتاب، وإن كان غيره من رسل الله أيضًا واجب الإيمان بهم.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( أسلمت وجهي إليك ) )أي استسلمت وجعلت نفسي منقادة لك طائعة لحكمك والإسلام والاستسلام بمعنى، والمراد من الوجه الذات. قوله (( ألجأت ظهري إليك ) )أي توكلت عليك واعتمدتك في أمري كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده. الجوهري ألجأت أي أسندت.
قوله (( رغبة ورهبةً إليك ) )أي طمعًا في ثوابك وخوفًا من عقابك. فإن قلت الرهبة تستعمل بمن يقال رهبةً منك. قلت إليك متعلق برغبة وأعطى للرهبة حكمها والعرب كثيرًا تفعل ذلك كقوله
~ورأيت بعلك في الوغا متقلدًا سيفًا ورمحًا
والرمح لا يتقلد وكقوله علفته تبنًا وماء باردًا.
قوله (( لا ملجأ ) )بالهمزة ويجوز التخفيف (( ولا منجا ) )مقصور، وإن إعرابه كإعراب عصا.
فإن قلت فهز يقرأ بالتنوين وبغير التنوين. قلت في هذا التركيب خمسة أوجه لأنه مثل لا حول ولا قوة إلا بالله، والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين وعند التنوين تسقط الألف، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان في منك، وإن كانا مكانين فلا إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجا إلا إليك.
قوله (( بكتابك ) )أي بالقرآن. فإن قلت المفرد المضاف مفيد للعموم فلم خصصه بالقرآن. قلت بقرينة المقام مع أن عمومه مختلف فيه ثم الإيمان بالقرآن مستلزم للإيمان بجميع الكتب المنزلة فلو حملناه على العموم لجاز أيضًا، وههنا فائدة وهي أن المعرف بالإضافة كالمعرف يحتمل الجنس والاستغراق والعهد بلفظ كتابك يحتمل بجميع الكتب ولجنس الكتب ولبعضها كالقرآن بل جميع المعارف كذلك يعلم من الكشاف في قوله تعالى {ولقد أريناه آياتنا كلها} .
قوله (( على الفطرة ) )أي على دين الإسلام، وقد تكون الفطرة بمعنى الخلقة كقوله تعالى {فطرة الله التي فطر الناس عليها} وبمعنى السنة كقوله عليه السلام (( خمس من الفطرة ) ).
قوله (( تتكلم ) )وفي بعضها (( تكلم ) )بحذف إحدى التاءين. فإن قلت هذا ذكر ودعاء وتنزيه ولا يسمى كلامًا عرفًا ذكره الفقهاء في باب اليمين.
أقول وفي باب مبطلات الصلاة أيضًا. قال صاحب (( الحاوي ) )وبكلام البشر حرفين احتراز عن الدعاء والذكر ونحوه قال قلت كلام لغة وأما أمر الإيمان فمبني على العرف.
قوله (( فرددتها ) )أي رددت هذه الكلمات لأحفظهن. فإن قلت السياق ص 567 يقتضي أن يقول فلما بلغت ونبيك قلت ورسولك إذ التغيير فيه لا في اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت. قلت ورسولك بدل نبيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تقل ورسولك بل قل ونبيك ) ).
الخطابي في رد الرسول صلى الله عليه وسلم في لفظ البراء حجة لمن لم ير أن يروى الحديث بالمعنى كما هو قول ابن سيرين وغيره، وكان يذهب هذا المذهب أبو العباس النحوي، ويقول ما من لفظ من الألفاظ المتناظرة من كلامهم إلا وبينها وبين صاحبتها فرق، وإن دق ولطف كقولك بلى ونعم.
فإن قلت والفرق بين النبي والرسول أن النبي هو المنبأ فعيل بمعنى مفعول الرسول هو المأمور بتبليغ ما أنبئ وأخبر عنه فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا.
وأقول أو فعيل بمعنى فاعل؛ أي المخبر عن الله تعالى. وقال ويحتمل أن يكون الرد بسبب أن الرسول ينبئ عن الإرسال فاتباعه بقوله أرسلت يكون تكرارًا فقال ونبيك وقد كان نبيًا قبل أن يكون رسولًا ليجمع له الثناء بالاسمين معًا وليكون تعديد النعمة في الحالين وتعظيمًا للمنة في الوجهين.
النووي اختار المازري أن سبب الإنكار أن هذا ذكر ودعاء فيقتصر فيه على اللفظ الوارد وبحروفه، وقد ساق الجزاء بتلك الحروف ولعله أوحى إليه صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها، وقال واعلم أنه لا يلزم من الرسالة النبوة ولا تمكينه.
واحتج بعضهم به على منع الرواية بالمعنى، والجواب أن المعنى في هذا الحديث مختلف ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى، قال وفي الحديث ثلاث سنين مهمة مستحبة إحداها الوضوء عند النوم وإن كان متوضئًا كفاه ذلك الوضوء؛ لأن المقصود على طهارة مخافةً أن يموت في ليلته ويكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به في منامه انتهى.
أقول ذكر الإمام أبو بكر بن العربي رضي الله عنه في الأحكام في قوله تعالى {فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم} قيل لهم {قولوا حطة} قالوا سقماثاه أزه هذبًا معناه حبة مقلوة في شعرة مربوطة استهزاء منهم بالدين ومعاندة للنبيين والحق، وقد قال بعض من تكلم في القرآن أن هذا الذم يدل على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا تخلو أن يقع التعبد بلفظها أو يقع التعبد بمعناها.
فإن كان التعبد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها وإن وقع بمعناها التعبد جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه ولكن لا تبديل إلا بالاجتهاد من المستبدل بالمعنى المستوفى لذلك العالم فإن اللفظين الأول والثاني المحمول على طبق المعنى وبنو إسرائيل قيل لهم قولوا حطة أي اللهم احطط عنا ذنوبنا فقالوا استخفافًا حبة مقلوة في شعرة فبدلوه بما لا يعطى معناه استخفافًا فلو بدلوه بما لا يعطي معناه حدًا لم يجر فهذا أعظم في الباطل وهو الممنوع المذموم، ويتعلق بهذا المعنى نقل الحديث لغير لفظه إذا أدى إلى معناه.
وقد اختلف الناس في ذلك فالمروي عن واثلة بن الأسقع جوازه قال ليس كلما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقله إليكم بلفظه حسبكم المعنى، وقد بيناه في أصول الفقه وأذكر لكم فيه فصلًا بديعًا، وهو أن هذا الخلاف إنما يكون في عصر الصحابة، ومنهم وأما من سواهم فلا يجوز لهم بدل اللفظ بالمعنى ولو استوفى ذلك المعنى فإنا لو جوزناه لكل أحد لما كنا عريقة من الأحد بالحديث إذ كل أحد آل زماننا فقد يدل ما يقل جعل الحرف بدل الحرف بما رآه فيكون خروجًا من الأخبار بالجملة والصحابة ص 568 بخلاف ذلك فإنهم أجمع فيهم أمران عظيمان
أحدهما الفصاحة والبلاغة إذ جبلتهم عرينة ولغتهم سليمة، والثاني أنهم شاهدوا قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله فإفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كله وليس من أخبر كمن عاين ألا تراهم في كل حديث يقولون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا، ولا يذكر من لفظه وكان ذلك خبرًا صحيحًا ونقلًا لازمًا وهذا لا ينبغي أن يستريب فيه منصف لبيانه.