فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
18 -باب
ثنا عبدان ثنا أبو حمزة أي بالحاء والزاي، وحديث أسماء ابنة أبي بكر قالت قدمت أمي وهي مشركة.
والبخاري بهذا الباب قصد أن يعرفك أن الصبر على المفاتن والصلة للقاطع أقطع للفتنة وأحمد عاقبةً، فكأنه قال باب الصبر على أذى الفاتنين وعاقبة الصابرين، ألا ترى أنه عليه السلام أخذ يوم الحديبية في قتال المشركين بالصبر لهم والوقوع تحت الدنية التي ظنها عمر في الدين، وكان ذلك الصبر واللين الذي فهمه الشارع عن ربه في بروك الناقة عن التوجه أفضل عاقبة في الدنيا والآخرة من القتال لهم وفتح مكة على ذلك الحنق الذي نال المسلمين من تحكمهم على رسول الله، فكان عاقبة صبره ولينه لهم أن أدخلهم الله في الإسلام، وأوجب لهم في الآخرة.
ألا ترى قوله (( لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم ) )فكيف بأهل مكة أجمعين، وهم الذين كانوا أئمة العرب وسادة الناس، وبدخولهم ص 2782 دخلت العرب في دين الله أفواجًا.
ففيه أن صلة القاطع أنجع في سياسة النفوس وأحمد عاقبة، وعلى مثل هذا المعنى دل حديث أسماء في صلة أمها وهي مشركة.
وفي حديث سهل بن حنيف الدلالة البينة أنه عليه السلام كان يدير كثيرًا من حروبه بحسب ما يحضره من الرأي مما الأغلب عنده أنه من الصواب.
وفيه الدلالة الواضحة على أن لأهل العلم الاجتهاد في النوازل في دينهم بما لا نص فيه من كتاب ولا سنة، وذلك أن الذين أنكروا الصلح يوم أبي جندل أنكروه اجتهادًا منهم، والشارع بحضرتهم يعلم ذلك من أمرهم، فلم ينههم عن القول بما أدى إليه اجتهادهم، وإن كان قد عرفهم خطأ رأيهم وصواب رأيه، ولو كان الاجتهاد خطأ كان حريًا عليه السلام أن يتقدم إليهم بالنهي عن القول بما أداه إليه اجتهادهم أشد النهي.
وفيه أيضًا أن المجتهد عند نفسه مما يدرك بالاستنباط لا تبعة عليه فيما بينه وبين الله بخطأ إن كان منه في اجتهاده إذا كان اجتهاده على أصل، وكان من أهله؛ لأنه عليه السلام لم يؤثم عمر ومن أنكر الصلح، والمعاني التي جرت بينهم في كتاب الصلح مما كان خلافًا لرأي رسول الله، وإن كانوا في ذلك مذنبين لأمرهم بالتوبة، ولكنهم كانوا على اجتهادهم مأجورين، وإن كان الصواب فيما رآه عليه السلام، وذلك نظير قوله عليه السلام (( إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ) ).
وقول عمر (( أليس قتلانا في الجنة ... ) )إلى آخره، هذه المراجعة هي التي قال فيها عمر في حديث مالك نزرت رسول الله كل ذلك لا يجيبك.
قال المهلب قوله (( اتهموا رأيكم ) )يعني في هذا القتال يعظ الفريقين؛ لأن كل فريق منهما يقاتل على رأي يراه واجتهاد يجتهده، فقال لهم سهل اتهموا رأيكم، وإنما تقاتلون في الإسلام إخوانكم برأي رأيتموه، فلو كان الرأي يقضى به لقضيت برد أبي جندل برد أمر رسول الله يوم الحديبية حين قاضى أهل مكة ليرد إليهم من فر عنهم إلى رسول الله من المسلمين، فخرج أبو جندل يستغيث يجر قيوده.
فقال سهيل والد أبي جندل هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه، فرد عليه أبا جندل ... الحديث.
وقال عمر ألسنا على الحق، وكذلك قال سهل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته.
قوله (( وضعنا سيوفنا ) )يعني ما جردناها في الله لأمر فظيع علينا إلا أسهلن بنا سيوفنا وأفضت بنا إلى السهل من أمرنا من غير هذا الأمر، يعني أمر الفتنة التي وقعت بين المسلمين في صدر الإسلام، فإنها مشكلة لم تتبين السيوف فيها الحقيقة، بل حلت المصيبة بقتل المسلمين، فنزع السيف أولى من سله في الفتنة.
قوله (( لأمر يفظعنا ) )قال ابن فارس فظع وأفظع لغتان، ومعناه لأمر شديد، والحديبية بئر، وفيها التخفيف والتشديد، وأنكر أبو جعفر النحاس التشديد، وقال لم يقل به أحد من أهل اللغة.
وقول أسماء قدمت أمي [1] مع أبيها، قال الزبير هو الحارث بن مدرك بن عبيد بن عمر بن مخزوم.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( التي ماد ) )أي المدة التي هادن فيها رسول الله وعينها للصلح بينهما، ويقال ماد الغريمان إذا اتفقا على أجل الدين، فإن قلت أين دلالته على الترجمة؟.
قلت بقية الحديث حيث قال في مدح الرسول وكذلك الرسل لا تغدر، فإن قلت هذا قول هرقل ولا حجة فيه، قلت تقدم في أواخر كتاب الإيمان وجوهًا منها أن الحديث تداولته الصحابة واستحسنوا كلامه.
قوله (( ذلك ) )أي السحر، فإن قلت الترجمة بلفظ الذمي، والسؤال بأهل العهد والجواب بأهل الكتاب، قلت المراد أهل الكتاب الذين لهم عهد وإلا فهو حربي واجب القتل والعهد والذمة بمعنى قوله (( يخيل ) )بلفظ المجهول.
فإن قلت ليس فيه ص 2783 ذكر الترجمة، قلت تتمة القصة يدل عليه قوله (( ابن زبر ) )بفتح الزاي وسكون الموحدة وبالراء الربعي بفتح الراء والموحدة وبالمهملة و (( بسر ) )بضم الموحدة وسكون المهملة، ابن عبيد الله الحضرمي و (( أبو إدريس عائذ الله ) )بالمهملة والهمزة بعد الألف وبالمعجمة.
قال ابن الأثير بكسر التحتانية بعد الألف الخولاني بفتح المعجمة وإسكان الواو وبالنون.
و (( عوف ) )بفتح المهملة وبالفاء، ابن مالك الأشجعي مات بالشام سنة ثلاث وستين قوله (( ستًا ) )أي ست علامات لقيام القيامة و (( الموتان ) )بضم الميم لغة تميم، وأما غيرهم فيفتحونها وهو الوباء وفي الأصل هو موت يقع في الماشية، واستعماله في الإنسان تنبيه على وقوعه فيهم ووقوعه في الماشية فإنها تسلب سلبًا سريعًا، وكان ذلك في طاعون عمواس زمن عمر مات منه سبعون ألفًا في ثلاثة أيام.
و (( القعاص ) )بضم القاف وخفة المهملة وبالمهملة صادًا أو سينًا، داء يأخذ الغنم فلا يلبثها أن تموت، وقيل هو الهلاك المعجل و (( الاستفاضة ) )من فاض الماء والدمع وغيرهما إذا كثر و (( يظل ساخطًا ) )أي يبقى ساخطًا استقلالًا للمبلغ وتحقيرًا منه.
و (( الهدنة ) )بضم الهاء الصلح، وللإمام أن يهادن قومًا من الكفار على أن لا يغزوهم مدة من الزمان و (( بنو الأصفر ) )الروم و (( الغاية ) )بالتحتانية الراية وبالموحدة الأجمة، وشبه كثرة رماح العسكر بها فاستعيرت لها يعني يأتون قريبًا من ألف ألف رجل.
قوله (( حميد ) )بضم المهملة، ابن عبد الرحمن بن عوف مر الحديث في باب ما يستر من العورة و (( الحج الأصغر ) )هو العمرة و (( نبذ ) )أي العهد.
قوله (( عبد الله بن مرة ) )بضم الميم وشدة الراء، مر مع الحديث في باب علامات المنافق.
و (( محمد بن كثير ) )ضد القليل و (( عائر ) )بالمهملة وبالهمز، و (( أبو موسى ) )هو محمد بن المثنى و (( إسحاق بن سعيد ) )بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي الكوفي.
قوله (( لم تجتنبوا ) )أي لم تأخذوا على وجه الخراج و (( المصدوق ) )أي الذي لم يقل له إلا الصدق يعني أن جبريل مثلًا لم يخبره إلا بالصدق أو المصدق بلفظ المفعول و (( انتهاك الحرمة ) )تناولها بما لا يحل.
قوله (( أبو حمزة ) )بالمهملة والزاي محمد بن ميمون السكري و (( صفين ) )بكسر المهملة وشدة الفاء، اسم موضع على الفرات وقع فيه الحرب بين علي ومعاوية وهو غير منصرف و (( سهل بن حنيف ) )بضم المهملة وفتح النون وسكون التحتانية.
قوله (( اتهموا ) )وذلك أن سهلًا كان يتهم بالتقصير في القتال فقال اتهموا رأيكم فإني لا أقصر وما كنت مقصرًا وقت الحاجة كما في يوم الحديبية فإني رأيت نفسي يومئذ بحيث لو قدرت على مخالفة حكم رسول الله لقاتلت قتالًا لا مزيد عليه، لكن أتوقف اليوم عن القتال لمصلحة المسلمين.
و (( أبو جندل ) )بفتح الجيم وسكون النون وفتح المهملة، اسمه العاص بن سهيل، فإن قلت لم نسب اليوم إليه ولم يقل يوم الحديبية قلت لأن رده إلى المشركين كان شاقًا على المسلمين، وكان ذلك أعظم عليهم من سائر ما جرى عليهم من الأمور، وفيه قال عمر فعلام نعطي الدنية؟ بوزن الفعيلة أي النقيصة والخطة الخسيسة أي لم نرد أبا جندل إليهم ونقاتل معهم ولا نرضى بهذا الصلح.
قوله (( يفظعنا ) )بإعجام الطاء أي يخوفنا ويشق علينا و (( أسهلن ) )أي السيوف ملتبسة بنا منتهية إلى أمر عرفنا حاله وماله إلا هذا الأمر الذي نحن فيه من المقاتلة التي تجري بين المسلمين فإنه لا يسهل بنا ولا ينتهي.
قوله (( يزيد ) )من الزيادة و (( عبد العزيز بن سياه ) )بكسر المهملة وخفة التحتانية وبالهاء وصلًا ووقفًا منصرفًا وغير منصرف، والأصح الانصراف و (( حبيب ) )ضد العدو التابعي و (( سورة الفتح ) ) {إنا فتحنا لك} و (( هو فتح ) )أي صلح الحديبية فتح.
قال النووي أراد بها تصبير الناس على الصلح وإعلامهم بأنه يرجى فيما بعده مصيره إلى الخير وإن كان ظاهره في الابتداء مما تكرهه النفوس ص 2784 كما كان صلح الحديبية، وإنما قال سهل هذا القول حين ظهر من أصحاب علي كراهة التحكيم فأعلمهم بما جرى يوم الحديبية من كراهة أكثر الناس الصلح ومع هذا فأعقب خيرًا عظيمًا فقهرهم النبي صلى الله عليه وسلم على الصلح مع أن رأيهم كان مناجزة أهل مكة بالقتال.
قال ولم يكن سؤال عمر وكلامه المذكور شكًا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه وفيه فضيلة أبي بكر رضي الله عنه.
قوله (( حاتم ) )بالمهملة وكسر التحتانية، واسم أمها قيلة بفتح القاف وسكون التحتانية، وأبوها اسمه عبد العزى، و (( أسماء وعائشة ) )أختان من جهة الأب فقط و (( مدتهم ) )أي المدة التي كانت معينة للصلح بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم و (( راغبة ) )أي في أن تأخذ مني بعض المال، مر الحديث بلطائف في الهبة في باب الهدية للمشركين.
الزركشي
(( ثم موتان ) )بفتح الميم وسكون الواو الموت، قاله القزاز، وقال غيره بضم الميم وفتحها اسم الطاعون، وعند ابن السكن ثم موتتان، ولا معنى له.
(( العقاص ) )بالضم داء يأخذ الغنم، وقيل الموت فجأة.
(( الهدنة ) )الصلح.
(( فيغدرون ) )بكسر الدال.
و (( الغاية ) )بمثناة تحت الراية، وأصل ألفها ياء، ومن رواها بالموحدة أراد به الأجمة، فشبه كثرة رماح العسكر بها، وقال الخطابي هي القصبة، فاستعيرت الرايات للرفع وشبه ما يشرح معها من الرماح.
(( باب كيف ينبذ ) )
(( النبذ ) )إرسال الإمام رسولًا وشاهدين إلى أهل العهد، وقيل رسولين إليهم بالعهد، والسواء العدل.
(( ومن والى قومًا بغير إذن مواليه ) )قال الداودي في غير هذا الموضع (( من تولى ) )وهو المحفوظ؛ لأنه نهى عن بيع الولاء وهبته.
(( تنتهك حرمة الله ) )أي يتناول ما لا يحل، يريد أنهم متى ما ظلموا منعوا ما في أيديهم وأفسدوا وحاربوا الله وأعادوا الفتنة.
(( يوم أبي جندل ) )أي يوم الحديبية.
(( فلو أستطيع أن أرد رأي النبي صلى الله عليه وسلم لرددته ) )يقول لا تعولوا على الرأي، فالرأي يخطئ ويصيب، فإنه رام مخالفة أمره في الصلح اتكالًا على العقل إذ ذاك ثم علم بعد أنه كان الصواب.
(( لأمر يفظعنا ) )أي يثقل علينا ويشق، قال ابن فارس فظع وأفظع لغتان.
(( إلا أسهلن بنا ) )الضمير للأسياف، أي أدنينا إلى أمر سهل.
(( مع أبيها ) )هو الحارث بن مدرك بن عبيد بن عمرو بن مخزوم، قاله الزبير.
(( إن أمي قدمت علي وهي راغبة ) )أي طامعة مني شيئًا، وروي بالميم خارج الصحيح؛ أي مشركة، وقيل كارهة، وقيل هاربة، وقيل راغبة عن الإسلام كارهة له، وهو نصب على الحال، ويجوز رفعه على خبر مبتدأ محذوف، ثم اختلف، فقيل كانت أم أسماء من الرضاعة، وقيل بل أمها التي ولدتها، وقيل قيلة بنت عبد العزى، وهي قرشية، وهي أم عبد الله بن أبي بكر أيضًا، فأما أم عائشة وعبد الرحمن فأم رومان وأم محمد أسماء بنت عميس. انتهى كلام الزركشي.
أقول قوله (( قد صنع له ذلك ) )هو لبيد بن الأعصم، وأعانته زينب أخت مرحب اليهودية قيل كان يخيل إليه وطء زوجاته وليس بواطئ، ويروى أنه يخيل إليه أنه يظهر له من نشاط على عادته فإذا دنا لم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحورين.
وقال عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر قال حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة سنة، والسحر إنما سلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه واعتقاده وعقله لحبسه عن وطئ نسائه وطعامه وأضعف جسمه وأمرضه.
[1] في هامش المخطوط (( هي قيلة بنت عبد العزى بن عبد بن أسعد بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر كذا نسبها ابن سعد ) )