قوله من يرد الله به خيرًا هذا الحديث أخرجه (خ) هنا عن سعيد، وأخرجه في الاعتصام عن إسماعيل بن أبي أويس كلاهما عن ابن وهب، وفي الخمس عن حبان بن موسى.
وأخرج (م) في الزكاة الفصلين الأولين عن خزيلة، والفصل الثالث وهو قوله ولن يزال إلى آخره عن عمر بن هاني بألفاظ، وفي خ فقال معاذ هم بالشام.
ولمسلم أيضًا (( لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ) ).
ورواه غير معاوية من الصحابة ستة عمر وابنه عبد الله وابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس، ذكرهم الخطيب في كتاب (( الفقيه والمتفقه ) ).
ورواه عن معاوية جماعة عددهم وابن عبد البر في (( جامع بيان العلم ) ).
قوله (( عن ابن شهاب قال حميد بن عبد الرحمن ) )كذا وقع هنا في جميع النسخ بلفظ (( قال ) )لم يذكر فيه لفظ السماع، وجاء في (( صحيح م ) )فيه عن ابن شهاب، حدثني حميد بلفظ التحديث (( وأثبته الدمياطي ) )نسخة هنا.
وقد اتفق أصحاب الأطراف وغيرهم على أنه من حديث ابن شهاب، عن حميد فتنبه لذلك، وقد وقع للبخاري مثل هذا في كتاب التوحيد في باب قوله عليه السلام (( رجل آتاه الله القرآن ) )فقال فيه (( ثنا ) )علي بن عبد الله، (( ثنا ) )سفيان.
قال الزهري. وذكر الحديث، ثم قال سمعت من سفيان مرارًا لم أسمعه يذكر الخبر وهو من صحيح حديثه. لكن يمكن أن يقال سفيان مدلس. فنبه عليه (خ) لأجل ذلك.
ومعاوية هو خال المؤمنين، أبو عبد الرحمن بن أبي سفيان صخر بن حرب الخليفة الأموي كاتب الوحي، أسلم عام الفتح، وعاش ثمانيًا وسبعين سنة، ومات سنة ستين في رجب. وليس في الصحابة معاوية بن صخر غيره، وفيهم معاوية فوق العشرين [1] .
ووهب هو الإمام أبو محمد عبد الله بن وهب الفهري مولاهم المصري، أحد الأعلام طلب للقضاء فختن نفسه وانقطع، وهو أفقه من ابن القاسم، روى عن يونس وابن جريج وغيرهما، وعنه أحمد بن صالح والربيع وخلق، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وولد سنة خمس وعشرين، وقيل سنة أربع وفيها مات الزهري، ولم يكتب مالك الفقيه لأحد إلا إليه.
وقال ابن أبي حاتم نظرت في نحو ثمانين ألف حديث من حديثه فلا أعلم أني رأيت حديثًا لا أصل له، وقال أحمد بن صالح حدث بمائة ألف حديث، قال الخليلي و (( موطؤه ) )يزيد على كل من روى عن مالك، وعنده الفقه الكثير، ونظر الشافعي في كتبه ونسخ منها.
ليس في الصحيحين ص 308 عبد الله بن وهب غيره فهو من أفرادهما، وفي (ت، وق) عبد الله بن وهب الأسدي تابعي، وفي الصحابة عبد الله بن وهب خمسة.
وسعيد بن عفير هو الحافظ أبو عثمان سعيد بن كثير بن عفير بالعين المهملة المضمومة ثم فاء الأنصاري المصري يروي عن مالك والليث، وعنه (خ) ، وروى (م، ن) عن رجل عنه، قال أبو حاتم صدوق وليس بالثبت، كان يقرئ من كتب الناس، عاش ثمانين سنة ومات سنة ست وعشرين ومائتين.
و (( الفقه ) )الفهم، يقال فقه بفتح القاف إذا سبق غيره إلى الفهم، وبكسرها إذا فهم، وبضمها إذا صار له سجية، ومنه فقيه فعيل بمعنى فاعل، قوله (( من يرد الله به خيرًا يفقهه ) )هو شرط وجزاؤه، مجزومان، ومن لا يريد به خيرًا فلا يفقهه فيه وأتى بالخير منكرًا؛ لأنه أبلغ، فكأنه قال على النفي لا يريد به خيرًا من الخير، والمراد (( بالدين ) )الإسلام، ومنهم من فسر الفقه في الدين بالفقه في القواعد الخمس ويتصل بها الفروع.
ومعنى قوله (( أنا قاسم ) )لم أستأثر بشيء من مال الله، وهو كقوله في الحديث الآخر (( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود عليكم ) )، وإنما قال ذلك؛ تطييبًا لنفوسهم لمفاضلته بالعطاء، فالمال لله، والعباد لله وأنا قاسم بإذنه ماله بينكم وهو معنى قوله بعده (( والله يعطي فمن قسمت له كثيرًا أو قليلًا فبعطاء الله ) )وفيه إيماء كما قال الداودي إلى أنه يعطي بالوحي، ويجوز أن يكون باجتهاده ولا يخطأ اجتهاده.
قوله (( ولن تزال هذه الأمة قائمةً إلى آخره ) )يريد أن هذه الأمة آخر الأمم وأن عليها تقوم الساعة، وإن ظهرت أشراطها، وضعف الدين فلابد أن يبقى من أمته من يقوم به، لقوله (( لا يضرهم من خالفهم ) )، والمراد بأمر الله قيل إنه الريح إذ في (( الصحيح ) )من حديث أبي هريرة مرفوعًا (( إن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان ) ).
وأما الحديث الآخر (( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله، الله ) )، وحديث (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ) )فالمراد حتى يقرب قيامها، وهو خروج الريح، وجوز الطبري أن نضمر في هذين الحديثين بموضع كذا، فالموصوفون بأنهم شرار الخلق غير الموصوفين بأنهم على الحق، ويؤيده أنه جاء في بعض طرق الحديث قيل من هم يا رسول الله؟ قال (( ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس ) ).
وقد سلف قول معاذ في (خ) أنهم بالشام، وقال مطرف كانوا يرون أنهم أهل الشام، ورواية (م) السالفة (( لا يزال أهل الغرب ) )قال ابن المديني المراد بهم العرب؛ لأنهم أهل الغرب. وهو الدلو، وقيل المراد الغرب من الأرض، وقيل المراد بهم أهل الشدة والجلد، وغرب كل شيء حده.
وفي (( الصحيح ) )أيضًا (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ) )، قال (خ) هم ص 309 أهل العلم. وقال أحمد إن لم يكونوا أهل الحديث فما أدري من هم؟
قال عياض وأراد أحمد بأهل الحديث أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهبهم.
قال النووي ويحتمل أن تكون هذه الطائفة متفرقة من أنواع المؤمنين فمن شجعان ومقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، ومنهم آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع من الخير، ولا يلزم اجتماعهم بل يكونوا متفرقين.
ويؤيد ما ذكره ما جاء في بعض الروايات (( لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون ) )وشبهه.
وقيل معنى قوله (( ولن تزال هذه الأمة .. ) )إلى آخره أن الله يحمي إجماعها عن الخطأ حتى يأتي أمر الله، ولا يسمى أمة إلا من يعتد بإجماعه.
وفيه فضل العلماء على سائر الناس، وفضل الفقه على سائر العلوم؛ لأنهم يخشونه تعالى من عباده يجتنبون معاصيه، ويديمون طاعته؛ لمعرفتهم بالوعد والوعيد وعظم النعمة، وقال ابن عمر للذي قال له فقيه إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة.
وفيه أن الإسلام لا يذل وإن كثر مطالبوه.
وفيه أن الإجماع حجة، وحديث (( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) )ضعيف.
وفيه إخباره عليه السلام بالمغيبات، وقد وقع ما أخبر به، فلم تزل هذه الطائفة من زمنه وهلم جرًا، ولا تزول حتى يأتي أمر الله.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( خطبنا ) )حال من المفعول لا من الفاعل لأنه أقرب، ولأن الخطبة تليق بالولاة، فإن قلت المسموع هو الصوت لا الشخص؟ قلت قال الزمخشري تقول سمعت رجلًا يقول كذا، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالًا عنه فأغناك عن ذكره ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد وأن يقال سمعت قول فلان.
قوله (( يرد الله ) )بضم الياء مشتق من الإرادة، وهي عند الجمهور صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وقيل أنها اعتقاد النفع والضر، وقيل ميل يتبعه الاعتقاد وهذا لا يصح في الإرادة القديمة.
قوله (( خيرًا ) )أي منفعة وهي اللذة أو ما يكون وسيلة إلى اللذة.
فإن قلت هل في تنكيره فائدة؟. قلت فائدته التعميم؛ لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي، فالمعنى من يرد الله به جميع الخيرات والتعظيم إذ المقام يقتضي ذلك نحو له صاحب عن كل أمر يشينه.
قوله (( يفقهه ) )أي يجعله فقيهًا، والفقه لغة الفهم وعرفًا العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.
فإن قلت أي المعنيين يناسب المقام. قلت المعنى اللغوي ليتناول فهم كل علم من علوم الدين، وقال الحسن البصري الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمر دينه المداوم على طاعة ربه.
قوله (( إنما أنا قاسم ) )أي أنا أقسم بينكم فألقي إلى كل واحد ما يليق به، والله تعالى يوفق من يشاء منكم لفهمه والتفكر في معناه.
قال التوربشتي [2] اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه أنه لم يفصل في قسمة ما يوحى إليه أحدًا من أمته على الآخر بل سوى في البلاغ وعدل في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم وهو واقع من طريق العطاء، ص 310 ولقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي ويسمعه آخر منهم أو من بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. تم كلامه.
فإن قلت إنما مفيد للحصر فمعناه ما أنا إلا قاسم وهذا كيف يصح وله صفات أخرى مثل كونه رسولًا ومبشرًا ونذيرًا. قلت الحصر إنما هو بالنسبة إلى اعتقاد السامع وهذا ورد في مقام كان السامع معتقدًا كونه معطيًا فلا ينفي إلا ما اعتقده السامع لا كل صفة من الصفات، وحينئذ إن اعتقد أنه معط لا قاسم فيكون من باب قصر القلب؛ أي ما أنا إلا قاسم أي لا معط، وإن اعتقد أنه قاسم ومعط أيضًا فيكون من قصر الأفراد؛ أي لا شركة في الوصفين بل أنا قاسم فقط.
قوله (( والله يعطي ) )تقديم لفظ الله عليه مفيد للتقوية عند السكاكي، ولا يحتمل التخصيص؛ أي الله يعطي لا محالة، وأما عند الزمخشري فيحتمله أيضًا، وحينئذ يكون معناه والله يعطي لا غيره.
فإن قلت هل يصح أن يكون (( والله يعطي ) )جملة حالية. قلت نعم؟
فإن قلت فما معنى الحصر حينئذ. قلت الحصر بإنما دائمًا هو في الجزء الأخير فيكون معناه ما أنا قاسم إلا في حال إعطاء الله لا في حال غيره، وأما فائدة حذف مفعول يعطي فهو جعله كالفعل اللازم إعلامًا بأن المقصود منه بيان إيجاد هذه الحقيقة؛ أي حقيقة الإعطاء لا بيان المفعول؛ أي المعطي.
قوله (( ولن تزال ) )الفرق بين زال يزال وزال يزول أن الأول من أفعال الناقصة ويلزمه النفي بخلاف الثاني.
قوله (( على أمر الله ) )أي على الدين الحق. و (( حتى يأتي أمر الله ) )أي القيامة وإنما فسرناهما بذلك؛ لأن الظاهر بحسب السياق يقتضي ذلك.
فإن قلت حتى يأتي غاية لماذا؟ قلت لقوله لن تزال.
فإن قلت حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها فيلزم منه أن يوم القيامة لا تكون هذه الأمة على الحق وهو باطل قلت ليس باطلًا إذ المراد من الدين الحق التكاليف ويوم القيامة ليس زمان التكاليف أو يقال ليس المقصود منه معنى الغاية بل هو مذكور لتأكيد التأييد نحو قوله تعالى {ما دامت السماوات والأرض} .
فإن قلت أيحتمل أن يكون غاية لقوله لا يضرهم بل هو أولى لأنه أقرب. قلت نعم، وذلك إما أن يكون معنى يأتي أمر الله تعالى بلاء الله فيضرهم حينئذ فما بعدها مخالف لما قبلها، وإما أن يكون ذكره لتأكيد عدم المضرة كأنه قال لا يضرهم من خالفهم أبدًا، وعبر عنه بقوله إلى يوم القيامة أو هو كقوله تعالى {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} يعني لا يضرهم إلا يوم القيامة ولما لم تكن المضرة يوم القيامة فكأنه قال لا يضرهم أصلًا.
فإن قلت إذا جاء الدجال مثلًا وقتلهم فقد ضرهم. قلت على تفسيره ببلاء الله ذلك ظاهر وعلى تفسيره بيوم القيامة يقال ذلك ليس مضرة إذ الشهادة أعظم المنافع من جهة الآخرة.
فإن قلت فهل جاز تنازع الفعلين في حتى فتتعلق بهما. قلت لا محذور فيه.
فإن قلت هل فرق بين حتى يأتي أمر الله وبين إلى أن يأتي أمر الله. قلت الفرق أن مجرور حتى يجب أن يكون آخر جزء من الشيء أو ما يلاقي آخر جزء منه.
قال في (( الكشاف ) )في قوله تعالى {لو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم} الفرق بينهما أن حتى مختصة بالغاية المضروبة؛ أي المعينة تقول أكلت السمكة حتى رأسها، ولو ص 311 قلت حتى نصفها أو صدرها لم يجز، وإلى عامة في كل غاية.
فإن قلت هل فيه دلالة على حجية الإجماع. قلت نعم؛ لأن مفهومه أن الحق لا يعدو الأمة، وقد استدل بعض العلماء به على امتناع خلو العصر عن المجتهد.
[1] في هامش المخطوط أقول عدهم الذهبي في (( التجريد ) )أحدًا وعشرين رجلًا.
[2] في هامش المخطوط هو أحد شراح المصابيح.