فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 3844

قوله أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها إلى آخره، هذا الحديث أخرجه (خ) منفردًا به عن (م) ولم يخرج (م) عن ابن عباس في صفة الوضوء شيئًا، ورواته سلف التعريف بابن عباس وعطاء وزيد.

وأما سليمان بن بلال فهو أبو محمد مولى آل أبي بكر، روى عن عبد الله بن دينار وغيره. وعنه ابنه أيوب ولوين وغيرهما، وكان بربريا جميلًا حسن الهيئة عاقلًا مفتيًا ثقة إمامًا، وولي خراج المدينة. مات سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقيل سنة سبع وسبعين.

وأما أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي البغدادي الحافظ، روى عن مالك وغيره. وعنه الصاغاني وغيره، مات سنة سبع أو تسع ومائتين وقيل سنة عشر.

وأما محمد بن عبد الرحيم فهو أبو يحيى الحافظ، صاعقة؛ لقب بذلك لحفظه، روى عن يزيد بن هارون، وروح، وطبقتهما، وعنه (خ، د، ت، ن) وابن صاعد، والمحاملي، وخلق. وكان بزازًا، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وهذا الحديث مما شاهده ابن عباس من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي معدودة.

قال الداودي الذي صح مما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر حديثًا، وحكى غيره، عن غندر عشرة أحاديث. وعن يحيى القطان، وأبي داود تسعة. ص 445

ووقع في (( المستصفى ) )للغزالي أن ابن عباس مع كثرة روايته، قيل إنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، وصرح بذلك في حديث (( إنما الربا في النسيئة ) ).

ومعنى (( أضافها إلى يده الأخرى ) )جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا، فإنه أمكن في الغسل.

قوله (( فرش على رجله اليمنى حتى غسلها ) )أي صبه قليلًا قليلًا حتى صار غسلًا.

قوله (( فغسل بها رجله ) )يعني اليسرى هو بغين معجمة ثم سين مهملة كذا رأينا في الأصول، وقال ابن التين رويناه بالعين غير معجمة، ولعله عد الرجلين بمنزلة العضو الواحد، فكأنه كرر غسله؛ لأن الغسل هو الشرب الثاني ثم قال وقال أبو الحسن أراه (( فغل ) )فسقطت السين.

وفيه الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة، وهو أفضل من الفصل، وسيأتي وحديث الفصل أخرجه (د) في (( سننه ) )ولا يصح.

وفيه البداية بالميامن، وهو سنة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، ومن نقل خلافه فقد غلط، ثم هذا بالنسبة إلى اليد والرجل، أما الخدان والكفان فيطهران دفعة واحدة، وكذا الأذنان على الأصح عند الشافعية.

وفيه أخذ الماء للوجه باليد، وفي رواية (خ، م) في حديث عبد الله بن زيد ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا، وفي رواية (خ) ثم أدخل يديه بالتثنية، وهما وجهان للشافعية، وقال زاهر السرخسي إنه يغرف بكفه اليمنى، ويضع ظهرها على بطن كفه اليسرى، ويصبه من أعلى جبهته، وحديث الباب قد يدل له.

قال ابن بطال فيه أن الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهر، وهو قول مالك والثوري، قال والحجة لذلك أن الأعضاء كلها إذا غسلت مرة مرة، فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو، فقد صار مستعملًا ثم يمره على كل جزء بعده وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان الماء المستعمل في سائر الأعضاء كذلك، وفيما قاله نظر؛ لأن الماء يحكم له بالاستعمال بعد انفصاله، ومادام مترددًا على العضو لا يثبت له حكم الاستعمال.

تنبيه

لم يذكر في هذا الحديث أخذ الماء للرأس؛ فقال بعضهم فيه مسح الرأس بفضل الذراع. وفي (( سنن د ) )أنه عليه السلام مسح رأسه بفضل ماء كان في يده. وهذا قول الأوزاعي والحسن وعروة، وقال الشافعي ومالك لا يجزئه أن يمسح بفضل ذراعيه ولا لحيته.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( من غرفة ) )بالفتح بمعنى المصدر وبالضم بمعنى المغروف وهو ملئ الكف، وقرأ أبو عمرو إلا من اغترف غرفة بفتحها، ويحكى أن أبا عمر وتطلب شاهدًا على قراءته من أشعار العرب فلما طلبه الحجاج وهرب منه إلى اليمن خرج ذات يوم مع أبيه فإذا هو براكب ينشد قول أمية أبي الصلت

ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقل

قال فقلت له ما الخبر فقال مات الحجاج، قال أبو عمرو فلا أدري بأي الأمرين كان فرحي أكثر بموت الحجاج أو بقوله {فرجة} لأنه شاهد لقراءته أي كما أن مفتوح الفرجة هنا بمعنى المنفرج كذا مفتوح الغرفة بمعنى المغروف، فقراءة الضم والفتح متطابقتان.

قوله (( يعني ) )يحتمل أن يكون كلام محمد بن عبد الرحيم، أو كلام (خ) فإن قلت الغسل المذكور هو ليس التوضؤ فكيف دخل الفاء بينهما قلت هي الفاء الداخلة بين المجمل والمفصل وهما متغايران.

فإن قلت لم ترك العطف من أخذ غرفة، قلت لأنه بيان لغسل على وجه الاستئناف، فإن قلت التمضمض والاستنشاق ليسا من غسل الوجه قلت أعطي لهما حكم الوجه لكونهما في الوجه.

قوله (( فمضمض ) )المضمضة تحريك الماء في الفم، والاستنشاق إدخال الماء وغيره في الأنف وقال أصحابنا كمال المضمضة أن يجعل الماء في فمه ثم يديره فيه، ثم يمجه وأقلها أن يجعل الماء في فيه، ولا يشترط إدارته على المشهور الذي ص 446 قاله الجمهور وكمال الاستنشاق بإيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنفس إلى أقصاه.

وفي كيفيتهما خمسة أوجه أن يجمع بينهما بغرفة يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق منها ثلاثًا، وأن يجمع أيضًا بغرفة لكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ولفظ الراوي ههنا يحتمل الوجهين، والثالث أن يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق، والرابع أن يفصل بينهما بغرفتين فيتمضمض من إحداهما ثلاثًا ثم يستنشق من الأخرى ثلاثًا، والخامس أن يفصل بست غرفات يتمضمض بثلاث ثم يستنشق بثلاث.

والأصح عند الفقهاء أن الأفضل هو الرابع، قال النووي هو الثالث واتفقوا على أن المضمضة على كل قول مقدمة على الاستنشاق، وهل هو تقديم استحباب أو اشتراط فيه وجهان أظهرهما اشتراط لاختلاف العضوين، والثاني استحباب كتقديم اليمنى على اليسرى، واختلفوا فيهما على أربعة مذاهب فذهب مالك والشافعي أنهما سنتان في الوضوء والغسل.

والمشهور عند أحمد أنهما واجبتان فيهما، ومذهب أبي حنيفة واجبتان في الغسل دون الوضوء، ومذهب داود الظاهري أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل والمضمضة سنة فيها.

قال ابن بطال حجة القول الأول حجته أنه لا فرض في الوضوء إلا ما ذكر الله في القران أو أوجبه الرسول إذ الإجماع والكل منتف وأيضًا الوجه ما ظهر لا ما بطن، ولهذا لم يجب غسل باطن العينين، وحجة الكوفيين قوله عليه السلام تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة وفي الأنف ما فيه من الشعر ولا يوصل إلى غسل الأسنان والشفتين إلا بالمضمضة.

وحجة من أوجبهما فيهما قوله تعالى {ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} كما قال في الوضوء فاغسلوا فما وجب في أحدهما من الغسل وجب في الآخر، وحجة الفارق أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل المضمضة ولم يأمر بها وفعل الاستنشاق ولم يأمر به وأمره أقوى من فعله.

قوله (( أضافها ) )بيان لقوله جعل بها هكذا (( وفعل بها ) )أي بالغرفة، وفي بعضها بهما أي باليدين، وعند لفظ ثم مسح برأسه تقدير إذ لا يجوز المسح بما غسل به يده، وذلك نحو أن يقدر ثم بل يده فمسح برأسه، ولفظ يعني ليس من كلام عطاء بل من راو آخر بعده، والظاهر أنه من زيد وهي بعد لفظة رجله قبل لفظ اليسرى وفي بعضها قبل رجله.

فإن قلت المشهور أن الرش والغسل يتمايزان بسيلان الماء وعدمه فكيف قال أولًا رش ثم قال ثانيًا حتى غسلهما وأيضًا لا يمكن غسل الرجل بغرفة واحدة، قلت الفرق ممنوع وكذا عدم إمكان غسلهما بغرفة ولعل الغرض من ذكره على هذا الوجه بيان تقليل الماء في العضو الذي هو مظنة الإسراف فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت