فيه حديث ابن عمر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر، صاعًا من تمر، الحديث.
(( قال عبد الله فجعل الناس عدله مدين من حنطة ) )والذي عدل بذلك هو معاوية كما ستعلمه في الباب بعده لا كبار الصحابة كما قاله ابن بطال.
وقال ابن عبد البر إن عمر هو فاعل ذلك، فكان إذ ذاك الصحابة متوافرين، ولا يجوز عليهم الغلط في مثل ذلك، ولم يقل به معاوية في كل بر، وإنما قاله في سمراء الشام؛ لما فيها من الريع، كما نبه عليه القاضي، وأخذ به أبو حنيفة والثوري وجماعة من السلف من الصحابة والتابعين أنه يخرج نصف صاع بر؛ لأحاديث فيه ضعيفة، وأنكرها مالك.
وذهب الجمهور إلى إخراج صاع كامل فيه، ولهذا قال أبو سعيد أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه، وممن ذهب إليه الحسن البصري ص 1542 وأبو العالية وجابر بن زيد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
فرع يتعين عندنا غالب قوت البلد، وقيل قوته، وقيل يتخير بين الأوقات لظاهر (( أو ) )المذكورة، وأجاب الأول بأنها للتنويع كما في قوله تعالى {أن يقتلوا أو يصلبوا} الآية [المائدة33] ، ويجزئ الأعلى عن الأدنى، والاعتبار بزيادة الاقتيات لا القيمة في الأصح، وكان صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلا التمر؛ لأنه غالب قوت البلد، ولا يجزئ ببلدنا مصر إلا البر؛ لأنه غالب قوتهم.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( صاع من تمر ) )وفي بعضها (( صاعًا ) )بالنصب على أنه خبر كان محذوفًا أو هو مذكور على سبيل الحكاية مما في الحديث.
قوله (( الناس ) )أي معاوية و (( عدله ) )بفتح العين وروي بكسرها.
قال الأخفش العدل بالكسر المثل، وبالفتح مصدر عدلته بهذا. وقال الفراء بالفتح ما عادل الشيء من غير جنسه وبالكسر المثل.
قوله (( السمراء ) )أي الحنطة ومجيئها رخصها وكثرتها و (( من هذا ) )أي من هذا الحب يعدل مدين من سائر الحبوب.
واحتج أبو حنيفة به فلم يوجب من الحنطة صاعًا بل نصفه، ويبطله أول الحديث وهو (( صاعًا من الطعام ) )لأنه في عرف أهل الحجاز اسم للحنطة خاصة فهو صريح في أن الواجب منه صاع بالتمام، وكيف لا وقد عدد أصناف الأقوات التي كانوا يقتاتونها؟ فلا بد من ذكر البر الذي هو أفضل أقواتهم، ولا سيما حيث عطف عليه بحرف (( أو ) )الفاصلة، وأيضًا أوجب عن كل نوع صاعًا فدل على أن المعتبر هو الصاع ولا نظر إلى قيمته، ثم إن معاوية صرح بأنه رأيه، فلا يعارض النص، فلا يكون أيضًا حجة على غيره.
الخطابي فيه أن جميع ما يخرج من أنواع الحبوب صاع تام؛ لأن غالب أقواتهم التمر والشعير فأمروا بإخراج صاع كامل منه، فمن كان قوته البر فقياسه أن لا يجزئه أقل منه.
وفيه أن القيم لا يجوز إخراجها عنها؛ لأنه ذكر أشياء مختلفة القيم والتعديل بينها متعذر، فدل أن المراد بها أعيانها لا قيمتها.
قال ابن بطال لم يختلف العلماء أن الطعام المذكور في الحديث هو البر، وقال اعتبار القيمة لا وجه له لأن قيمة التمر والشعير تختلف أيضًا ولم ينظر إلى ذلك، واعتبر المقدار فكذلك البر.