فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
هذه الترجمة هي لفظ حديث صحيح من طريق ابن عمر بزيادة (( ولا صدقة من غلول ) )أخرجه (م) في (( صحيحه ) )وإنما عدل عنه إلى ما ذكره من حديث أبي هريرة، مع أن حديث ابن عمر هذا مطابق لما ترجم له لأجل سماك بن حرب المذكور في إسناده، فإنه ليس من شرطه، وإن أخرج له تعليقًا.
قوله لا تقبل صلاة من أحدث إلى آخره هذا الحديث أخرجه (م) أيضًا إلى قوله يتوضأ، وهذا السائل لا أعرف اسمه.
وحضرموت من بلاد اليمن، أقول قال ياقوت حضرموت بالفتح ثم السكون وفتح الراء والميم اسمان مركبان ناحية واسعة في شرقي عدن يقرب البحر وحولها وقال كبيرة تعرف بالأحقاف، وقيل هو مخلاف من اليمن.
وهذيل تضم ميمه، وقال الجوهري حضرموت اسم بلد وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جعلا واحدًا، إن شئت بنيت الاسم الأول على الفتح، وأعربت الثاني بإعراب ما لا ينصرف.
قلت هذا حضرموت، وإن شئت أضفت الأول إلى الثاني فقلت هذا حضرموت، أعربت حضرًا وخفضت موتًا، وكذلك القول في سام أبرص، ورامهرمز، والنسبة إليه حضرمي، والتصغير حضيرموت، تصغر الصدر منهما، وكذلك الجمع يقال فلان من الحضارمة.
والقبول يراد به شرعًا حصول الثواب، وقد تتخلف الصحة بدليل صحة صلاة العبد الآبق، ومن أتى عرافًا، وشارب الخمر إذا لم يسكر ما دام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة في الدار المغصوبة على الصحيح عند الشافعية.
فأما ملازمة القبول للصحة ففي قوله عليه السلام (( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ) )والمراد بالحائض من بلغت سن الحيض، فإنها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة، والقبول مفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء.
فقوله عليه السلام (( لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ ) )عام في عدم القبول من جميع المحدثين في جميع أنواع الصلاة، والمراد بالقبول وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة ظاهرًا وباطنًا، وكذا العكس.
ونقل عن بعض المتأخرين أن الصحة عبارة عن ترتب الثواب والدرجات على العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
فالقبول على هذا التفسير أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح ولا عكس، والحدث عبارة عما ينقض الوضوء وموضع بسطها كتب الفروع وقد فسر أبو هريرة بنوع من الحدث حين سئل عنه فقال فساء أو ضراط وكأنه أجاب السائل ص 434 عما يجهله منها، أو عما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، أو عما يقع في الصلاة، فإن غيره كالبول مثلًا لا يعهد فيها، وهو نحو قوله عليه السلام في حديث آخر (( لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ) ).
ونبه به على التسوية بين الحدث الواقع في الصلاة وغيرها، لئلا يتخيل الفرق بين أن يحصل الشك فيه في الصلاة، فيتمادى أو خارجها فيتوضأ كما فرق به بعضهم.
ثم الحدث بموضوعه يطلق على الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس، والأصغر كنواقض الوضوء، وقد يسمى نفس الخارج حدثًا، وقد يسمى المنع المرتب عليه حدثًا، وبه يصح قولهم رفعت الحدث، ونويت رفعه، وإلا استحال ما يرفع أن لا يكون رافعًا.
وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكل صلاة، فقد ثبت أنه كان مختصا بوقت مع كونه رافعًا للحدث اتفاقًا، ولا يلزم من انتهائه في ذلك الوقت بانتهاء وقت الصلاة أن لا يكون رافعًا للحدث، ثم زال ذلك الوجوب.
هذا الحديث نص في وجوب الطهارة وشرطيتها للصلاة وهو إجماع.
واختلف متى فرضت الصلاة [1] ؟ فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام سنة ثم نزل فرضه في آية التيمم.
وقال الجمهور بل كان قبل ذلك فرضًا، ثم اختلفوا في أنه هل يجب على كل قائم إلى الصلاة، أو على كل محدث خاصة؟ والذي أجمع عليه أهل الفتوى الثاني.
وأما الوضوء لغير الفرائض فذهب بعضهم إلى أنه يحسب له من نافلة أو فريضة، وهو عجيب، لا جرم رده بعض المالكية إلى أنه هل ينوي بالوضوء الفرض أو النفل؟.
وذهب بعضهم إلى أنه فرض على كل حال، حكاه القاضي.
استدل بعض المتقدمون بهذا الحديث على أن الصلاة لا تجوز إلا بطهارة، ولا يلزم من انتفاء القبول انتفاء الصحة، وقد تكون الصلاة مقبولة من غير وضوء، ولا تيمم في حق فاقد الطهورين، فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجب إعادتها على أحد الأقوال للشافعي، وهو المختار عند جماعة من أصحابه، فيكون الحديث خرج على الأصل والغالب، والإعادة لا تجب إلا بأمر جديد.
وهذا كله على مذهب من يقول إن الطهارة شرط للصحة، أما من يقول إنها شرط للوجوب كمالك وابن نافع، فإنهما قالا فاقد الطهورين لا يصلي، ولا يقضي إن خرج الوقت؛ لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدل على أنه ليس مخاطبًا بها حال عدم شرطها، فلا يترتب في الذمة شيء، فلا يقضي.
لكن قوله عليه السلام (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) )يمنع هذا، فإنه أمر بالصلاة بشروط تعذرت فيأتى بها، ولا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط بالنسبة إلى أصل الوجوب.
وهذه المسألة فيها أربعة أقوال للشافعي
أحدها ما قدمناه.
و 2 تحرم الصلاة وتجب الإعادة.
و 3 تستحب الصلاة وتجب الإعادة.
وأصحها تجب الصلاة وتجب الإعادة، وهي عند المالكية أيضًا، لكن عندهم قول إنه لا يصلي ولا يقضي، فهذا خامس إذًا.
أقول وقد نظم بعض المالكية الأقوال في ثبت فقال
~ومن لم يجد ماء ولا ترابًا فأربعة أقوال يحكون مذهبًا
~يصلي ويقضي عكس ما قال مالك وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا
وقد استدل بهذا الحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء أكان خروجه اختياريا أم لا، لعدم تفريقه عليه السلام بين حدث وحدث في حالة دون حالة.
وقد حكي عن مالك والشافعي في قوله القديم ص 435 وغيرهما أنه إذا سبقه الحدث يتوضأ، ويبني على صلاته، وإطلاق الحديث يرده.
وقام الإجماع على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب لغير فاقد الطهورين، ولا فرق في ذلك بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر.
وحكي عن الشعبي، ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء، وهو باطل؛ لعموم هذا الحديث والإجماع، ومن الغريب أن قولهما قال به بعض الشافعية [2] .
ولو صلى محدث متعمدًا بلا عذر أثم ولا يكفر عندنا وعند الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه يكفر لتلاعبه.
قال والدي رحمه الله تعالى
الطهور _ بفتح الطاء _ الماء الذي يتطهر به وبضمها الفعل الذي هو المصدر، والمراد به هنا الوضوء. قوله (( لا يقبل ) )بصيغة المجهول وفي بعضها (( لا يقبل الله ) )، قوله (( فساء ) )بضم الفاء وبالمد و (( الضراط ) )بضم الضاد وهما مشاركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدبر ممتازان يكون الأول بدون الصوت والثاني مع الصوت.
الخطابي لم يرد بذكر هذين النوعين تخصيصهما وقصر الحكم عليهما، بل دخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين، والمعنى إذا كان أوسع من ذلك الاسم كان الحكم للمعنى، ولعله أراد به أن يثبت الباقي بالقياس عليه للمعنى المشترك بينهما.
وأقول ولعل ذلك لأن ما هو أغلظ من الفساد بالطريق الأول، ويحتمل أن يقال المجمع عليه من أنواع الحدث ليس إلا الخارج النجس من المعتاد، وما يكون مظنة له كزوال العقل فأشار إليه على سبيل المثال كما يقال الاسم زيدًا وكزيد وسمي مثله تعريفًا بالمثال أو يقال كان أبو هريرة يعلم أنه عارف بسائر أنواع الحدث جاهل بكونهما حدثا فتعرض لحكمهما بيانًا لذلك.
فإن قلت ما بال الصلاة التي بالتيمم هل تكون مقبولة, قلت التيمم قائم مقام الوضوء وبدله فله حكمه، والنص على ذكر الوضوء نظرا إلى كونه الأصل.
فإن قلت الضمير في يتوضأ ما مرجعه, قلت من أحدث وسماه محدثًا وإن كان طاهرًا باعتبار ما كان كقوله تعالى {وآتوا اليتامى أموالهم} [النساء2] وفيه أن الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة ويدخل فيها صلاة الجنازة والعيدين وغيرهما، وفيه أن الطواف لا يجزئ بغير طهور لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه صلاة، واختلف في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه
1 أنه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا.
و 2 لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة.
و 3 يجب بالأمرين وهو الراجح.
[1] في هامش المخطوط في (( ظ ) ) (( الوضوء ) ).
[2] في هامش المخطوط ينظر في شرح المنهاج لابن الملقن.