فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 3844

عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم (( ثلاث من كن فيه ) )الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) مرتبًا عن سليمان بن حرب عن شعبة عن قتادة عن أنس وأخرجه أيضًا في الإكراه، وأخرجه (م) هنا، وأخرجه (ت) وأبو قلابة بكسر القاف والموحدة اسمه عبد الله بن زيد بن عمرو، وقيل عامر بن ناتل بالمثناة فوق، ابن مالك الجرمي البصري التابعي الجليل.

سمع أنسًا وغيره من الصحابة، وعنه أيوب وغيره من التابعين، مات بالشام سنة أربع ومائة. وذكر للقضاء فهرب حتى أتى اليمامة، وقال ما وجدت مثل القاضي العالم إلا مثل رجل وقع في بحر فما عسى أن يسبح حتى يغرق.

وأيوب هو الإمام المجمع على جلالته، أبو بكر أيوب بن أبي تميمة بفتح المثناة فوق، واسمه كيسان السختياني بفتح المهملة وسكون المعجمة وكسر التاء البصري التابعي، مولى بني عنزة، ويقال جهينة. ومواليه حلفاء بني الحريش.

وقيل له السختياني. لأنه كان يبيع الجلود بالبصرة، وقال السمعاني هذه النسبة إلى عمل السختيان وبيعه، وهو الجلود الضائنة ليست بأدم.

وقال الصغاني في (( عبابه ) )السختياني جلد الماعز المدبوغ، فارسي معرب. ومنهم من كسر السين ومدها على الفتح. قال في (( المطالع ) )والسختياني قال الجوهري سمي بذلك؛ لأنه يبيع الجلود. قال ومنهم من يضم السين.

رأى أنسًا، وسمع عمرو بن سلمة بكسر اللام الجرمي، وخلقًا من التابعين. وعنه ابن سيرين، وقتادة، وعمرو بن دينار، وهم من شيوخه.

قال شعبة ما رأيت مثله، كان سيد الفقهاء. وقال ابن عيينة لقيت ستة وثمانين تابعيًا ما لقيت منهم مثل أيوب. ولد سنة ست أو ثمان وستين، ومات ص 131 سنة إحدى وثلاثين ومائة.

وعبد الوهاب هو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي البصري. سمع جمعًا من الأعلام، منهم يحيى الأنصاري، وأيوب، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند التابعيون. وعنه الأعلام الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وثقه يحيى بن معين، وقال إنه اختلط بآخره.

وكانت غلة عبد الوهاب في كل سنة ما بين أربعين ألفًا إلى خمسين ألفًا، لا يحول الحول على شيء منها كان ينفقها على أصحاب الحديث. ولد سنة ثمان أو عشر ومائة، ومات سنة أربع وتسعين ومائة.

ومحمد بن المثنى هو أبو موسى محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس بن دينار العنزي البصري الحافظ المعروف بالزمن، والعنزي بفتح العين نسبة إلى عنزة بن أسد حي من ربيعة، روى عن سفيان بن عيينة وخلق، وعنه الجماعة وابن خزيمة وخلق.

وهو ثقة ورع، ولد سنة سبع وستين ومائة، وهي السنة التي مات فيها حماد بن سلمة، وولد بندار ومات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

ورجال هذا الحديث كلهم بصريون خرج لهم الشيخان وباقي الستة.

هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام، وأصله من كتاب الله تعالى {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم} .. إلى قوله {أحب إليكم من الله ورسوله} ، ثم توعد بقوله {فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} [التوبة24] .

وخص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها لا توجد إلا ممن تنور قلبه بنور الإيمان واليقين؛ فانكشف له الأحوال.

الأولى معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الله تعالى ورسوله، وإيثار ذلك على أغراض الدنيا.

وفي رواية أخرى في (( الصحيح ) ) (( ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان [1] ) ). وفي حديث آخر (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا ) )، وهو راجع إلى المعنى الذي ذكرناه.

ومحبة العبد لربه تعالى تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبة رسوله عليه السلام، وهي التزام شريعته.

قال القاضي ولا تصح محبة الله ورسوله حقيقة، وحب المرء في الله وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه، واطمأنت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وجد حلاوة الإيمان، والحب في الله من ثمرات حب الله تعالى.

قال بعضهم المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب تعالى، فنحب ما أحب، ونكره ما يكره. وبالجملة فأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبوب، والله تعالى منزه أن يميل أو يمال إليه.

وأما محبة الرسول فيصح فيها الميل إذ يميل الإنسان إلى ما يوافقه، إما للاستحسان كالصورة الجميلة والصوت والمطاعم الشهية ونحوها، أو لما يستلذه بعقله من المعاني والأخلاق كمحبة الصالحين والعلماء، أو لمن يحسن إليه ويدفع الضرر عنه، وهذه المعاني كلها موجودة في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال أوصاف الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إياهم إلى صراط مستقيم.

وأشار بعضهم إلى أن هذا يتصور في حق الله تعالى. وحب العبد له على قدر معرفته بجلاله وكمال صفاته، وتنزيهه عن النقائص، ولا استحالة في ذلك.

وعبر عليه السلام بقوله (( مما سواهما ) )دون من سواهما لعموم ما. وما سواهما هو جميع المخلوقات من ملك ونبي وغيرهما.

وفيه دلالة على أنه لا بأس بمثل هذه التشبيه، أعني قوله (( سواهما ) ). وأما قوله عليه السلام لمن خطب وقال ومن يعصهما (( بئس الخطيب أنت، قل ومن يعص الله ورسوله ) ). ص 132 أخرجه (م) من حديث عدي بن حاتم. فجوابه من أوجه

أحسنها أنه ليس من هذا النوع؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح لا الرموز والإشارات، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ.

ومما يدل على هذا حديث ابن مسعود في خطبة الحاجة (( من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ) ). أخرجه (د) وغيره بإسناد جيد.

ثانيها إنه إنما أنكر الجمع تعظيمًا لله تعالى، وقد قال عليه السلام (( لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ثم ما شاء فلان ) )؛ لما في ثم من التراخي بخلاف الواو التي تقتضي التسوية.

وقوله تعالى {إن الله وملائكته يصلون على النبي} [الأحزاب56] فيه اشتراك الضمير أيضًا، لكن قدره آخرون بأن الله تعالى يصلي وملائكته يصلون.

ثالثها أنه إنما أنكر عليه وقوفه على ومن يعصهما. لكن قوله (( قل ومن يعص الله ورسوله ) )يرد ذلك.

رابعها أنه عليه السلام له أن يجمع بخلاف غيره.

خامسها أن الجمع يوهم التسوية من قصده فلهذا منعه، قاله ابن عبد السلام.

سادسها أن كلامه عليه السلام جملة واحدة، فيكره لغة إقامة المضمر مقام الظاهر بخلاف كلام الخطيب؛ فإنه جملتان. وبعضهم أجاب بأن المتكلم لا يتوجه تحت خطاب نفسه إذا وجهه لغيره.

وفيه الحث على المحبة في الله والإخلاص فيها.

وقد قال مالك وغيره المحبة في الله من واجبات الإسلام. وفيه أحاديث كثيرة، منها (( سبعة يظلهم الله في ظله ) )فقال (( ورجلان تحابا في الله ) ). ومنها قوله (( المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظله ) )، وهو دأب أولياء الله تعالى.

وقد قال يحيى بن معاذ الرازي حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء، وأما المحبة المشوبة بالأغراض الدنيوية فغير مطلوبة؛ لأن من أحب لذلك انقطعت عند حصول غرضه أو إياسه منه، بخلاف المحبة الخالصة.

ومعنى (( يعود في الكفر ) )يصير، والعود والرجوع قد استعملا بمعنى الصيرورة، قال تعالى {وما كان [2] لنا أن نعود فيها} [الأعراف89] والمعنى أن هذه الكراهة إنما توجد عند وجود سببها، وهو ما دخل قلبه من نور الإيمان، وكشف له عن المحاسن والطغيان، وقيل المعنى أن من وجد حلاوة الإيمان علم أن الكافر في النار، يكره الكفر ككراهته لدخول النار.

ومعنى (( يقذف في النار ) )يصير فيها عافانا الله منها.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( ثلاث ) )هو مبتدأ وليس نكرة صرفة لأن التنوين عوض المضاف إليه أي ثلاث خصال، أو لأنه صفة موصوف محذوف وهو مبتدأ بالحقيقة؛ أي خصال ثلاث.

قال المالكي في (( شرح التسهيل ) )مثال الابتداء بنكرة هي وصف قولهم ضعيف عاذ بقرملة. أي إنسان ضعيف التجأ إلى قرملة أي شجرة ضعيفة.

وأقول لا تمسك فيه لاحتمال أن يكون من باب شراهر ذا ناب أو لأن الجملة الشرطية صفة والخبر على هذا التقدير هو أن يكون، وعلى التقديرين الأولين الشرطية خبر، وأن يكون هو بدل عن ثلاث أو بيان، وأما من فهو مبتدأ والشرط والجزاء معًا خبره، أو الشرط فقط على اختلاف فيه، ومن إما شرطية وإما موصولة متضمنة معنى الشرط، ووجد بمعنى أصاب ولهذا عدي بمفعول واحد.

فإن قلت لم ماءني أحب حتى يطابق خبر كان اسمه. قلت أفعل التفضيل إذا استعمل بمن فهو مفرد مذكر لا غير ولا تجوز المطابقة لمن هو له.

قوله (( وأن يحب المرء ) )بنصب المرء لأنه مفعوله وفاعله الضمير ص 133 الراجع إلى من و (( لا يحبه إلا لله ) )جملة حالية تحتمل بيانًا لهيئة الفاعل أو المفعول أو كليهما معًا.

قوله (( ويعود في الكفر ) )فإن قلت المشهور عاد إليه يتعدى بكلمة الانتهاء لا بآلة الظرف. قلت قد ضمن فيه معنى الاستقرار كأنه قال يعود مستقرًا فيه، والكراهة ضد الإرادة وتستعمل عرفًا بمعنى التنفير هذا يتعلق بأصل التركيب فيه.

وأما ما يتعلق بخاصته فهو أن الحلاوة إنما هي في المطعومات والإيمان ليس مطعومًا فتصرف بأن شبه الأيمان بالعسل ونحوه للجهة الجامعة أي وجه الشبه الذي بينهما هو الالتذاد وميل القلب إليه فذكر الشبه وأضيف إليه ما هو من خواص المشبه به ولوازمه وهو الحلاوة على سبيل التخييل له، ومثله يسمى بالاستعارة بالكناية.

واعلم أن في الحديث إشارة إلى التحلي بالفضائل وهو كون الله ورسوله أحب إليه، وهذا هو التعظيم لأمر الله وكون محبته للخلق خالصًا لله.

وفيه الإشارة على الشفقة على خلق الله وأجزأ عن التخلي عن الرذائل وهو كراهية الكفر وما يلزمه من سائر النقائص وهذا بالحقيقة لازم للأول لأن إرادة الكمال مستلزمة لكراهة النقصان.

التيمي حلاوة الإيمان حسنه يقال حلا الشيء في الفم إذا صار حلوًا، وإن حسن في العين أو القلب يقال حلا بعيني أي حسن.

القاضي البيضاوي المراد بالحلو هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه ويستدعي اختياره وإن كان على خلاف الهوى ألا ترى أن المريض يعاف الدواء وينفر عنه طبعه ويميل إليه باختياره ويهوى تناوله بمقتضى عقله لما علم أن صلاحه فيه فالمرء لا يؤمن إلا إذا تيقن أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل.

والعقل يقتضي ترجيح جانبه وكماله بأن تتمرن نفسه بحيث يصير هواه تبعًا لعقله ويلتذ به التذاذًا عقليًا إذ اللذة إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك وليست بين هذه اللذة واللذات الحسية نسبة يعتد بها.

والشارع عبر عن هذه الحالة بالحلاوة لأنها أطهر اللذات المحسوسة، وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان المحصل لتلك اللذة لأنه لا يتم إيمان امرؤ حتى يتمكن في نفسه أن المنعم بالذات هو الله تعالى ولا مانح ولا مانع سواه وما عداه وسائط ليس لها في حد ذاتها أضرار ولا أنفاع، وأن الرسول هو المعطوف الساعي في إصلاح شأنه.

وذلك يقتضي أن يتوجه بكليته نحوه ولا يحب ما يحبه إلا لكونه وسطًا بينه وبينه، وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق تيقنًا يجعل إليه الموعود كالواقع والاشتغال بما يؤول إلى الشيء ملابسته به فيحسب مجالس الذكر رياض الجنة وأكل مال اليتيم أكل النار، والعود إلى الكفر إلقاء في النار قال وأما تثنية الضمير ههنا فللإيماء على أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة فإنها وحدها ضائعة لاغية، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية إذ العطف في تقدير التكرار والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم انتهى.

أقول قوله حلاوة الإيمان مقصوده أن الحلاوة أمر زائد على الإيمان ومن ثمراته، ولما قدم قتله أن حب الرسول من الإيمان أردفه بما يوجد حلاوة ذلك الحاصلة، قاله الزركشي.

[1] في هامش المخطوط أقول فإن قلت في الحديث ثلاث من كن فيه إلى آخره، أما الأول وهو أن يكون الله ورسوله أحب مما سواهما ومفهومه إما بأن يكون حب شيء غيرهما مساو لحبهما أو يكون ذلك الشيء أحب إليه منهما وعلى كلا التقديرين فيه إشكال فإنه يلزم أن يكون كافرًا أو مقاربًا للكفر للحديث السابق في باب حب الرسول والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده، وقصة عمر لما قال للنبي عليه السلام (( أنت الآن أحب إلي من نفسي ) )فقال عليه السلام (( الآن يا عمر ) )أي الآن كمل إسلامك وكذلك قوله أن يكره أن يعود في الكفر، فمفهومه أن يرضى أن يعود إلى الكفر والرضا بالكفر كفر، وأما الثاني وهو أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ومفهومه أنه إذا أحبه لغير الله ... لغرض دنيوي أو لكذبه أو لفضيلة فيه لا ينتفي عنه فلا ... الإيمان ولا نفس الإيمان فكيف ذكرها الشارع في سلك واحد هذا يحتاج إلى جواب.

[2] في المخطوط كان، والصواب ?يكون?.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت