فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
68 -باب لله مائة اسم غير واحدة
فيه حديث الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه رواية قال (( لله تسعة وتسعون اسما ) )الحديث.
اختلف في الاستدلال من هذا ص 4597 الحديث، كما قال المهلب، فذهب قوم إلى أن ظاهره يقتضي أن لا اسم لله غير ما ذكر، إذ لو كان له غيرها لم يكن لتخصيص هذه العدة معنى، قالوا والشريعة متناهية، والحكمة فيها بالغة.
وقال آخرون يجوز أن يكون له زيادة على ذلك، إذ لا يجوز أن تتناهى أسماؤه؛ لأن مدائحه وفواضله غير متناهية، كما قال تعالى في كلماته وحكمه {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} [لقمان 27] الآية.
ومعنى ما أخبرنا به الشارع من هذه الأسماء، وإنما هو في معنى الشرع لنا في الدعاء بها، لأن الحديث مبني على الآية، وهي قوله تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} [الأعراف 18] فكأن ذكر هذا العدد إنما هو لشرع الدعاء به.
قال المهلب وهذا القول أميل إلى النفوس، ونقله النووي عن اتفاق العلماء؛ لإجماع الأمة على أن الله تعالى لا يبلغ كنهه الواصفون، ولا ينتهي إلى صفاته المقرظون، دليل لازم أن له أسماء غير هذه وصفات، وإلا فقد تناهت صفاته تعالى عن ذلك، وهذا قول أبي الحسن الأشعري وجماعة من أهل العلم.
قال ابن الطيب وليس في الحديث دليل على أنه ليس لله أكثر من ذلك، لكن ظاهره يقتضي أن من أحصاها على وجه التعظيم لله دخل الجنة، وإن كان له أسماء أخر.
وقال القابسي أسماء الله تعالى وصفاته لا تعلم إلا بالتوقيف، وهو الكتاب والسنة واتفاق الأمة، وليس للقياس فيه مدخل، وما أجمعت عليه الأمة، فإنما هو عن سمع علموه من بيان الرسول، قال ولم يذكر في كتاب الله لأسمائه عدد مسمى، وقد جاء حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا، وقد أخرج بعض الناس من كتاب الله تسعة وتسعين اسما والله أعلم بما خرج من هذا العدد إن كان كل ذلك أسماء (أو بعضها أسماء) وبعضها صفات، ولا يسلم له ما نقله من ذلك.
وقال الداودي لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نص على التسعة وتسعين اسما.
وسيأتي تفسير الإحصاء في الاعتصام وروى وكيع، عن مالك بن مغول، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه أنه عليه السلام سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فقال (( لقد دعا باسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى ) ).
وروى شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد مرفوعا (( اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة 163] ) )وروي عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك مرفوعا (( اسم الله(الأعظم) وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى، ألم تسمع قوله {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت} إلى قوله {المؤمنين} [الأنبياء 87] فهو شرط الله لمن دعا بها )).
قال الطبري قد اختلف السلف في ذلك، فقال بعضهم في ذلك ما قال قتادة اسم الله الأعظم اللهم إني (أعوذ) بأسمائك الحسنى كلها، ما علمت منها وما لم أعلم، وأعوذ بأسمائك التي إذا دعيت بها أجبت، وإذا سئلت بها أعطيت. وقال آخرون اسم الله الأعظم هو الله، ألم تسمع قوله {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} [الحشر 22] إلى آخر السورة، وقال آخرون بأقوال مختلفة لروايات رووها عن العلماء.
قال الطبري والصواب في كل ما روينا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن السلف أنه صحيح؛ لأنه لم يرو عن أحد منهم أنه قال في شيء من ذلك، لقد دعا باسمه الأعظم الذي لا اسم له أعظم منه، فيكون ذلك من روايتهم اختلافا، وأسماؤه كلها عظيمة جليلة، وليس منها اسم أعظم من اسم.
ومعنى قوله (( لقد دعا باسمه الأعظم ) )العظيم، كقوله {وهو أهون} ، أي هين يوضحه حديث حفص بن أخي أنس بن مالك، عن أنس رضي الله عنه، أنه عليه السلام قال (( لقد دعا باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب ) ). فقال (( باسمه العظيم ) )إذا كان معنى ذلك ومعنى الأعظم واحد.
وقال أبو الحسن القابسي لا يجوز أن يقال في أسمائه وصفاته ما يشبه المخلوقات، ولو كان في أسمائه اسم أعظم من اسم لكان غيره، ومنفصلا منه، والاسم هو المسمى على قول أهل السنة، فلا يجوز أن يكون الاسمان متغايرين.
قال ومن جعل اسما أعظم من اسم ص 4598، صار إلى قول من يقول القرآن مخلوق، ومسألة الاسم هل هو المسمى، سلفت.
فإن قلت فلو كان كما وصفت كل من أسمائه عظيما، لا شيء منها أعظم من شيء لكان كل من دعا باسم من أسمائه مجابا دعاؤه، كما استجيب دعاء صاحب سليمان، الذي أتاه بعرش بلقيس من مسيرة شهر قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه؛ لأنه كان عنده علم من اسم الله الأعظم، وكان عيسى يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وقد يدعو أحدنا الدهر الطويل بأسمائه فلا يستجاب له، فدل أن الأمر بخلاف ذلك.
قيل بل الأمر في ذلك كما قلناه، ولكن أحوال الداعين تختلف، فمن داع ربه لا ترد دعوته، ومن داع محله محل من غضب الله عليه، وعرضه للبلاء والفتنة، فلا يرد كثيرا من دعائه ليبتليه، ويبتلي به غيره، ومن داع يوافق دعاؤه محتوم قضائه، ومبرم قدره، وقد قال عليه السلام (( ما من مسلم يدعو إلا استجيب له، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، إما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا ) )وسلف.
وقع هنا من رواية سفيان، عن أبي الزناد (( مائة إلا واحدة ) )ولا يجوز
في العربية، وقد جاء في الاعتصام (( إلا واحدا ) )من رواية شعيب، عن أبي الزناد، وهو الصحيح في العربية؛ لأن الاسم مذكر، فلا يستثنى منه إلا مذكر مثله، نبه عليه ابن بطال، وقد روي هنا من طريق الأول (( واحدا ) ).
الوتر بكسر الواو وفتحها، وقرئ بهما.
قال الخطابي فيه دليل على أن الله أشهر أسمائه؛ لإضافة هذه الأسماء إليه، وقد روي أنه الاسم الأعظم. قال اللالكائي وإليه ينسب كل اسم له، فيقال الرءوف الرحيم الله، أو من أسماء الله، ولا يقال من أسماء الرءوف (الرحيم) الله.
وذكر ابن العربي القاضي عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم، قال وهذا قليل فيها.
وأما نفس هذه الأسماء فقد جاءت مفصلة في الترمذي والحاكم وغيرهما، وفي بعض الأسماء خلاف، وقيل إنها مخفية التعيين كالاسم الأعظم، وليلة القدر، ونظائرهما.
واختلفوا في معنى الإحصاء، وفي رواية أخرى (فذكر البخاري) وغيره أنه حفظها، وهو الصحيح عملا بالرواية الأخرى (( من حفظها ) )وقيل معناه العمل بها، والطاعة بمعنى كل اسم منها. والإيمان بها لا يقتضي عملا. وأغرب بعضهم فقال أراد حفظ القرآن أجمع وتلاوته كله؛ لأنه مستوف لها.
وقال الخطابي يكون الاحصاء بمعنى العقل والمعرفة، فيكون معناها من عرفها وعقل معانيها وآمن بها دخل الجنة، مأخوذ من الحصاة وهو العقل.
والعرب تقول فلان ذو حصاة أي ذو عقل.
وقوله (( يحب الوتر ) )معناه في حق الله الواحد الذي لا شريك له ولا نظير، ومعنى (( يحب ) )يفضله في الأعمال وكثير من الطاعات، فجعل الصلاة خمسا، والطهارة ثلاثا، والطواف سبعا سبعا، والسعي سبعا، ورمي الجمار سبعا، وأيام التشريق ثلاثة، والاستنجاء ثلاثة، وشبه ذلك.
وقيل معناه ينصرف إلى من يعبد الله بالوحدانية والتصرف مخلصا له.