فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 3844

17 -باب {مخلقة وغير مخلقة} [الحج5]

عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إن الله تبارك وتعالى وكل بالرحم ... ) )الحديث.

هذا الحديث أخرجه في الاعتصام أيضًا، وأخرجه (م) في القدر.

وعبيد الله هذا روى عن جده أنس، وقيل روى عن أبيه عن جده، وهو ثقة صالح.

والنطفة جمعها نطف، وكل خفي نطفة، والعلقة الدم الجامد الغليظ؛ سميت بذلك لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، والمضغة قطعة لحم قدر ما يمضغه الماضغ. وفيه أن الله تعالى علم أحوال خلقه قبل خلقهم، ووقت أرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم، وأراد (خ) بهذا التبويب معنى ما روي عن علقمة إذا وقعت النطفة في الرحم قال الملك مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة مجت الرحم دمًا، وإن قال مخلقة، قال أذكر أم أنثى؟.

ويحتمل أن يكون المراد ما فسره في الحديث (( إذا أراد خلقه قال مخلقة، وإن لم يرد قال غير مخلقة ) )، ويحتمل أن يكون أراد الآية الكريمة {مضغة مخلقة وغير مخلقة} [الحج5] ، وإن لم يرد قال غير مخلقة، ويحتمل أن يكون أراد المراد بالآية أنها تكون غير مخلقة في الحالة الثانية، لم تخلق بعد ذلك، فالواو لا توجب ترتيبًا.

وغرض (خ) بهذا الباب أن الحامل لا تحيض، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحد قولي الشافعي؛ لأن اشتمال الرحم على الولد يمنع الخروج.

وقال مالك، والشافعي في أظهر قوليه أنها تحيض، وحكي عن بعض المالكية إن كان في آخر الحمل فليس بحيض.

وذكر الداودي أن الاحتياط أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم ولا يأتيها زوجها، وعن قتادة تامة أو غير تامة، وعن الشعبي النطفة والعلقة والمضغة إذا كسيت في الخلق الرابع كانت مخلقة، وإذا قذيتها قبل ذلك كانت غير مخلقة، وعن أبي العالية المخلقة الصورة وغيرها السقط.

وقام الإجماع على مصير الأمة أم ولد بما أسقطته من ولد تام الخلق، ووقع الخلاف بينهم فيمن لم يتم خلقه من العلقة والمضغة، فقال مالك والأوزاعي وجماعة تكون أم ولد بالمضغة مخلقة وغيرها، وتنقضي بها العدة.

وقال أبو حنيفة، والشافعي، وجماعة إن كان قد تبين في المضغة شيء من الخلق؛ أصبع أو عين غير ذلك فهي أم ولد، وعلى مثل هذا انقضاء العدة.

ثم اعلم أنه ثبت في (( الصحيح ) )من حديث ابن مسعود (( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا ) )الحديث.

وظاهره أن إرسال الملك بعد الأربعين الرابعة، وفي رواية (( يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ص 637 ليلة، فيقول يا رب أشقي أم سعيد؟ ) ).

وفي أخرى (( إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ) ). ورواية حذيفة بن أسيد (( إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ) ). وفي أخرى (( أن ملكًا وكل بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا يأذن له لبضع وأربعين ليلة ) ).

وجمع العلماء بين ذلك أن الملائكة لازمة ومراعية بحال النطفة في أوقاتها؛ وأنه يقول يا رب هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة في أوقاتها، وكل وقت يقول ما صارت إليه بأمر الله تعالى وهو أعلم.

واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، ووقع في رواية (خ) (( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقة مثله، ثم مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ) )فأتى فيه بثم التي هي مقتضية للتراخي في الكتب إلى ما بعد الأربعين الثالثة، والأحاديث الباقية تقتضي الكتب عقب الأربعين الأولى.

وجوابه أن قوله (( ثم يبعث إليه الملك فيؤذن فيكتب ) )معطوف على قوله (( يجمع في بطن أمه"ومتعلقًا به لا بما قبله، وهو ثم يكون مضغة ) )."

ويكون قوله (( ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله ثم يكون مضغة مثله ) )معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث وكلام العرب.

قال القاضي وغيره والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمر بها والتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول (( يا رب نطفة, يا رب علقة ) ).

وقوله في حديث أنس (( وإذا أراد الله أن يقضي خلقًا قال يا رب أذكر أم أنثى ) )لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداء كلام وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولًا بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد خلق النطفة علقة كان كذا وكذا، ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل والشقاء والسعادة، والعمل والذكورة والأنوثة أنه يظهر ذلك للملك ويأمره بإنقاذه، وكتابته، وإلا فقضاء الله وعلمه وإرادته سابق على ذلك.

قال القاضي ولم يختلف أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامسة وهذا مشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه في الأحكام في الاستلحاق ووجوب النفقات، وذلك للثقة بحركة الجنين في الجوف.

وقيل إن الحكمة في عدتها عن الوفاة بأربعة أشهر، والدخول في الخامسة تحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل، ونفخ الملك في الصورة سبب لخلق الله عنده فيها الروح والحياة؛ لأن النفخ المتعارف إنما هو إخراج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فيه، فإن قدر حدوث شيء عند ذلك النفخ، فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون معدًا عادة لا موجبًا عقلًا.

قوله (( فيكتب في بطن أمه ) )يعني أن الملك يكتب من اللوح المحفوظ، كما رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة من حديث ابن مسعود مرفوعًا (( إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه، قال أي رب، أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، ما الأثر بأي أرض تموت؟ فيقال له انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب ) ).

قال والدي رحمه الله تعالى

الجوهري مضغة مخلقة أي تامة الخلق. الزمخشري مخلقة أي مسواة ملساء من النقصان والعيب يقال خلق السواك إذا سواه وملسه وغير مخلقة أي غير مسواة.

قوله (( يا رب ) )بحذف ياء المتكلم، وفي مثله يجوز فيه يا ربي ويا رب ويا ربا وبالهاء وفقًا و (( نطفة ) )بالنصب أي جعلت أنا المني نطفة في الرحم ص 638 أو صار نطفة أو خلقت أنت نطفة وبالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هذه نطفة، (( والعلقة ) )بفتح اللام قطعة الدم الجامدة (( والمضغة ) )اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ.

فإن قلت يكون الشيء الواحد نطفة علقة مضغة، قلت هذه الأخبار الثلاثة تصدر من الملك في أوقات متعددة لا في وقت واحد، فإن قلت الخبر فائدته إعلام المخاطب مضمونه أو إعلامه بعلم المتكلم به وتسمى الأولى فائدة الخبر، والثانية لازم فائدة الخبر ولا يتصوران هنا لأن الله تعالى علام الغيوب.

قلت ذلك إذا كان الكلام واردًا على مقتضى الظاهر، وأما إذا عدل عن الظاهر فلا يلزم أحدهما كما في قوله تعالى حكاية عن أم مريم {إني وضعتها أنثى} فالغرض من الإخبار فيما نحن فيه التماس إتمام خلقته والدعاء بإفاضة الصورة الكاملة عليه أو الاستعلام من ذلك ونحوهما.

قوله (( إذا أراد ) )أي الله تعالى (( أن يقضي خلقه ) )أي يتم خلقه وجاء القضاء بمعنى الفراغ أيضًا (( قال الملك أذكر هو أم أنثى ) )قلت ذكر مبتدأ أو خبر، قلت مبتدأ وقد يخصص بثبوت أحدهما أو السؤال فيه عن التعين فصلح للابتداء به، وفي بعضها ذكرًا بالنصب أي أتريد أو أتخلق ذكرًا وكذا شقيًا وسعيدًا أو اجعل ذكرًا أو أنثى أو شقيًا أو سعيدًا.

قوله (( شقي ) )أي عاص لله (( سعيد ) )أي مطيع له، فإن قلت أم المتصلة ملزومة بهمزة الاستفهام فأين هي؟ قلت هي مقدرة ووجودها في قريتها يدل عليه.

قوله (( ما الرزق ) )أصح التعاريف له ما ينتفع العبد به (( والأجل ) )هو الزمان الذي علم الله أن الشخص يموت فيه أو مدة حياته لأنه يطلق على غاية المدة وعلى نفس المدة.

قوله (( فيكتب ) )أي الله، والظاهر أنه الملك، وفي بعضها (( فيكتب ) )بصيغة المجهول، فإن قلت الكتابة حقيقة أم مجاز عن التقدير أو الإلزام، قلت حقيقة لأنها أمر ممكن والله على كل شيء قدير أو مجاز عن التقدير.

فإن قلت التقدير أزلي لا أنه حصل في بطن أمه، قلت الحاصل في البطن تعلقه بالمحل الموجود ويسمى قدرًا وما كان في الأزل كان أمرًا عقليًا محضًا ويسمى قضاء أو مجازًا عن الإلزام، وعدم الانفكاك عنه وهو ظاهر.

فإن قلت البطن ظرف لماذا إذ ليس هو المكتوب فيه كما تقول كتبت في الدار، قلت هو المكتوب فيه والشخص هو المكتوب عليه، وقد روي أنها تكتب على الجبهة، فإن قلت ما المكتوب قلت الأمور الأربعة المذكورة.

واعلم أن هذا جامع لجميع أحوال الشخص إذ فيه بيان حال المبدأ وهو خلقه ذكرًا أو أنثى وحال المعاد وهو السعادة والشقاوة وما بينهما وهو الأجل وما يتصرف فيه وهو الرزق والخلق بفتح الخاء إشارة إلى الذكورة والأنوثة، وبضمها إلى السعادة وضدها.

فإن قلت كيف دلالته على الترجمة، قلت قال ابن بطال يمكن أن يكون أراد (خ) وذكر ما سلف في كلام ابن الملقن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت