فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 3844

عن أبي هريرة قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي الحديث. هذا الأعرابي لم يحضرني اسمه، تأخيره عليه السلام جواب السائل إلى أن قضى حديثه يحتمل؛ لأنه قد شرع في جواب سائل سأله متقدم فكان أحق بتمامه ص 264 ولو قطعه قد لا يحصل للسائل فائدة جوابه أو كانت الحاجة إليه أمس فخاف فوته.

ومعنى (( وسد الأمر إلى غير أهله ) )أي تولاه غير أهل الدين والأمانة ومن يعينهم على الظلم والفجور، وعند ذلك يكون الأئمة قد ضيعوا الأمانة التي فرض الله عليهم حتى يؤتمن الخائن ويستخون الآمن، وهذا إنما يكون عند غلبة الجهل وضعف أهل الحق عن القيام به.

وفيه من الأحكام

أن من آداب المتعلم أن لا يسأل العالم مادام مشتغلًا بحديث أو غيره؛ لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتى يتمه.

وفيه الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل؛ لأنه عليه السلام لم يوبخه على سؤاله قبل إكمال حديثه.

وفيه وجوب تعليم السائل والمتعلم؛ لقوله عليه السلام (( أين السائل؟ ) )ثم أخبره عن الذي سأل عنه.

وفيه مراجعة العالم عند عدم فهم السائل لقوله كيف إضاعتها؟

وفيه جواز اتساع العالم في الجواب، وأن يبقي منه إذا كان ذلك لمعنى.

قال والدي رحمه الله تعالى

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة

قوله (( الدين ) )إلى آخره في محل النصب بأنه مقول القول ولم تكرر اللام في عامتهم لأنهم كالأتباع للأئمة لا استقلال لهم وإعادة اللام يدل على هذا الحديث ذكره (خ) تعليقًا ورواه (م) عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( الدين النصيحة ) )الحديث وليس بتميم في هذا الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في صحيح (م) غير هذا الحديث وهو من أفراد (م) .

فإن قلت الحديث لا يدل على الترجمة. قلت يدل على بعضها المستلزم للبعض الآخر إذ النصح لأخيه المسلم لكونه مسلمًا إنما هو فرع الإيمان بالله ورسوله.

الخطابي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النصيحة للمسلمين شرطًا في الذين يبايع عليه كالصلاة والزكاة فلذلك نراه قرنها بها.

قال ابن بطال في هذا الحديث أن النصيحة تسمى دينًا وإسلامًا، وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول قال وهي فرض كفاية يجري فيه من قام به ويسقط عن الباقين وهي لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل بصحة ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أدى فهو في نفقة، وقيل ولا يكون الرجل ناصحًا لله ولرسوله وللمسلمين إلا من بدأ بالنصيحة بنفسه واجتهد في طلب العلم ليعرف ما يجب عليه.

قوله (( سمعت جريرًا ) )فإن قلت ما وجهه إذ جرير دأب والمسموع هو الصوب والحرف فقط، ثم القيام لا دخل له في أمر السماع، ولو قال سمعت جريرًا حمد الله لكان صحيحًا. قلت لفظ حمد الله مقدر بعده، وتقديره سمعت جريرًا حمد الله، والمذكور بعده مفسر له.

فإن قلت ما محل قام قلت استئناف قال الزمخشري في قوله تعالى {سمعنا مناديًا} يقول سمعت رجلًا يتكلم بتوقع الفعل على الرجل، ويحذف المسموع لأنك وصفته بما سمع أو جعلته حالًا عنه فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد وأن يقال سمعت كلامه.

قوله (( فحمد الله ) )أي أثنى عليه بالجميل، وأثنى عليه أي ذكره بالخير ويحتمل أن يراد بالحمد وصفه متحليًا بالكمالات، والثناء وصفه ص 265 متخليًا عن النقائص فالأول إشارة إلى الصفات الوجودية، والثاني إلى الصفات العدمية؛ أي التنزيهات.

قوله (( عليكم باتقاء الله ) )أي الزموا أتقاه وهو اسم من أسماء الأفعال ووحده منصوب على الحالية وإن كان معرفة؛ لأنه تأول إما بأنه في معنى واحد وإما بأنه مصدر وحد يحدو وحدًا نحو وعد يعد وعدًا.

قوله (( الوقار ) )بفتح الواو الحلم والدراية والسكينة بفتح السين السكون والدعة وباتقاء الله إشارة إلى ما يتعلق بمصالح الدين والوقار والسكينة إلى ما يتعلق بمصالح الدنيا، وإنما نصحهم بالحلم والسكون لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى التنبيه والاضطراب بين اليأس وذكر الاتقاء لأنه ملاك الأمر ورأس كل خير.

قوله (( حتى يأتيكم أمير ) )أي بدل هذا الأمير الذي مات. فإن قلت مقتضى لفظ حتى أن لا يكون بعد إتيان الأمير الاتقاء والوقار والسكون؛ لأن حكم ما بعدها خلاف ما قبلها. قلت لا نسلم أن حكمه خلاف ما قبله سلمنا لكن غاية الأمر بالاتقاء للأمور الثلاثة ادعائه للوقار والسكون لا للاتقاء ادعائه للثلاث، وبعد الغاية بمعنى عند إبيان الأمر يلزم ذلك بالطريق الأولى، وهذا مبني على قاعدة أصولية وهي أن شرط اعتبار مفهوم المخالفة فقدان مفهوم المواقعة فإذا أجمعا تقدم المفهوم الموافق على المخالف.

قوله (( فإنما تأتيكم ) )أي أمروا لأن إما أن يريد به حقيقة فيكون ذلك الأمر جريرًا بنفسه لما روي أن المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته، وقيل ابنه عروة بن المغيرة أو يريد به المدة القريبة من الآن فيكون ذلك الأمر زيادًا إذ ولاه معاوية بعد وفاته الكوفة.

قوله (( استغفروا ) )وفي بعض الروايات استعفوا أي اسألوا الله لأمركم العفو فإنه كان يجب العفو عن ذنوب الناس أو يعامل بالشخص كما هو يعامل بالناس، وفي المثل كما تدين تدان.

قال ابن بطال جعل الوسيلة إلى عفو الله بالدعاء بأغلب حلال الخير عليه وما كان بحبه في حياته، وكذلك يجري كل أحد يوم القيامة بأحسن أخلاقه وأعماله.

قوله قلت يترك الواو العاطفة لأنه إما يدل عن أبيت أو استئناف ويشرط علي هو بتشديد التاء على أصح الروايات، ولفظ والنصح مجرور؛ لأنه عطف على الإسلام، ومثله يسمى بالعطف التلقيني معنى لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطف، والنصح على الإسلام، وذلك كقوله تعالى {إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي} ، وفي بعضها والنصح بالنصب عطفًا على مقدر؛ أي شرط الإسلام والنصح، وفيه أن البيعة سنة وفيه دليل على كمال شفقة الرسول لأمته وقد تقدم معنى النصيحة.

قوله (( على هذا ) )أي على المذكور من الإسلام والنصح كلهما والمراد من المسجد مسجد الكوفة وذكر المسجد للتنبيه على شرف مكان القاسم وموضع النصيحة ليكون أقرب إلى القبول.

قوله أي لناصح فيه إشارة إلى أنه وفا بما بايع به النبي صلى الله عليه وسلم وإن كلامه صادق خالص من الإعراض الفاسد، قول يزل أي من المفسر أو معناه أنه فسد؛ لأنه في مقابله قام فحمد الله.

قال والدي رحمه الله تعالى

كتاب العلم إنما قدم هذا الكتاب على سائر الكتب التي بعده لأن مدار تلك الكتب كلها على العلم. فإن قلت فلم لم يقدم على كتاب الإيمان. قلت لأن الإيمان أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها وكيف لا وهو مبدأ كل خير علمًا وعملًا ومنشأ كل كمال دقا وجلا، وأما تقديم كتاب الوحي فلتوقف معرفة الإيمان وجميع ما يتعلق بالدين عليه.

قوله (( درجات ) )منصوب بأنه مفعول يرفع ص 266 ورفعه الدرجات عبارة عن الفضل إذ المراد منه كثرة الثواب، وكذا طلب زيادة العلم يدل على فضله إذ لولا فضله لما أمر الله بطلبه بقوله {قل رب زدني علمًا} .

فإن قلت هذا هو ترجمة الباب فأين ما هذا ترجمته إذ لم يذكر فيه حديثًا أصلًا فصلًا عما يدل على المترجم عليه. قلت قال بعض السامعين بوب (خ) الأبواب وذكر التراجم وكان يلحق بالتدريج إليها الأحاديث المناسبة لها فلم يتفق له أن يلحق إلى هذا الباب ونحوه شيئًا منها إما لأنه لم يثبت عنده حديث يناسبه بشرطه أو لأمر آخر، وقال بعض أهل العراق ترجم ولم يذكر شيئًا فيه قصدًا منه ليعلم أنه لم يثبت في ذلك الباب شيء عنده.

فإن قلت فما يقول فيما يترجم بعد هذا بباب فضل العلم وينقل فيه حديثًا يدل على فضل العلم. قلت المقصود بذلك الفضل غير هذا الفضل إذ ذاك بمعنى الفضلة؛ أي الزيادة في العلم وهذا يعني كثرة الثواب عليه ويجيء تحقيقه إن شاء الله تعالى.

قال والدي رحمه الله تعالى

(( باب من سئل ) )بضم السين (( وهو مشتغل في حديثه ) )جملة حالية عن مفعول ما لم يسم فاعله، وقال (( فأتم ) )بالفاء. (( ثم ) )أجاب بثم لأن الإتمام حصل عقيب الاشتغال بخلاف الإجابة.

قوله (( بينما ) )أصله بين فزيدت عليه (( ما ) )وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة والأفصح في جوابه أن يكون فيه إذ وإذا، وقال الأصمعي لا يستفصح إلا طرحهما وقيل أنه ظرف متضمن لمعنى الشرط فلذلك اقتضى جوابًا، والعالم فيه الجواب إذا كان مجردًا عن كلمة المفاجأة، وإلا فمعنى المفاجأة ومعنى الحديث جاء أعرابي وقت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

قوله (( يحدث ) )خبر المبتدأ وحذف مفعولاه الأخيران و (( القوم ) )هم الرجال دون النساء قال تعالى {لا يسخر قوم من قوم} ثم قال {ولا نساء من نساء} .

وقد يدخل النساء فيه على سبيل التبع؛ لأن قوم كل نبي رجال ونساء وجمعه أقوام وجمع الجمع أقاوم، والعرب هو الجيل المعروف من الناس والنسبة إليهم عربي وهم أهل الأمصار، والأعراب منهم سكان البادية خاصةً والنسبة إليهم أعرابي؛ لأنه لا واحد له وليس الأعراب جمعًا للعرب.

قوله (( متى الساعة ) )أي يوم القيامة.

قوله (( يحدث ) )أي يحدث القوم وفي بعض الروايات بحديثه بحرف الجر. و (( سمع ) )أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما قال ) )الأعرابي (( فكره ) )سؤاله ولهذا لم يلتفت إلى الجواب.

قوله (( حتى إذا قضى ) )متعلق بقوله قضى يحدثه لا بقوله لم يسمع، ولفظ فقال إلى هنا جملة معترضة بالفاء وذلك جائز كما مر بيانه.

فإن قلت علام عطف (( بل لم يسمع ) )إذ لا يصح أن يعطف على ما تقدم إذ الإضراب إنما يكون عن كلام نفسه بل لا يصلح عطف أصلًا على كلام غير العاطف. قلت لا نسلم امتناع صحة العاطف والإضراب بين كلام المتكلمين، وأما الدليل عليه سلمنا لكن يكون الكل عن كلام البعض الأول على طريقة عطف التلقين كأنه قال البعض الآخر للبعض الأول قل بل لم يسمع أو من كلام البعض الآخر بأن يقدر لفظ سمع قبله كأنه قال سمع بل لم يسمع.

قوله (( أين السائل عن الساعة ) )أي عن زمان الساعة، وفي بعض النسخ (( أين أراه السائل ) )وأراه بضم الهمزة أي أظن وهو من كلام الراوي أي أظن أنه قال أين السائل.

قوله (( ها أنا ) )فأنا مبتدأ وخبره محذوف وهو السائل وها حرف التنبيه.

الجوهري وها قد تكون جواب النداء يمد ويقصر وها أيضًا مقصور للتقريب؛ إذا قيل لك أين أنت ص 267 فتقول هاأنا. فإن قلت لم ترك العاطف عند ذكر ألفاظ قال سؤالًا وجوابًا. قلت لأن المقام كان مقام المقاولة والراوي يحكي ذلك كأنه قال الأعرابي ذلك سأل سائل ماذا قال رسول الله في جوابه بالعكس، وفي بعض النسخ فقال كيف إضاعتها بالفاء والباقي بلا فاء، وذلك لأن السؤال عن كيفية الإضاعة متفرع على ما قبله فلهذا عقبه بالفاء بخلاف أخواته.

قوله (( إذا وسد الأمر ) )يقال وسدته الشيء فتوسده أي جعله تحت رأسه؛ أي فوض الأمر، والمراد من الأمر جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والقضاء والإفتاء ونحوه، وكان حقه أن يقال لغير أهله فأتى بكلمة إلى ليدل على تضمين معنى الإسناد.

فإن قلت هل يجوز تأخير الجواب عن السؤال فيما يتعلق بالدين. قلت المسألة ليست مما يجب تعلمها بل هي مما لا يكون العلم بها إلا الله تعالى ولئن سلمنا فلعل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتغلًا به كان أهم منها، أو لعله أخره انتظارًا للوحي أراد أن يتمم حديثه لئلا يختلط على السامعين، أو أراد تعليم فوائد منها

أنه يجب على القاضي والمدرس والمفتي تقديم الأسبق، ومنها أن من أدب التعليم أن لا يسأل العالم مادام مشتغلًا بحديث أو غيره؛ لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتى يتمه.

وفيه الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه عن سؤاله قبل إكمال حديثه.

وفيه مراجعة العالم إذا لم يفهم السائل لقوله كيف إضاعتها.

فإن قلت السؤال إنما هو عن كيفية الإضاعة لقوله كيف والجواب هو بالزمان لا بيان الكيفية فما وجهه. قلت ذلك متضمن للجواب إذ يلزم منه بيان أن كيفيتها هي بالتوسد المذكور.

فإن قلت إذا ههنا هل تتضمن معنى المجازاة أم لا. قلت الظاهر لا والفاء في فانتظر الساعة للتفريع أي جواب شرط محذوف يعني إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة.

قال ابن بطال وفيه وجوب تعليم السائل، وقال معنى إذا وسد الأمر إلى غير أهله أن الأئمة قد ائتمنهم الله تعالى على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم فينبغي لهم توليه أهل الدين والأمانة النظر في أمور الأمة فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي فرض الله تعالى عليهم، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (( لا تقوم الساعة حتى يؤتمن الخائن ) )، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهال وضعف أهل الحق عن القيام به ونصرته نعوذ بالله مما نحن فيه من ذلك.

قال الزركشي وسند؛ أي جعل له عبر أهله وسدًا فيكون أن بمعنى اللام، ورواه القابسي أوسد بهمزة في أوله، ورواه (خ) في باب رفع الأمانة أواخر الكتاب إذا أسند الأمر.

أقول قال الإمام العلامة أبو بكر بن العربي في كتابه (( الأحوذي شرح الترمذي ) )أدخل أبو داود حديث أبي الدرداء (( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة ) )وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطلب العلم، وأن العالم يشفع له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحوت في الماء.

قال وحديث أبي الدرداء له علتان عظميتان إحداهما أنه يرويه عاصم بن رجاء بن حيوة، واختلف عنه فرواه أبو نعيم عن عاصم بن رجاء عن من حدثه عن كثير بن قيس، ورواه أبو داود فقال فيه عن عاصم عن داود بن جميل عن كثير بن قيس، وداود مجهول ومن يقال مجهولون ضعفاء، وقد رواه الأوزاعي عن كثير بن قيس عن يزيد بن سمرة عن أبي الدرداء وفي هذا ما لا يخفى لأنهما علتان جهالة واختلاف، وحديث الأعمش فيه مرة عن أبي صالح ومرة حديث عن أبي صالح فتارة قطعه وتارة وصله، وقد أدخل (خ) أمثاله ثم قال الفوائد

1 لا خلاف ص 268 أن طريق العلم طريق إلى الجبر بل أوضح الطرق إليها.

2 قوله (( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ) )فيه على أربعة أقوال

1 يتجاشع لعلمه وفضله.

2 الرفق به.

3 يقف عنده ولا يتجاوزه ولا يحركها إلى غيره؛ لأنها طالبة للخير ائدا جادا وجديه لرمته.

4 معناه يحمله عليها فينال مطلوبه تفسير الله على يدها.

3 استغفار الحيوان في البحر له فقيل إنه حقيقة وإنها مسخرة لذلك من الله تعالى لا لمعنى كأن من طلبه العلم إليها، وقد يتنافى غير موضع استغفار الحيوان والجماد حقيقة أو مجاز، وقيل إنه مجاز كما في قوله من بنى لله مسجدًا، ولو قيل مفحص قطاة ولا يتصور مسجد على ذلك القدر ولكنه ضرب المثل فيها على تقدير الوجود لا على الحقيقة انتهى.

أقول أذكر هنا فوائد سريعة في فضيلة العلم [1] من القرآن العزيز والتوراة والإنجيل والزبور ومن الأخبار والآثار، فاقتصرت من القرآن على عشرة

1 قوله تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وقال في آية أخرى {رضي الله عنهم ورضوا عنهم ذلك لمن خشي ربه} فعلم من الاثنين أن الجنة معدة للعلماء.

2 قوله تعالى {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ومثله قوله تعالى {وما يستوي الأعمى والبصير} الآية.

3 قوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة} وجه الاستدلال أن الله تعالى لما أراد خلق آدم عليه السلام قالت الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها} الآية. أفحمهم بالعلم، وقال {إني أعلم ما لا تعلمون} فلما خلق آدم علمه الأسماء {ثم عرضهم على الملائكة} الآية.

وهذا دليل عظيم على فضيلة العلم وعلى أنه ليس شيء أشرف منه ولو كان لأظهر فضيلة آدم بذلك، فإن الله تعالى كان يريد إفحام الملائكة وإظهار فائدة خلق آدم وفضله فحيث أنه لم يظهر فضل آدم إلا بالعلم فعلم أنه أشرف الأشياء وهذا ظاهر.

4 قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام {يا أيها الناس علمنا منطق الطير} فخر سليمان يعلم منطق الطير مع أن حكمه كان جاريًا على الجن والإنس والطير والوحوش والريح، مع أن علم منطق الطير ليس إلا معرفة معاني أصوات الطيور، فمعناه أن هذا المقدار من العلم خير من ذلك المقدار العظيم من الملك الذي هو الحكم على الجن والإنس وغيرهما فلو لم يكن هذا المقدار من العلم خيرًا من ذلك الملك العظيم لما فخر بهذا ولم يذكر ذلك.

5 قوله تعالى {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا} الحكمة في القرآن وردت لأربع معان

1 وردت بمعنى الموعظة كما في سورة البقرة {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة} يعني مواعظ القرآن، وفي سورة النساء {وأنزل عليك الكتاب والحكمة} يعني الموعظة ومثلها في آل عمران [2] .

2 وقد وردت بمعنى الفهم والعلم كما في سورة مريم {وآتيناه الحكم صبيًا} أي الفهم والعلم، وفي سورة لقمان {ولقد آتينا لقمان الحكمة} يعني الفهم والعلم.

3 وردت بمعنى النبوة كما في سورة النساء قال {ولقد آتينا إبراهيم الكتاب والحكمة} يعني النبوة، وفي سورة البقرة {وآتاه الله الملك والحكمة} أي النبوة.

4 وردت بمعنى البيان ص 269 والقرآن، فإذا علمت الوجوه الأربعة اعلم أن الله تعالى أعطى عباده قليلًا من العلم لقوله {وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} ويصيب واحد من الخلق هو قليل من قليل ومع ذلك سماه خيرًا كثيرًا لقوله {ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا} وقال عن الدنيا بأسرها {قل متاع الدنيا قليل} فحينئذ علم أن قليل العلم خير من حمله متاع الدنيا، فإذا كان بمقدار العلم القليل هذا فكيف بالكثير منه.

6 قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ذهب بعض المحققين من أهل التفسير أن أولي الأمر هم العلماء؛ لأن سيف السلطان بايع لقلم المفتي حيث أمر بإمضائه إمضاءه بخلاف قلم المفتي فإنه ليس تابعًا لسيف السلطان بوجه من الوجوه.

7 قوله تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} معناه أن الله تعالى ذكر في القرآن الدرجات لأربعة للمؤمن الخائف قال {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} إلى قوله {لهم درجات عند ربهم} ، وللمجاهد قال {وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة} ، وللرجل الصالح قال {ومن يأته مؤمنًا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات} ، وللعلماء حيث قال {والذين أوتوا العلم درجات} وإذا تأمل النظر في الأقسام الثلاثة إذا لم يكن مع أحدها العلم لا يحصل له الدرجات بل الأصل في كلها العلم، فالطاعات والأعمال والأقوال وكل أمر لا يكون مصدره العلم يكون ضارًا لا نافعًا.

وكل الحيوانات إنما انقادت للإنسان ليغرسها فيه زيادة كمال عليها، وفي الحيوانات تتفاوت مراتبها بحسب تفاوت إدراكاتها للجزئيات حتى أن صيد المعلم حلال، وغير المعلم حرام بسبب جهله بل أبلغ من ذلك أن المعقول بضغطه الكلب المعلم حلال ومقتول الآدمي الجاهل والكافر حرام، فإذا كان العلم يصير سببًا لسرف الكلب الذي هو نجس العين على الإنسان الذي هو طاهر العين في حالتيه فكيف لا في غيره.

8 قوله {قل رب زدني علمًا} وجه الدليل أن الله تعالى أمر محمدًا صلى الله عليه وسلم مع كمال ذاته الشريفة بطلب زيادة العلم وأمر موسى عليه السلام بعد أن أولاه تسع معجزات بقوله {ولقد آتينا موسى تسع آيات} بالتعلم من الحضر والسفر إليه، وعلم أيضًا من هذا أن مرتبة العلم لا نهاية لها ولا يعلم نهايته إلا الله تعالى.

9 قوله تعالى {وعلمك ما لم تكن تعلم} وجه الدليل أن الله تعالى أنعم على نبيه صلى الله عليه وسلم نعمًا جزيلة غزيرة لا تعد ولم يمن عليه بشيء إلا بالعلم حيث قال {وعلمتك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا} وهذا دليل واضح على أنه ليس شيء أشرف من العلم وإلا لمن عليه بذلك لا بالعلم.

10 قوله تعالى {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم} قال الغزالي في هذه الآية فانظر كيف بدأ بنفسه وثنى بملائكته وثلث بأهل العلم وناهيك بهذا شرفًا وفضلًا وجلالة ونبلًا، وهو كما قال قدس الله نفسه.

أما الدليل من التوراة فإنه قال فيها يا موسى عظم الحكم فإني ما أجعل الحكمة في قلب إلا وأردت أن أغفر له، فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال كرامتي في الدنيا ص 270 والآخرة.

وأما من الإنجيل ففي السفر الثاني ويل لمن سمع بالعلم ولم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار، اطلبوا العلم وتعلموه ولا تقولوا نخاف أن نعلم ولا نعمل به، ولكن قولوا نرجوا أن نعلم فنعمل به، والعلم يشفع لصاحبه وحق على الله أن لا يخزيه يقول الله يا معشر العلماء ما ظنكم بربكم فيقولون ظننا أن ترحمنا وتغفر لنا فيقول إني استودعتكم حكمتي لا لشر أردت بكم بل الخير أردت بكم ادخلوا جنتي برحمتي.

وأما من الزبور ففيه يا داود إذا رأيت عاقلًا تكن له خادمًا فقل لأحبار بني إسرائيل جابوا الأتقياء فإن لم يجدوا تقيًا، فجابوا العلماء فإن لم يجدوا علمًا، فجابوا العقلاء فإن التقى والعلم والعقل ثلاث مراتب ما جعلت واحدة في أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه.

فإن قيل يلزم من ذلك فضيلة التقوى على العلم لتقديمه عليه قلنا إذا لم يكن العلم لا يمكن التقوى لأنه إذا لم يعلم أن هذا مما يتقي منه شرعًا كيف يتقيه فحينئذ تبين احتياجه إلى العلم وكذلك إلى العقل أيضًا فطوبى لمن رزقها جعلنا الله منهم.

وأما الدليل على فضيلة العلم من الأحبار فهو كثير لكن اقتصرنا على عشرة منها

1 قوله عليه السلام (( تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة ) )وذلك لأن التفكر عمل القلب والروح، والعبادة عمل الجوارح والأركان، ولا شك أن القلب والروح أفضل من الجوارح والأركان، وأيضًا التفكر بدون طاعة ربما أنه ينجيه مثلًا كأنه استدل بدلائل عقلية على وحدانية الله تعالى وعلم النبوة وتوفي في الحال من غير عمل جارحة لا شك أنه ناج باتفاق العلماء بخلاف العابد بدون علم وتعرفه للواجبات وغيرها لا يكون أبدًا سببًا لنجاته فتيقن أن التفكر أفضل من الطاعة.

2 قوله عليه السلام لعلي رضي الله عنه (( لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك مما تطلع عليه الشمس ) ).

3 قوله عليه السلام (( العلماء ورثة الأنبياء ) )ومن المعلوم أن لا مرتبة أشرف من النبوة ولا شرف أعلى من وراثتهم.

4 قوله عليه السلام (( يستغفر للعالم ما في السموات والأرض ) )أي فضله يكون أعلى من أن يكون شخص مشغول في أمره والملائكة في السماء تستغفر له وفي الأرض.

5 قوله عليه السلام (( أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل ) ).

6 قوله عليه السلام (( لموت قبيلة أيسر من موت عالم ) ).

7 قوله عليه السلام (( أوحى الله تعالى إلى إبراهيم يا إبراهيم إني عليم أحب كل عالم ) ).

8 قوله عليه السلام (( إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى الله تعالى فلا بورك في طلوع شمس ذلك اليوم ) ).

9 قوله عليه السلام (( فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ) ).

10 يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء. ص 271

ومن الآثار كثيرة أيضًا اقتصرنا على عشرة منها

1 قول علي كرم الله وجهه لكميل يا كميل العلم خير لك من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والعلم حاكم والمال محكوم عليه والمال ينقصه النفقة والعلم يتركز على الإنفاق.

فإن قيل إنا وإنما نرى العلماء على باب أرباب الأموال وقليلًا نرى ذا مال على باب عالم لطلب العلم فلو كان العلم أفضل كان العكس أولى قلنا قد سئل عن هذا بعض الحكماء فقال لأن العلماء عارفون قدر المال لا جرم يطلبونه، وأما أصحاب المال لا يعلمون مقدار العلم فلهذا لا يطلبونه ولو علموا قدره لكانوا أحرى بالطلب.

ويمكن أن يقال ولأن العلماء فعلوا ما لا يليق بحالهم فساء اعتقاد الناس بهم فلو أنهم مع علمهم ساروا سيرة العلماء السابقين وصانوا أنفسهم عما لا يليق بهم لازدحم أرباب المال على أبوابهم كما قيل ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس تعظمًا.

2 قول علي عليه السلام العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه، وقال أيضًا نظمًا

~الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء

~ما الفصل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أذلاء

~ودون كل امرء ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء

~ففز به لا تكونن جاهلًا أبدًا الناس موتى وأهل العلم أحياء

أقول قال بعض العلماء إطلاق الموت على الناس والحياة على العلماء مع حياتها حسًا لأن الغرض من الحياة الشعور بالمحسوسات الظاهرة والباطنة التي تحس وتدرك بالمشاعر الخمسة الباطنة والخمسة الظاهرة، فالعالم لا أشك أنه ذو شعور بما يقال مثلًا، والجاهل إذا سئل عن مسألة مثلًا ليس له بها علم ولا شعور فكأنه ميت لفقدانه الشعور مما قيل له انتهى.

3 قول أبي الأسود الدئلي ليس شيء أعز من العلم لأن الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك.

4 قول فتح الموصلي أليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت، قالوا بلى قال كذلك القلب إذا منع الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت، وكلام الفتح هو من فتح الله عليه وهو كلام عظيم وذلك لأن العلم والحكمة غذاء الروح والقلب وحياته بذلك فكما أن الجسد إذا منع عن الطعام والشراب يموت كذلك القلب إذا منع من الحكمة مات.

5 قول عمر رضي الله عنه أيها الناس عليكم بالعلم فإن فيه رداء يحبه فمن طلب بابًا من العلم رداه الله تعالى بردائه فإن أذنب ذنبًا استعتبه، فإن أذنب ذنبًا استعتبه [3] لئلا يسلبه رداءه ذلك وإن تطاول به ذلك الذنب حتى يموت.

6 قول ابن عباس رضي الله عنه نذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها، وروي هذا الحديث بعينه عن أبي هريرة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما.

7 قول الشافعي رضي الله عنه من شرف العلم أن كل من نسب إليه ولو في شيء حقير فرح ومن دفع عنه حزن.

8 قول الحسن رضي الله عنه يوزن مداد العلماء بدم الشهداء. ص 272

9 قول لقمان لابنه يا بني عليك بالعلم فإنك إن افتقرت كان لك مالًا وإن استغنيت كان لك جمالًا.

10 قول الحكماء ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم وأي شيء فاته من أدرك العلم.

وأما الدلائل العقلية فأيضًا كثيرة فاقتصرنا منها على أربعة على فضيلة العلم

الدليل الأول فضيلة كل شيء في كماله كما أن فضيلة البصر في كمال قوة الباصرة والأذن في كمال قوة السامعة وقوة البدن في كمال قوة الباطشة إلى غير ذلك من الحواس، فإذا علمت هذه المقدمة اعلم أن الإنسان مركب من جوهرين روح وجسد وكمال الجسد بأن يكون فيه الروح، وكمال الروح بأن يكون فيه العلم والحكمة، ولهذا ذكر الله تعالى في القرآن المجيد وسمى العلم روحًا في قوله تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا} وإذا كان أشرف أجزاء الإنسان الروح وكمال الروح بالحكمة فكمال البشر بالعلم والحكمة.

2 فضيلة الحيوان على الجماد هو بالإدراك لأن الحيوان مشارك للجماد في الجسم ويمتاز عنه بالحياة الذي هو سبب صحة العلم والإدراك وإذا كان الحيوان له علم بالمحسوسات والجماد ليس له قوة إدراك به لا جرم فضل الحيوان الجماد، وفضل بعض الحيوان بعضًا يتفاضل الإدراك فكل من كان إدراكه من الحيوان أكبر كان أشرف مثلًا الحيوان الذي له الباصرة أفضل من الحيوان الذي ليس له الباصرة كالعقرب، والإنسان وإن كان مشاركًا للحيوان في إدراك الجزئيات والكليات، فلكل إله الإدراك فلهذا فضل الإنسان جميع الحيوان وهذا دليل قاطع على أن العلم أفضل جميع الأشياء.

أقول فإن قلت قد يدرك الرضيع من الحيوانات نحو الفرس والحمار وغيرهما حر النار وإحراقه فهرب منه ولا تقرب، وإذا قرب من شيء لا يسقط فيه ويهرب منه وإذا أتى إلى جنب موضع عال كجبل أو سطح لا يسقط منه ويخاف منه وينحيه إلى غير ذلك من الأشياء بخلاف الرضيع من بني آدم فإنه لا يحس بشيء من هذه الأشياء تتقرب إلى النار وقد يقتص على الخمر والسمعة، ويلقي نفسه من مصطبة وموضع عال ويلقي نفسه في بئر وغيرها.

فيلزم من هذا فضيلة الحيوان البهيم على الإنسان الكريم، قلنا فضائل بني آدم وإدراكاتهم وإحساسهم للمدركات والمحسوسات إنما هي على سبيل التدريج والترقي فكلما علا سنه زاد له قوة وفهم وحس لم يكن قبل ذلك إلى بلوغ كماله، وهذا دليل كرامته وفضله بخلاف باقي الحيوانات، فإن إدراكاتها للأمور الجزئية دفعية لا تتزايد كالإنسان شيئًا فشيئًا وشيئًا فشيئًا، فإنه لا فرق بين إدراك الحيوان الذي له سنة من العمر ومن عاش عشر سنين فإنهما بالسواء مما استدل به العلامة هو عليه لا له فليتأمل انتهى.

3 فضيلة غير العنب على العنب ليس إلا بوجدان وفقدان بعض من الإدراك الحسي فكل من كان له القوة العاقلة أكمل كان أفضل وأشرف وبيان ص 273 الإدراك العقلي أكمل من الإدراك الحسي من وجوه منها أن القوة الحسية لا تدرك نفسها ولا آله نفسها والقوة العاقلة تدرك نفسها وتدرك إدراك نفسها إلى غير ذلك من الأدلة المذكورة في الكتب العقلية.

4 اعلم أن الفضيلة مشتق من الفضل وهو الزيادة فلو اشترك شيئان في أمر واختص أحدهما لمزيد يقال فضله وله الفضل كما يقال الفرس أفضل من الحمار وإن اشتركا في حمل الأثقال والرحال، والرحال و ... الفرس بقوة الكر والفر وشدة العدو وبحسن الصورة فإذا هن ذلك علم أن العلم فضيلة إن كان بالإضافة إلى الحيوانات بل شدة العدو فضيلة في الفرس وليس فضيلة على الإطلاق، والعلم فضيلة في ذاته على الإطلاق من غير إضافة لأنه أشرف صفة من صفات الله تعالى بل اتفق العقلاء أن هذه الصفة لا بد للألوهية وشرف الأنبياء والملائكة به بل الفرس الذكي خير من الحمار الغبي، فالعلم فضيلة على الإطلاق من غير إضافة.

وأما الدليل على فضيلة التعلم فمن القرآن في قوله تعالى {فلولا نفر من كل قرية منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} الآية، وقوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ومن الأخبار قوله عليه السلام (( من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله تعالى من النار فلينظر إلى صور المتعلمين فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب عالم إلا كتب الله بكل قدم عبادة ستين سنة وهي له بكل قدم بيتًا في الجنة ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له ويصبح مغفورًا له وشهدت الملائكة كلهم بأنهم عتقاء الله من النار ) )وقوله عليه السلام (( من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله طريقًا إلى الجنة ) ).

وقوله عليه السلام (( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع ) )وقوله عليه السلام (( لأن يعدو فيعلم بابًا من العلم خير من أن يصلي مائة ركعة ) )، وقوله عليه السلام (( باب من العلم يتعلمه الرجل خير له من الدنيا ) )وقوله (( طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ) )وقوله عليه السلام (( العلم خزائن مفاتيحها السؤال فاسألوا فإنه يؤجر به أربعة السائل والعالم والمستمع والمحب لهم ) ).

وقوله عليه السلام (( لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله، ولا للعالم أن يسكت عن علمه ) )، وقوله عليه السلام (( من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء في الدرجة درجة واحدة ) ).

وأما من الآثار قول ابن عباس رضي الله عنهما ذللت طالبًا فعززت مطلوبًا، وقول أبي الدرداء رضي الله عنه لأن العلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة، وقوله أيضًا العالم والمتعلم شريكان في الخير وسائر الناس همج لا خير فيهم، وقوله رضي الله عنه كن عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًا ولا تكن الخامس فتهلك، وقوله أيضًا من رأى أن العدو إلى العلم ليس بجهاد فقد نقص في ذاته وعقله، وقول ابن المبارك رحمه الله عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكر.

وقول الشافعي رضي الله عنه طلب العلم أفضل من النافلة، وقول ابن عبد الحكم كنت عند مالك أقرأ عليه العلم فدخل وقت الظهر فجمعت الكتب لأصلي فقال يا هذا ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا صحت النية.

وقول بعض الحكماء إني لا أرحم رجلًا كرحمتي لأحد رجلين رجل يطلب العلم ولا يفهم ورجل ص 274 يفهم العلم ولا يطلب، ولم أر في عيوب الناس شيئًا كنقص القادرين على التمام.

فصل

في فضيلة التعليم فمن الآيات قوله تعالى {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} وقوله {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لنبيننه للناس ولا يكتمونه} وقوله {وإن فريقًا ليكتمون الحق وهم يعلمون} وهذا دليل على تحريم الكتمان كما في كتمان الشهادة {قال ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وقوله تعالى {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا} وقوله تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} وقوله تعالى {ويعلمهم الكتاب والحكمة} ومن الأخبار قوله عليه السلام (( ما أتى الله عالمًا علمًا إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ من النبيين أن يبينه ولا يكتمه ) ).

وقوله عليه السلام (( من تعلم بابًا من العلم ليعلم الناس أعطي ثواب سبعين نبيًا صديقًا ) )وقوله عليه السلام (( إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى للعابدين المجاهدين ادخلوا الجنة فيقول العلماء بفضل علمنا تعبدوا وجاهدوا فيقول الله تعالى أنتم عندي كبعض ملائكتي اشفعوا تشفعوا فتشفعون ثم تدخلون الجنة ) ).

وقوله عليه السلام (( من علم علمًا فكتمه ألجمه الله تعالى يوم القيامة بلجام من نار ) )وقوله عليه السلام (( إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير ) )وقوله عليه السلام (( ما أفاد المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه ) ).

وقوله (( لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفق منه سرًا وجهرًا ) )وقوله عليه السلام (( على خلفائي رحمة الله قيل من خلفائك قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله ) )وقول عيسى عليه السلام (( من علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات ) ).

وأما الآثار قول عمر رضي الله عنه من حدث بحديث وعمل به فله مثل أجر ذلك العمل، وقول سفيان الثوري حين دخل عسقلان ومكث زمانًا ولم يسأله إنسان أكثروا لي لأخرج من هذا البلد هذا بلد يموت فيه العلم.

وقول عطاء دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي فقلت ما يبكيك فقال ليس أحد يسألني عن شيء، وقول الحسن رضي الله عنه لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم معناه أن العلماء يخرجون الناس من خير البهيمية ويدرجونهم في حد الإنسانية.

وقول يحيى بن معاذ العلماء أرحم بأمة محمد من آبائهم وأمهاتهم قيل كيف ذلك قال لأن أبائهم وأمهاتهم يحفظونهم من ثأر الدنيا وهم يحفظونهم من نار الآخرة، وقول بعض العلماء العلماء شرح الأزمنة كل واحد مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره، وقول بعضهم أول العلم ص 275 الصمت ثم الإسماع ثم الحفظ ثم العمل ثم نشره.

فصل

في حقيقة العلم وأن تصوره هل هو كسبي أو بديهي ومن أي مقولة هو من المقولات العشر، اختلف العلماء في ذلك مطابقة قالت أنه من مقولة المضاف مطابقة أنه من مقولة أن ينفعل، والشيخ أبو علي كلامه مضطرب في هذا الموضع فقال تارة أنه أمر عدمي، وفسره بالتجرد عن المادة، وفي موضع آخر هي صفة وجودي، وفي موضع آخر أنه صفة ذات إضافة، وفي موضع آخر أنه محض إضافة. انتهى كلام العلامة قطب الدين الشيرازي.

[1] فضيلة العلم من كلام العلامة قطب الدين الشيرازي شيخ شيخ والدي رحمه الله تعالى.

[2] في هامش المخطوط أقول والحكم والحكمة متقاربان في المعنى.

[3] فإن أذنب ذنبًا استعتبه مكررة في المخطوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت