فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
47 -باب قول الله تعالى {وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} [الإسراء85]
قوله بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره هذا الحديث أخرجه هنا، وأخرجه في التوحيد عن موسى بن إسماعيل، وفي التفسير عن عمر بن حفص، وفي الاعتصام في باب ما يكره من السؤال، وفي التوحيد أيضًا عن يحيى، وأخرجه (م) في الرقاق عن عمر بن حفص.
وسلف تعريف رواته خلا شيخ (خ) قيس بن حفص بن القعقاع الدارمي، وعنه أبو زرعة وغيره وهو شيخ لا بأس به، وانفرد به (خ) عن باقي الستة، وليس في مشايخه من اسمه قيس سواه. مات سنة سبع وعشرين ومائتين.
قوله (( خرب ) )بالخاء المعجمة المكسورة وفتح الراء وعكسه والباء في آخره. قال القاضي كذا رواه (خ) هنا، ورواه في غير هذا الموضع حرث بالحاء المهملة والثاء المثلثة، وكذا رواه (م) في جميع طرقه وصوبه بعضهم.
والعسيب جريد النخل، وهو عود قضبان يكشطون خوصها ويتخذونه عصيا، والمعنى معتمد على جريدة نخل. وكانوا يكتبون في طريقة العريض منه، ومنه قوله فجعلت أتتبعه في العسب، يعني القرآن.
قوله (( لا تسألوه، لا يجيء بشيء تكرهونه ) )يجوز فيه النصب على معنى لا تسألوه إرادة أن لا يجيء فيه، و (( لا ) )زائدة، وهذا ماش على مذهب الكوفيين، والجزم على الجواب تقديره أن لا تسألوه لا يجيء منه بشيء، فالأول سبب للثاني، وجوز بعضهم الرفع على العطف.
و (( الروح ) )، يذكر ويؤنث واختلف هل الروح والنفس واحد أم لا؟ والروح جاء في القرآن على معان. قال تعالى {نزل به الروح الأمين} [الشعراء193] وقال {تنزل الملائكة والروح فيها} [القدر4] وقال {روحًا من أمرنا} [الشورى52] ص 413 وقال {يوم يقوم الروح} [النبأ38] .
وسؤالهم عن روح بني آدم؛ لأن في التوراة أنه لا يعلمه إلا الله، فقالوا إن فسرها فليس بنبي؛ ولذلك لم يجبهم، وقال القاضي وغيره اختلف المفسرون في الروح المسئول عنها. فقيل سألوه عن عيسى فقال لهم الروح من أمر الله لا كما تقوله النصارى، وكان ابن عباس يكتم تفسيره.
وعنه وعن علي هو ملك من الملائكة يقوم صفًا وتقوم الملائكة صفًا قال تعالى {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} [النبأ38] وقيل جبريل، وقيل القرآن؛ لقوله تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا} [الشورى52]
وقال أبو صالح هو خلق كخلق بني آدم ليسوا ببني آدم لهم أيد وأرجل. وقيل طائفة من الخلق لا ينزل ملك إلى الأرض إلا نزل معه أحدهم. وقيل ملك له أحد عشر ألف جناح، وألف وجه، يسبح الله إلى يوم القيامة.
وقيل علم الله أن الأصلح لهم أن لا يخبرهم ما هو؛ لأن اليهود قالوا إن فسر الروح فليس بنبي، وهذا معنى قوله لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقد جاءهم ذلك؛ لأن عندهم في التوراة كما ذكر لهم أنه من أمر الله لن يطلع عليه أحد.
وذكر ابن إسحاق أن نفرًا من اليهود قالوا يا محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن، وذكر الحديث، وفيه فقالوا يا محمد، أخبرنا عن الروح قال (( أنشدكم بالله هل تعلمون جبريل، وهو الذي يأتيني؟ ) )قالوا اللهم نعم، ذلك يا محمد لنا عدو، وهو ملك يأتي بالشدة وبسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك، فأنزل الله تعالى {قل من كان عدوا لجبريل} [البقرة97] وهذا يدل على أن سؤالهم عن الروح الذي هو جبريل كما قال بعضهم.
قال أكثر العلماء وليس في الآية دليل على أن الروح لا تعلم، ولا عليه السلام لم يكن يعلمها.
فرع أما روح بني آدم فالكلام عليه مما يدق كما قال المازري، وقد أفرد بتآليف، وأشهرها ما قاله الأشعري إنه النفس الداخل والخارج، وقال القاضي أبو بكر هو متردد بين ما قاله الأشعري وبين الحياة.
وقيل جسم مشارك الأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة. وقيل جسم لطيف خلقه الله تعالى، وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده، فإذا شاء الله موته أعدم هذا الجسم منه عند إعدام الحياة، وهذا الجسم وإن كان حيا فلا يحيا إلا بحياة تختص به، وهو مما يصح عليه البلوغ إلى جسم ما من الجسم، وبكونه في مكان في العالم، أو في حواصل طير خضر إلى غير ذلك مما وقع في الظواهر إلى غيره من جواهر القلب، والجسم الحياة. وقيل إنه الدم، وذكر بعضهم فيه سبعين قولًا.
قوله (( وما أوتوا ) )كذا جاء في هذه الرواية، وبينه (خ) بقول الأعمش هي كذا في قراءتنا، وكذا هو في أكثر نسخ (خ) و (م) ، واختلف المحدثون فيما وقع من ذلك، فذهب بعضهم إلى إصلاحه على الصواب؛ لأنه إنما قصد به الاستدلال على ما سيق (( بسببه ) )ولا حجة إلا في الثابت في المصحف.
وقال قوم تترك على حالها وينبه عليها؛ لأن من البعيد خفاء ذلك على المؤلف، ومن نقل عنه ولعلها قرئت شاذة. ووهاه القاضي نعم لا يحتج به في حكم ولا يقرأ به في صلاة.
قال واختلف أصحاب الأصول فيما نقل آحادًا ومنه القراءة الشاذة كمصحف ابن مسعود وغيره، هل هو حجة أم لا؟ فنفاه الشافعي وأثبته أبو حنيفة وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين كما نقل عن مصحف بن مسعود من قراءة (( ثلاثة أيام متتابعات ) )وبقول الشافعي ص 414 قال الجمهور، واستدلوا له بأن الراوي له إن ذكره على أنه قرآن فخطأ، وإلا فهو متردد بين أن يكون خبرًا أو مذهبًا له، فلا يكون حجة بالاحتمال، ولا خبرًا؛ لأن الخبر ما صرح به الراوي فيه بالتحديث، فيحمل على أنه مذهب له.
وقال أبو حنيفة إذا لم يثبت كونه قرآنًا، فلا أقل من أن يكون خبرًا، وجوابه أن الراوي لم يأت بها على وجه الخبر.
قال المهلب هذا يدل على أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيًا ولا غيره، أراد تعالى أن يختبر بها خلقه فيوقفهم على العجز عن علم ما لا يدركون حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه، ألا تسمع إلى قوله تعالى {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة255] فعلم الروح مما لم يشأ الله تعالى اطلاع أحد من خلقه عليه.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( عسيب ) )بفتح المهملة والسين المهملة. الجوهري هو من السعف ما لم ينبت عليه الخوص وما نبت عليه الخوص فهو السعف. قوله (( منفر ) )النفر بالتحريك عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، والنفير وكذلك النفر والنفرة بالإسكان.
قوله (( اليهود ) )هذا اللفظ مع اللام ودون اللام معرفة والمراد به اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء النسبة كما قالوا زنجي وزنج للفرق بين المفرد والجماعة. قوله (( لا يجيء ) )بالرفع استئناف، والمعنى على الجزم أيضًا صحيح يعني أن لا تسألوه لا يجيء بمكروه.
قوله (( لنسألنه ) )جواب القسم المحذوف (( ويا بالقسم ) )حذف الهمزة من الأب تخفيفًا (( وسكت ) )أي رسول الله صلى الله عليه وسلم و (( فقمت ) )أي حتى لا أكون مشوشًا له و (( انجلى ) )أي انكشف الوحي أي أثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو انجلى رسول الله عن أثره.
قوله (( الروح ) )الأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من [أمر] الله أي مما استأثر بعلمه، وقيل غير ذلك، ومعنى (( من أمر ربي ) )من وحيه وكلامه ليس من كلام البشر (( وما أوتيتم ) )الخطاب عام، وقيل خطاب لليهود خاصة و (( إلا قليلًا ) )استثناء من العلم؛ أي إلا علمًا قليلًا أو من الإيتاء؛ أي إلا إيتاء قليلًا أو من الضمير أي إلا قليلًا منكم.
قوله (( هكذا ) )أي أوتو بصيغة الغائب أو القراءة المشهورة أوتيتم بصيغة الخطاب.
أقول قوله (( لا تسلوه ) )لا يجيء قال أبو القاسم ابن الأثرش يجوز في يجيء ثلاثة أوجه النصب على إرادة أن والتقدير أن لا تجيء ولا في نية الزيادة نحو ما منعك أن لا تسجد، ويجوز الجزم على الجواب والتقدير أن لا تسلوه لا يجيء فالأول سبب للثاني، ويجوز الرفع على الاستئناف والتقدير أن لا يجيء فيه بشيء تكرهونه.