فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 3844

عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إذا أسلم العبد ) )الحديث. عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا أحسن أحدكم إسلامه ) )الحديث.

حديث أبي سعيد أخرجه ههنا معلقًا فإن بينه وبين مالك واسطة لأنه لم يسمع منه وقد وصله أبو ذر الهروي في بعض النسخ فقال أبو ذر أنا البصروي ثنا الحسن بن إدريس ثنا هشام بن خلف ثنا الوليد بن مسلم ثنا مالك فذكره وأسنده (ن) وغيره [1] .

ابن بطال هذا الحديث أسقط (خ) بعضه، وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير (( الموطأ ) )وذكره الدارقطني في (( غرائب حديث مالك ) )من تسعة طرق، وأثبت فيها كلها ما أسقطه (خ) (( أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء ) )وهو كقوله عليه السلام في حديث حكيم بن حزام (( أسلمت على ما أسلفت من خير ) ).

قال ومعنى (( حسن إسلامه ) )ما جاء في حديث جبريل صلى الله عليه وسلم (( أن تعبد الله كأنك تراه ) ). أراد مبالغة الإخلاص لله تعالى بالطاعة والمراقبة.

قوله (( زلفها ) )هو بتشديد اللام، يقال زلفه يزلفه تزليفًا إذا قدمه، وأزلفه إزلافًا مثله، ويقع في بعض النسخ (( أزلفها ) ). قال ابن سيده زلف الشيء وزلفه قدمه. عن ابن الأعرابي، وأزلف الشيء قربه.

وفي (( الجامع ) )الزلفة تكون القربة من الخير والشر، وفي (( الصحاح ) )الزلف التقدم عن أبي عبيدة. وتزلفوا وازدلفوا ص 210 أي تقدموا، وفي (( الجمهرة ) )الزليف بمثناة تحت قبل الفاء، ثم فسره بالتقدم من موضع إلى موضع.

قلت فمعنى أزلفها هنا اكتسبها وقدمها وقربها قربة إلى الله تعالى، وازدلفت مثل أزلفت، وازدلفت جمعهم، ومنه سميت المزدلفة؛ لجمعها الناس، وقيل لقرب أهلها من منازلهم. مفتعلة من زلفت أبدلت التاء دالًا.

قوله (( فحسن إسلامه ) )أي أسلم إسلامًا محققًا بريئًا من الشكوك، وكتب حسناته أن يكثر من الطاعات في الإسلام، ويلازم المراقبة والإخلاص في أفعاله [2] .

ثم اعلم أن هذا الحديث مع حديث حكيم بن حزام مما اختلف في معناه، فقال أبو عبد الله المازري والقاضي وغيرهما الجاري على القواعد والأصول أنه لا يصح من الكافر التقرب فلا يثاب على طاعة، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب كنظيره في الإيمان؛ فإنه مطيع به من حديث إنه موافق للأمر، والطاعة عندنا موافقة الأمر، ولا يكون متقربًا؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفًا بالقرب إليه، فيتأول حديث حكيم على أنه اكتسب أخلاقًا جميلة ينتفع بها في الإسلام أو أنه حصل له ثناء جميل، وأنه يزاد في حسناته في الإسلام بسبب ذلك، أو أنه سبب لهدايته إلى الإسلام.

وتعقبهم النووي في (( شرحه ) )فقال هذا الذي قالوه ضعيف بل الصواب الذي عليه المحققون، وقد ادعي فيه الإجماع أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة على جهة القرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق وضيافة ونحوها ثم أسلم يكتب له كل ذلك ويثاب عليه إذا مات على الإسلام.

ودليله حديث أبي سعيد فهو نص صريح، وحديث حكيم ظاهر فيه، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد ورد الشرع به فوجب قبوله.

وأما قول الفقهاء لا تصح العبادة من كافر ولو أسلم لم يعتد بها، فمرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الكافر، فإن أقدم قائل على التصريح فإنه إذا أسلم يثاب عليها في الآخرة فهو مجازف، فيرد قوله بهذه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا، فقد قال الفقهاء إذا لزمه كفارة ظهار وغيرها فكفر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لا يلزمه إعادتها.

واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره ثم أسلم هل يلزمه إعادة الغسل؟ أو الأصح اللزوم، وبالغ بعض أصحابنا فقال يصح من كل كافر كل طهارة غسلًا كانت أو وضوءًا أو تيممًا وإذا أسلم صلى بها.

أقول ملخص كلامهم أن الكافر يثاب بما جعله من خبر في زمان كفره بشرط أن يسلم ويسمى إلى موته وهذا استشكله دائمًا، ووجه الاستشكال أنه يلزم منه فضيلة الكافر على المسلم، وذلك أن المسلم لا يثاب على فعل من الأفعال الشرعية إلا بالنية غالبًا والكافر يثاب بغير نية وإن نوى، فإن نيته لا اعتبار بها فإن شرط النية الإسلام ويمكن أن يجاب عنه بأن الكافر لا يثاب على فعل فعله في كفره بل يتفضل الله عليه بعد إسلامه بثواب مثل تلك الأعمال ص 211 بتركه إسلامه انتهى.

ثم حديث الباب حجة لمذهب أهل الحق أن أصحاب المعاصي لا يقطع عليهم بالنار، بل هم في المشيئة، ومناسبة التبويب زيادة الحسن على الإسلام واختلاف أحواله بالنسبة إلى الأعمال.

وحديث أبي هريرة أخرجه (م) مطولًا.

همام بن منبه بن كامل بن سيج، بمهملة مفتوحة، ثم مثناة تحت ساكنة، وقيل بكسر السين وفتح الياء ثم جيم، اليماني الصنعاني الذماري، بكسر المعجمة، ويقال بفتحها، وذمار على مرحلتين من صنعاء، الأبناوي، بفتح الهمزة ثم باء موحدة ساكنة ثم نون ثم ألف ثم واو.

قال الغساني نسبة إلى الأبناء وهم قوم باليمن من ولد الفرس الذين جهزهم كسرى مع سيف بن ذي يزن إلى ملك الحبشة باليمن، فغلبوا الحبشة وأقاموا باليمن، فولدهم يقال لهم الأبناء.

وقال أبو حاتم بن حبان كل من ولد باليمن من أولاد الفرس وليس من العرب يقال له أبناوي وهم الأبناء.

وهمام هذا أخو وهب بن منبه وهو أكبر من وهب، سمع ابن عباس وأبا هريرة، وعنه أخوه وآخرون، وهو ثقة مات سنة إحدى، وقيل اثنتين وثلاثين ومائة. همام بن منبه من الأفراد وإن كان في الصحابة والتابعين من يشترك معه في الاسم دون الأب.

ولا يلتفت إلى تضعيف الفلاس له فإنه من فرسان الصحيحين.

وعبد الرزاق هو أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم اليماني الصنعاني. سمع خلقًا من الأعلام مالكًا وغيره، وعنه خلق من الأئمة أحمد وابن معين وغيرهما. ومناقبه مشهورة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين. قال أحمد ما رأيت أحسن منه.

وأما ابن عدي عن ابن معين أنه ليس بالقوي، قال ابن عدي ونسب إلى التشييع، وقد روى أحاديث في فضل أهل البيت.

وإسحاق بن منصور هو أبو يعقوب إسحاق بن منصور بن بهرام بكسر الموحدة الكوسج من أهل مرو سكن نيسابور، ورحل إلى الحجاز والعراق والشام وسمع الأعلام منهم ابن عيينة، وعنه (خ، م) وبقية الجماعة إلا (د) ، وروى (ت) أيضًا عن رجل عنه.

قال (م) ثقة مأمون، أحد الأئمة من أصحاب الحديث. قال الخطيب كان فقيهًا عالمًا، وهو الذي دون عن أحمد وابن راهويه المسائل. مات في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائتين.

أخذ بظاهر هذا الحديث بعض العلماء وقال التضعيف لا يتجاوز سبعمائة، حكاه الماوردي عن بعضهم، والجمهور كما حكاه النووي عنهم على خلافه وهو أنه لا يقف على سبعمائة بل يضاعف الله لمن يشاء أضعافًا كثيرة زائدة على ذلك.

ويدل عليه ما أخرجه (م) في كتاب الإيمان، و (خ) في كتاب الرقاق من حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال قال (( إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتب الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هم بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ) ).

فقوله (( إلى أضعاف كثيرة ) )دال على الزيادة على سبعمائة.

وفي كتاب (( العلم ) )لأبي بكر أحمد بن عمرو بن عاصم ص 212 النبيل بسنده عن أبي هريرة أنه قال إن الله تعالى يعطي بالحسنة ألفا ألف حسنة.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( مالك ) )اعلم أنه لم يدرك زمن مالك فهذا تعليق منه بلفظ جازم فهو صحيح ولا قدح فيه. قال ابن حزم الظاهري أنه قادح في الصحة لأنه منقطع وليس كما قاله لأنه موصول من جهات أخر صحيحة ولم يذكره لشهرته، وكيف وقد عرف من شرط (خ) وعادته أنه لا يجزم إلا بثبة وثبوت.

فإن قلت هل يصدق عليه اسم المنقطع باصطلاح المحدثين. قلت نعم لأن المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان لكن منقطع حكمه حكم المتصل في كونه صحيحًا لما علم من عادة (خ) وشرط الكتاب.

فإن قلت فهل هو معضل. قلت ما كان الساقط من إسناده رجلين فأكثر يسمى معضلًا بفتح الضاد، وههنا يحتمل أن يكون الساقط بين البخاري وبين مالك في هذا الإسناد من هذا الحديث رجلين، وأن يكون واحدًا فهو محتمل للأعضال.

فإن قلت فهل هو مرسل. قلت هذا يرجع إلى الاصطلاح فعند المحدثين مرسل إذ هو بمعنى المنقطع عندهم، وأما الأصوليين فقالوا المرسل قول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضهم قالوا قول العدل قال رسول الله.

قوله (( يقول ) )فإن قلت لم عدل عن لفظ الماضي إلى المضارع مع أن القضية ماضية ومع أنه هو المناسب لسمع. قلت لغرض الاستحضار كأنه يقول الآن فكأنه يريد أن يطلع الحاضرين على ذلك القول مبالغة في تحقيق وقوع القول كقوله تعالى {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} حيث لم يقل فكان.

قوله (( فحسن ) )عطف على أسلم وجزاء الشرط يكفر الله ويجوز فيه الرفع والجزم، وعند الجزم يلتقي الساكنان فيحرك بالكسر والرواية إنما هي بالرفع، ومعنى حسن الإسلام الدخول فيه بالظاهر والباطن.

قوله (( يكفر الله ) )التكفير التغطية وهو في المعاصي كالإحباط في الطاعات. قوله (( وكان بعد ذلك ) )أي بعد حسن الإسلام القصاص وهو مقابلة الشيء بالشيء أي كل شيء يعمله يوضع في مقابلة شيء إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وهو مرفوع بأنه اسم كان وهو يحتمل أن تكون ناقصة وأن تكون تامة.

فإن قلت لم قال كان والسياق يقتضي لفظ المضارع. قلت هو لتحقيق وقوعه كأنه واقع نحو {ونادى أصحاب الجنة} .

قوله (( الحسنة ) )مبتدأ. و (( بعشر ) )خبره والجملة استئنافية قال تعالى {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} وإلى سبعمائة متعلق بمقدر؛ أي منتهيًا إلى سبعمائة فهو منصوب على الحال. قال تعالى {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء} .

فإن قلت بين في الحديث الانتهاء إلى سبعمائة و {والله يضاعف لمن يشاء} يدل على أنه قد يكون الانتهاء إلى أكثر. قلت المراد أن الله تعالى يضاعف تلك المضاعفة وهو أن يجعلها سبعمائة وهو ظاهر، وإن قلنا أن معناه أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها أيضًا فذلك في مشيئة الله، وأما المحقق فهو إلى السبعمائة ص 213 فقط.

قوله (( ضعف ) )الجوهري ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه.

فإن قلت فلم أوجب الفقيه فيما أوصى بضعف نصيب ابنه مثل نصيبه وبضعفي نصيبه ثلاثة أمثاله. قلت المعتبر في الوصايا والأقارير العرف العامي لا الموضوع اللغوي، وقد يجاب أيضًا بأنه اسم يقع على العدد بشرط أن يكون منه عدد آخر أو أكثر، فإذا قيل ضعف العشرة لزم أن يجعلها عشرين بلا خلاف؛ لأنه أول مراتب تضعيفها، ولو قال له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ضرورة الشرط المذكور كما إذا قيل هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه، وإذا لزم المزاوجة دخل في الإقرار، وعلى هذا له ضعفا درهم يتنزل على ثلاثة دراهم وليس ذلك بناءً على ما يتوهم أن ضعف الشيء موضوعه مثلاه وضعفيه موضوعه ثلاثة أمثاله بل ذلك لأن موضوعه المثل بالشرط المذكور ومن البين فيه أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله ولو كان موضوع الضعف المثلين لكان الضعفان أربعة الأمثال.

قوله (( بمثلها ) )يعني لا يزاد عليها، وهذا من فضل الله وسعة رحمته حيث جعل الحسنة كالعشر والسيئة كما هي بلا زيادة.

قوله (( إلا أن يتجاوز الله عنها ) )أي يعفو عنها، وهذا دليل لأهل السنة في أن أصحاب المعاصي لا يقطع عليهم بالنار بل ذلك في مشيئة الله تعالى خلافًا للمعتزلة حيث قطعوا بعقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة عنها.

قوله (( معمر ) )بفتح الميمين هو ابن راشد بن عروة البصري أدرك الحسن وشهد جنازته. قال الطبراني فقد معمر فلم ير له أثر.

قوله (( أحدكم ) )الخطاب فيه بحسب اللفظ وإن كان للصحابة الحاضرين لكن الحكم عام لما علم أن حكمه على الواحد حكم على الجماعة إلا بدليل ينفصل، وكذا حكم تناوله النساء وكذا فيما قال إذا أسلم المرء أو العبد فإن المراد منه الرجال والنساء جميعًا بالاتفاق، وإنما النزاع في كيفية التناول أهي حقيقة عرفية أو شرعية أو مجاز أو غير ذلك.

قوله (( فكل حسنة ) )قال في الحديث السابق الحسنة والسيئة وههنا كل حسنة وكل سيئة، ولا تفاوت بينهما من جهة المعنى إذ اللام فيهما للاستغراق، وكذا لا تفاوت في إطلاق الحسنة ثمة والتقييد ههنا بقوله يعملها إذ المطلق محمول على المقيد لأن الحسنة المنوية لا تكتب بالعشر إذ لابد من العمل حتى تكتب بها، وأما السيئة فلا اعتداد بها دون العمل أصلًا، وكذا في زيادة لفظ (( يكتب ) )هنا إذ ثمة أيضًا مقدر به لأن الجار لابد له من متعلق وهو يكتب أو يثبت ونحوهما، وقال بعض العلماء لما وصف الإسلام بالحسن فحسن الشيء زائد على ماهيته تعين أن يكون في الأعمال لأن الاعتقاد لا يقبل الزيادة.

[1] في هامش المخطوط أفرد الحافظ عبد العظيم المنذري لهذا الحديث جزءًا.

[2] في هامش المخطوط وحديث أبي طالب أنه رأى بعض أهله في شر حيبة فسأله فقال إني سقيت من هذه لعتاقي ثويبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت