فهرس الكتاب

الصفحة 972 من 3844

31 -باب كيف تهل الحائض والنفساء

أهل تكلم به، واستهللنا وأهللنا الهلال كله من الظهور، واستهل المطر خرج من السحاب {وما أهل لغير الله به} [المائدة3] وهو من استهلال الصبي.

فيه حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت خرجنا، الحديث.

قوله (( أهل تكلم به ) )قال ابن عرفة الإهلال رفع الذابح صوته بذكر الله.

وقال ابن فارس أهل الرجل إذا كبر عند نظره إلى الهلال أو غيره.

قوله (( كله من الظهور ) )اعترضه الداودي فقال إن أراد أن يسمي الشيء بالشيء لما قاربه فيحتمل، وإنما نفس اللفظ فهي من الصراخ، ألا ترى أن الصبي يظهر من بطن أمه فلا يقال استهل حتى يبكي.

قال وقوله (( واستهل المطر خرج من السحاب ) )هو المصبوب لا من الظهور.

وقوله (( {وما أهل لغير الله به} [المائدة3] ) )أي ذبح على الأصنام.

وخروجها كان عام حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، ولم يحج عليه السلام من المدينة بعد الهجرة غيرها، وما قبلها لما كان بمكة حج حججًا لا يعلم عددها إلا الله تعالى [1] ، وسميت حجة الوداع؛ لأنه عليه السلام وعظهم فيها، وودعهم فسميت بذلك حجة الوداع.

قوله (( فأهللنا بعمرة ) )اختلفت الروايات عن عائشة بما أحرمت به اختلافًا كثيرًا كما قال القاضي فهنا (( فأهللنا بعمرة ) )، وفي أخرى فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج. قالت ولم أهل إلا بعمرة، وفي أخرى خرجنا لا نريد إلا الحج، وفي أخرى لبينا بالحج، وفي أخرى مهلين بالحج. والكل صحيح، وفي رواية وكنت ممن تمتع، ولم يسق الهدي.

قال مالك ليس العمل عندنا على حديث عروة عنها قديمًا ولا حديثًا.

وكذا قال أبو عمر الأحاديث عن عائشة في هذا مضطربة جدًا.

وفي (( المشكل ) )للطحاوي فلما جئنا سرفًا طمثت، فلما كان يوم النحر طهرت، وفي لفظ فقال لها (( انفري؛ فإنه يكفيك ) )، فألحت، ص 1580 فأمرها أن تخرج إلى التنعيم، وفي لفظ قالت يا رسول الله، إني حضت وقد حل الناس ولم أحل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. قال (( اغتسلي ثم أهلي بالحج ) )، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، وبين الصفا والمروة، ثم قال (( قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا ) )، فقلت يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت قال (( اذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها ) )، وذلك ليلة الحصبة.

وفي (( المستدرك ) )صحيحًا على شرط (م) عنها خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم على أنواع ثلاثة منا من أهل بحجة وعمرة، فلم يحل مما حرم عليه حتى قضى مناسك الحج، ومنا من أهل بحج مفردًا لم يحل من شيء حتى يقضي مناسك الحج، ومنا من أهل بعمرة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة حل ثم استقبل الحج.

وقال ابن حزم الصحيح أنها كانت قارنة.

وقد اتفق العلماء كما قال القاضي على جواز إدخال الحج على العمرة، وشذ بعض الناس فمنعه، وقال لا يدخل إحرام على إحرام كما في الصلاة، واختلفوا في عكسه، وهو إدخال العمرة على الحج. فجوزه أبو حنيفة، والشافعي في القديم، ومنعه آخرون، وقالوا هذا كان خاصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم لضرورة الاعتمار حينئذ في أشهر الحج.

والهدي بإسكان الدال وهو أفصح من كسرها مع التشديد، وسوى بينهما ثعلب وغيره، والتخفيف لغة أهل الحجاز، والتثقيل لغة تميم، وهو اسم لما يهدى إلى الحرم من الأنعام، ثم عدي إلى ذبح ما يرتكبه من المحظورات.

قال الجياني وواحد الهدي هدية، وقد قرئ بالوجهين جميعًا حتى يبلغ محله قال والتشديد قول الأكثرين.

قوله (( ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا ) )استدل به بعض أصحاب أبي حنيفة على أن المتمتع إذا فرغ من أعمال العمرة لم يحل، ثم يحرم بالحج إن كان معه هدي عملًا بقوله (( ثم لا يحل .. إلى آخره ) ).

وجوابه أنه يحتمل وجهين

أحدهما أن يكون قاله عند الإهلال، فقال من شاء فليقرن؛ ليبين جوازه، ويكون معنى من معه الهدي الآن فليقلده بالقران؛ لأنه إن كان متمتعًا فلا يجب أن يقلد هديه؛ لتمتعه عند إحرامه بعمرة، وإنما يقلده إذا أحرم بحجة، فالفائدة الحض على الحج في ذلك العام لمن معه هدي، ولعله علم عزم بعضهم على ترك الحج والاقتصار على فعل العمرة؛ لأجل الهدي، فخص واجد الهدي على القران؛ ليحج من عامه.

ويحتمل أنه أمر بذلك بعد الإحرام بالعمرة، وبعد تقليد الهدي، وإشعاره على أن ينحروا بمنى في حجتهم، وأن يحل بعمرته عند وصوله إلى مكة، ثم يبقى حلالًا وهديه متقلدًا مشعرًا حتى يحرم بالحج يوم التروية، ثم ينحر هديه بمنى، فأمرهم بإرداف الحج على العمرة، ويعودوا قارنين.

ومعنى ذلك المنع لهم من التحلل مع بقاء الهدي، وذلك ممنوع لقوله تعالى {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة196] .

قولها (( فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ) )لأن السعي بينهما موصول بالطواف، والطواف موصول بالصلاة، ولا تجوز صلاة بغير طهارة.

وقال ابن التين إنما لم تطف ولم تسع؛ لأن الطواف من شرطه ص 1581 الطهارة، والسعي مرتب عليه، وإن كان ليس من شرطه الطهارة، بدليل أنها لو حاضت بعد أن فرغت الطواف وسعت لأجزأها، وهذه العبادة أحسن من تلك.

وقال ابن الجوزي فيه دلالة على أن طواف المحدث لا يجزئ، ولو كان ذلك لأجل المسجد لقال لا يدخل المسجد، وقد اختلفت الرواية عن أحمد في طواف المحدث والمتنجس، فروي عنه لا يصح، وروي عنه يصح، ويلزمه دم.

ومذهب الجمهور كما قاله في (( شرح المهذب ) )أن السعي يصح من المحدث، والجنب، والحائض، وعن الحسن أنه إن كان قبل التحلل أعاد السعي، وإن كان بعده، فلا شيء عليه.

وعن أبي حنيفة أن الطهارة من الحدث والنجس ليس شرطًا للطواف، فلو طاف وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صح طوافه، واختلف أصحابه في كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست شرطًا، فمن أوجبها منهم قال إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن كان جنبًا لزمه بدنة، قالوا ويعيده ما دام بمكة، وعن داود الطهارة له واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه إلا الحائض.

قولها (( فشكوت ذلك إلى رسول الله ) )يقال شكوت وشكيت لغتان، وسبب شكواها أنها لم تسق هديًا ولا أمرت بإرداف الحج على العمرة، وكان من حقها التمادي على الفراغ من عمرتها، ثم تهل بالحج، فلما لم يمكنها إتمام عمرتها فشكت ذلك.

قوله (( انقضي رأسك .. إلى آخره ) )احتج به الكوفيون، فقالوا إن المعتمرة إذا حاضت قبل الطواف وضاق عليها وقت الحج رفضت عمرتها وألقتها واستهلت بالحج، وعليها لرفض عمرتها دم، ثم تقضي عمرة بعد، ونقض الرأس والامتشاط دليل على رفضها؛ لأن القارنة لا تمتشط ولا تنقض رأسها.

فجاوبهم مخالفوهم بما نقل عن مالك أن حديث عروة عن عائشة ليس عليه العمل عندنا قديمًا ولا حديثًا، وأظنه وهمًا ليس عليه العمل في رفض العمرة؛ لأن الله تعالى أمر بإتمام الحج والعمرة لمن دخل فيهما، وقال تعالى {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد33] ورفضها قبل إتمامها هو إبطالها، وكذا لو أحرمت بالحج، ثم حاضت قبل الطواف، لا ترفضه، فكذا العمرة. [2]

والذي عليه العمل عند مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور في المعتمرة تحيض قبل الطواف، وتخشى فوات عرفة وهي حائض أنها تهل بالحج، وتكون كمن نوى الحج والعمرة ابتداءً، وعليها هدي القران، ولا يعرفون رفض العمرة ولا رفض الحج لأحد دخل فيهما أو في أحدهما.

قالوا وكذلك المعتمر يخاف فوات عرفة قبل أن يطوف لا يكون إهلاله رفضًا للعمرة بل يكون قارنًا بإدخاله الحج على العمرة.

وأجمعوا في غير الخائف لفوت عرفة أنه لا يحل له رفض العمرة، فكذلك من خاف فوت عرفة؛ لأنه يمكنه إدخال الحج على العمرة، ويكون قارنًا فلا وجه لرفض العمرة في شيء من النظر.

قال ابن أبي صفرة ولو ثبت قوله (( دعي العمرة ) )لكان له تأويل سائغ، فيكون معنى قوله (( أهلي بالحج ) )الذي أنت فيه؛ أي استديمي ما أنت عليه، ودعي العمرة التي أردت أن تفسخ حجك فيها، لأنها إنما طهرت بمنى وقد رهقها الوقوف بعرفة، وهذا أصل في المراهق أن له تأخير طواف الورود.

ولو ثبت قوله ص 1582 (( انقضي رأسك، وامتشطي ) )لما نافى ذلك إحرامها ولجبرته بالفدية كما أمر عليه السلام كعب بن عجرة بالفدية والحلق لما بلغ به أذى القمل، فيكون أمره لها بنقضها رأسها وامتشاطها؛ لضرورة كانت بها مع الفدية، هذا سائغ ومحتمل.

وقوله لها (( على أن لا تطوفي بالبيت ) )يدل أنها لم تنقض رأسها إلا لمرض كان بها، أو لإهلال كما ذكرنا.

قال الشافعي ليس معناها اتركيها وأخريها على القضاء، إنما هو أنه أمرها أن تدخل الحج على العمرة، فتصير قارنة، قال وعلى هذا المذهب تكون عمرتها من التنعيم تطوعًا لا عن واجب، ولكن أراد أن تطيب نفسها فأعمرها.

وقيل إنما أمرها بفسخ العمرة وإنشاء الحج مفردًا، وأبعد من قال إنها لم تكن أوجبت حجًا ولا عمرة، وإنما نوت أن تعتمر، ولم تطف حتى حاضت، فقال لها ما قال.

ومعنى (( دعي العمرة ) )دعي العمل بها، أو دعي أعمالها حتى تطوفي وتسعي للحج والعمرة طوافًا واحدًا، ومذهب عطاء، ومجاهد، والحسن، وطاووس أن الطواف الواحد والسعي الواحد يجزءان القارن عن حجه وعمرته، كما في حديث عائشة، وبه قال مالك، وأحمد والشافعي، وإسحاق، ومحمد ابن سيرين، وسالم، والزهري، وداود، وأبو ثور، وعن الشعبي أن القارن يطوف طوافين، وهو قول أصحاب الرأي.

قوله (( فلما قضينا الحج .. إلى آخره ) )إنما عبرت بقضاء الحج؛ لأنه أتم النسكين، وفيه أن الإحرام بالعمرة إنما يكون من الحل.

قوله (( هذه مكان عمرتك ) )برفع (( مكان ) )على الخبر؛ أي عوض عمرتك الفائتة، وبالنصب على الظرف.

قال بعضهم والنصب أوجه، ولا يجوز غيره، والعامل فيه محذوف تقديره هذه كائنة مكان عمرتك أو مجعولة مكانها.

قال القاضي والرفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظرف إنما أراد عوض عمرتك فمن قال كانت قارنة، قال مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردة ومن قال كانت مفردة، قال مكان عمرتك التي فسخت الحج إليها، ولم تتمكني من الإتيان بها للحيض فكان ابتداء حيضها يوم السبت، وهو يوم النحر.

وقال ابن التين يحتمل أن يريد أنها عمرة مفردة بالعمل مكان عمرتك الأولى التي أردت أن تفرديها به فلم تكمليها على ذلك.

قولها (( فطاف الذين كانوا أهلوا .. إلى آخره ) )تريد عند ورودهم للعمرة، قال ابن التين.

قولها (( وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا ) )فيه دلالة على أنه لا يتكرر، وذكر (خ) بعد هذا أن إذنه لعائشة بما ذكر كان في يوم عرفة.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( تهل الحائض ) )أي تحرم و (( كله ) )أي كل هذه الألفاظ مشتق معنى من الظهور؛ فإنه إذا تكلم أظهر ما في قلبه وإذا طلع الهلال فقد ظهر من الخفاء الذي له من المحاق.

الجوهري أهل الهلال واستهل على ما لم يسم فاعله وقال أيضًا استهل بمعنى تلين.

قوله (( {ما أهل} ) )أي نودي على المذبوح بغير اسم الله وأصله رفع الصوت واستهل الصبي إذا صاح عند الولادة.

قوله (( فأهللنا بعمرة ) )فإن قلت تقدم في باب الحيض وسيجيء في باب التمتع أنهم كانوا لا يرون إلا الحج؟ قلت معناه لا يريدون عند الخروج إلا ذلك فبعد ذلك أمرهم الرسول بالاعتمار رفعًا لما اعتقدوه ص 1583 من حرمة العمرة في أشهر الحج.

قوله (( هدي ) )بسكون الدال أو بكسرها مع تشديد الياء وهو ما يهدى إلى الحرم من النعم و (( انقضي ) )بالقاف ويصح بالفاء إن صح الرواية و (( التنعيم ) )بفتح الفوقانية وسكون النون وبالمهملة عند طرف حرم مكة من جهة الشام وهو المشهور بمسجد عائشة.

قوله (( مكان ) )بالرفع؛ أي بدل، وبالنصب على أنه ظرف.

الخطابي الحديث مشكل جدًا إلا أن تأول على الترخيص لها في فسخ العمرة كما أذن لأصحابه في فسخ الحج، وكان الشافعي تأوله على أنه إنما أمرها أن تدع عمل العمرة وتدخل عليها الحج فتكون قارنة لا أن تدع العمرة نفسها وعلى أن عمرتها من التنعيم غير واجب لدخولها في عقد الإحرام بالحج يعني في قرانها وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم تطييب نفسها بذلك بأن يحصل لها أيضًا عمرة منفردة مستقلة كما حصلت لسائر أمهات المؤمنين لكن تأويله يوهنه لفظ (( انقضي رأسك وامتشطي ) ).

قال والدي رحمه الله تعالى

لا يوهنه؛ لأن نقض الرأس والامتشاط جائزان في الإحرام بحيث لا تنتف شعرًا، وقد يتأول بأنها كانت معذورة بأن كان برأسها أذى فأباح لها كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى، وقيل المراد بالامتشاط تسريح الشعر بالأصابع لغسل الإحرام بالحج ويلزم منه نقضه وسبق مباحث الحديث في باب امتشاط المرأة في كتاب الحيض.

الزركشي

قوله (( أهلي بالحج ودعي العمرة ) )تأوله الشافعي على أنه أمرها بأن تدع عمل العمرة، وتدخل عليها الحج فتكون قارنة، لا أن تدع العمرة نفسها.

قال الخطابي إلا أن قوله (( انقضي رأسك وامتشطي ) )، لا يشاكل هذه القضية، ولو تأوله متأول على الترخيص في فسخ العمرة كما أذن لأصحابه في فسخ الحج لكان له وجه.

قلت ويشهد لتأويل الشافعي قوله في الحديث الآخر (( طوافك وسعيك كافيك لحجك وعمرتك ) ).

(( هذه مكان عمرتك ) )وفي نسخة هذا، ثم المشهور رفع (( مكان ) )على الخبر؛ أي عوض عمرتك التي تركتيها لأجل حيضتك، وبالنصب على الظرف.

وقال بعضهم لا يجوز غيره، والعامل محذوف، تقديره وهذه كائنة مكان عمرتك، أو مجعولة مكانها، ورحج القاضي الرفع؛ لأنه لم يرد به الظرف والمكان، وإنما أراد به عوض عمرتها الفائتة وقضى عنها.

وقال السهيلي الوجه النصب على الظرف؛ لأن العمرة ليست بمكان لعمرة أخرى، ولكن إن جعلت المكان بمعنى العوض والبدل مجازًا؛ أي هذه بدل عمرتك، جاز الرفع.

[1] في هامش المخطوط (( أقول قيل حج بمكة حجتين ) ).

[2] في هامش المخطوط (( أقول يرد على الشافعي جواز الخروج من العبادة النافلة كالصوم والصلاة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت