فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 3844

قوله (( من توضأ نحو وضوئي ) )إلى آخره، هذا الحديث رواه (م) أيضًا، و (د، ن) في (( سننهما ) )وكرره (خ) بعد وفي الصوم، وتعريف رجاله غير من سلف، أما راويه عثمان فهو ثالث الخلفاء ذو النورين أبو عمرو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أمه أروى بنت عمة رسول صلى الله عليه وسلم، وهو أصغر من النبي صلى الله عليه وسلم، روى مائة حديث ونيف، وكثر المال في زمنه حتى أبيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف درهم، ذبح صبرًا في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين عن نيف وثمانين سنة، وليس في الصحابة من اسمه عثمان بن عفان غيره، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.

وفي (ت) (( لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان ) ). وبويع له بالخلافة بعد ثلاثة أيام من دفن عمر غرة المحرم سنة أربع وعشرين.

وحمران هو ابن أبان. وقيل ابن أبا. وقيل أبي، مدني، قرشي مولاهم، كان من سبي عين التمر، وكان كاتب عثمان وحاجبه، وولي نيسابور زمن الحجاج، ذكره (خ) في (( ضعفائه ) )واحتج به في (( صحيحه ) ). وكذا (م) والباقون.

قال ابن سعد كان كثير الحديث لم أرهم يحتجون بحديثه. مات سنة خمس وسبعين. أغرمه الحجاج مائة ألف؛ لأجل الولاية السالفة ثم رد عليه ذلك بشفاعة عبد الملك، وعطاء بن يزيد ليثي تابعي سلف.

قوله (( أفرغ ) )أي قلب وصب؛ لأجل الغسل، و (( الاستنثار ) )طلب دفع الماء؛ للخروج من الأنف، مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف. قال الخطابي هي الأنف.

ومنهم من جعله جذب الماء إلى الأنف وهو الاستنشاق، والصواب الأول، ويدل له حديث عثمان الآتي ثم تمضمض واستنشق واستنثر؛ فجمع بينهما وذلك يقتضي التغاير، ومنهم من قال سمي جذب الماء استنشاقًا بأول الفعل واستنثارًا بآخره.

فرع يكون الاستنثار باليسرى.

و (( المرفق ) )بفتح الميم وكسر الفاء وعكسه لغتان، والمراد به موصل الذراع في العضد، وفيه جواز الاستعانة في إحضار الماء وهو إجماع من غير كراهة.

وفيه الإفراغ على اليدين معًا، وجاء في رواية أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما. وهو قدر مشترك بين غسلهما معًا مجموعتين أو متفرقتين، وقد سلف ذكر التسمية.

وفيه التثليث في غسل الكفين، وهو إجماع.

وفيه استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء.

وفيه جواز إدخال اليدين الإناء بعد غسلهما، وأنه لا يفتقر إلى نية الاغتراف.

وفيه الترتيب بين غسل اليدين والمضمضمة؛ لأجل الفاء المقتضية للتعقيب، والأصح عند أصحابنا أن ذلك على وجه الاشتراط، وكذا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق أيضًا، والمضمضة أصلها مشعر بالتحريك، ومنه مضمض النعاس في عينه إذا تحرك، واستعمل في المضمضمة؛ لتحريك الماء في الفم، والأصح عند أصحابنا أنه لا يشترط الإدارة ولا المج.

ولم يذكر في هذه الرواية ص 467 الاستنشاق وذكرها بعد ذلك، وجمهور العلماء على أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء.

وفيه غسل الوجه، وأصله من المواجهة، وحده ما بين منابت رأسه غالبًا ومنتهى لحييه وما بين أذنيه، وفيه تثليث غسل الوجه، والإجماع قائم على سنيته.

ثم هنا للترتيب بين المسنون والمفروض، وهما المضمضة وغسل الوجه، وبعضهم رأى الترتيب في المفروض دون المسنون كما سلف، وهو مذهب مالك، واختلف أصحاب مالك في الترتيب في الوضوء على ثلاثة أقوال الوجوب، والندب وهو المشهور عندهم، والاستحباب.

ومذهب الشافعية وجوبه، وخالف المزني فقال لا يجب، واختاره ابن المنذر والبندنيجي، وحكاه البغوي عن أكثر العلماء. قال إمام الحرمين لم ينقل أحد قط أنه عليه السلام نكس وضوءه فاطرد الكتاب والسنة على وجوب الترتيب.

والمراد بالمرفق هنا موصل الذراع في العضد، لكن اختلف قول الشافعي هل هو اسم لإبرة الذراع أو لمجموع عظم رأس العضد مع الإبرة على قولين.

واختلف العلماء في وجوب إدخال المرفقين في الغسل على قولين، فذهب الأئمة الأربعة والجمهور على الوجوب، وذهب زفر وأبو بكر بن داود إلى عدم الوجوب، ورواه أشهب، عن مالك، وزيفه القاضي عبد الوهاب، وتثليث غسل اليدين الإجماع قائم على أنه سنة [1] .

وظاهر الحديث استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن اسم الرأس حقيقة في العضو، لكن الاستيعاب هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ فيه قولان للعلماء، ومذهب الشافعي أن الواجب ما يقع عليه الاسم ولو بعض شعره [2] ، ومشهور مذهب مالك وأحمد أن الواجب مسح الجميع. ومشهور مذهب أبي حنيفة أن الواجب ربع الرأس.

ولم يذكر في الحديث هنا تثليث المسح، وقد ذكرت حديثًا في أول الوضوء، والمسألة خلافية، والمشهور عن الشافعي أنها كغيرها في الاستحباب خلافًا للأئمة الثلاثة.

وفيه التصريح بغسل الرجلين، وفيه رد على من أوجب المسح، وفيه استحباب التثليث في غسل الرجلين، وبعضهم لا يراه، وإنما قال عليه السلام (( نحو وضوئي ) ). ولم يقل مثله؛ لأن حقيقة مماثلته عليه السلام لا يقدر عليها غيره، كذا قاله النووي في شرح (م) ، لكن صح لفظة (( مثل ) )أيضًا، أخرجه (خ) في كتاب الرقاق.

وفيه استحباب ركعتين بعد الوضوء، ويفعل كل وقت حتى وقت النهي عند الشافعية، خلافًا للمالكية قالوا وليست هذه من السنن.

قالوا وحديث بلال في (خ) أنه كان متى توضأ صلى. وقال إنه أرجى عمل له يجوز أن يخص بغير وقت النهي.

وفيه إثبات حديث النفس، وهو مذهب أهل الحق، ثم حديث النفس قسمان ما يهجم عليها ويتعذر دفعه عنها، وما يسترسل معها ويمكن قطعه، فيحمل الحديث عليه دون الأول؛ لعسر اعتباره. ولفظ الحديث بقوله (( لا يحدث ) )فإنه يشهد له بتكسب وتفعل لحديث النفس؛ لأن الخواطر التي ليست من جنس مقدور العبد معفو عنها؛ فمن حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، ولا يكون ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه.

نعم، لابد أن تكون الحالة المرتب عليها الثواب المخصوص ممكنة الحصول، وهي التجرد عن شواغل الدنيا، وغلبة ذكر الله تعالى على القلب وتعميره به، وذلك حاصل لأهل العناية.

وحديث النفس يعم الخواطر الدنيوية والأخروية، والحديث محمول على المعلق بالدنيا فقط، وقد جاء في غير (( الصحيح ) ) (( لا يحدث فيها نفسه بشيء من الدنيا، ثم دعا إلا استجيب له ) )ذكرها الحكيم الترمذي في كتاب (( الصلاة ) )تأليفه، والمراد بالغفران الصغائر دون الكبائر، فإن الكبائر تكفر بالتوبة وفضل الكريم واسع.

قال البخاري وعن إبراهيم ص 468 قال صالح بن كيسان إلى آخره هذا الحديث علقه (خ) كما ترى وأسنده (م) عن زهير عن يعقوب بن إبراهيم عن صالح به [3] .

قال أبو نعيم الحافظ لم يذكر شيخه (خ) فيه، ولا أدري هو معقب لحديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري نفسه أو أخرجه عن إبراهيم بلا سماع.

وإبراهيم هذا هو ابن سعد السالف، وباقي له رواته سلف التعريف بهم خلا عروة، وهو ابن الزبير القرشي الأسدي المدني روى عن أبويه، وخالته، وعلي، وخلائق. وعنه أولاده عبد الله، وعثمان، وهشام، ويحيى، ومحمد، والزهري وخلق.

قال ابن سعد كان فقيهًا عالمًا كثير الحديث ثبتًا مأمونًا. قال هشام صام أبي الدهر، ومات وهو صائم. مات قبيل المائة أو إحدى ومائة، ومن صالح إلى عثمان كلهم تابعيون مدنيون، وفيه طرفة أخرى وهي رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن صالحًا أكبر سنا من الزهري.

قوله (( آية ) )هو بالياء ومد الألف؛ أي لولا أن الله تعالى أوجب على من علم إبلاغه لما كنت حريصًا على تبليغكم. ووقع للناجي بالنون يعني لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله ما حدثتكم؛ لئلا تتكلوا.

ويعضده ما في (( الموطأ ) )قال مالك أراه يريد هذه الآية {أقم الصلاة طرفي النهار} الآية [هود114] ، ومعنى إحسان الوضوء الإتيان به تاما بصفته وآدابه. ومعنى يصليها حتى يفرغ منها.

وفيه وجوب تبليغ العالم ما عنده من العلم وبثه للناس؛ لأن الله تعالى توعد من كتمه باللعن من الله وعباده، وأخذ الميثاق على العلماء {لتبيننه للناس} [آل عمران187] الآية، وإن كانت هذه الآية نزلت في أهل الكتاب فقد دخل فيها كل من علم علمًا تعبد الله العباد بمعرفته ولزمه من بثه وتبليغه ما لزم أهل الكتاب من ذلك؛ لأن فيها تنبيهًا وتحذيرًا لمن فعل فعلهم وسلك سبيلهم مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن من كتم علمًا ألجم يوم القيامة بلجام من نار.

وظاهر الحديث دال على أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوصف وإحسانه والصلاة، وقد سلف أن المراد بهذا وأمثاله غفران الصغائر، وجاء في (م) (( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة ) ).

وفي الحديث الآخر (( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ) )، لا يقال إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان؟ وكذا صيام عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأن المراد أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة كتبت له حسنات ورفعت له درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجا أن يخفف منها.

قال الداودي في (( شرحه ) )المشهور في الرواية (( غفر له ما تقدم من ذنبه ) )يريد والله أعلم التي بينه وبين الله. قال وإن لم تكن رواية عروة غير محفوظة، فيحتمل أن يكون غفران ما بينه وبين الصلاة كما يصليها. قلت هي محفوظة من غير شك كما سلف.

وفيه الحث على الاعتناء بآداب الوضوء وشروطه، والعمل بذلك والاحتياط فيه، والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء ولا يترخص بالاختلاف فيعتني بالتسمية والنية والمضمضة والاستنشاق والاستنثار واستيعاب مسح الرأس والأذنين، ودلك الأعضاء ص 469 والتتابع في الوضوء، وغير ذلك من المختلف فيه، وتحصيل ماء طهور بالإجماع.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( حمران ) )بضم المهملة وسكون الميم وبالراء، ابن أبان بفتح الهمزة وخفة الموحدة بن خالد بن عبد عمرو من سبي عين التمر سباه خالد بن الوليد، فوجده غلامًا كيسًا فوجهه إلى عثمان رضي الله عنه فأعتقه وكان كاتبه وحاجبه صحيح الحديث وهؤلاء الثلاث تابعيون.

قوله (( عثمان ) )هو أمير المؤمنين، وذكر مناقبه كما سلف، وقال استخلف أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، وقيل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين قتله الأسود التجيبي بضم المثناة الفوقانية وكسر الجيم وسكون المثناة التحتانية وبالموحدة المصري، ودفن ليلة السبت بالبقيع وعمره اثنان وثمانون سنة وصلى عليه حكيم بن حزام.

قوله (( دعا بإناء ) )أي بظرف فيه الماء للوضوء (( فأفرغ ) )يقال فرغ الماء بالكسر؛ أي انصب وأفرغته أنا أي صببته وتفريغ الظروف إخلاؤها.

قوله (( ثلاث مرات ) )وفي بعضها (( ثلاث مرار ) )، وهذا دليل على أن غسلهما في أول الوضوء سنة، و (( فمضمض ) )الفاء فيه فصيحة، وتقديره فأخذ الماء منه، وأدخله في فيه فمضمض به وفي أنفه فاستنثر، وفي بعضها (( واستنشق ) )والاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وقال ابن قتيبة الاستنثار هو الاستنشاق.

النووي أجمع العلماء على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة، وعلى أن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث بالغسل مرة ومرتين وثلاثًا، وبغسل بعض الأعضاء ثلاثًا، وبعضها مرتين وبعضها مرة، قالوا واختلافها دليل على جواز ذلك كله والثلاث هي الكمال، وأما ما اختلف الرواة فيه من الصحابي الواحد في القصة الواحدة فذلك محمول على أن بعضهم حفظ وبعضهم نسبي فيؤخذ بما زاد الثقة، واختلف العلماء في مسح الرأس فذهب الشافعي إلى أنه يستحب فيه المسح ثلاثًا، وذهب الأئمة الثلاثة إلى أن السنة مرة واحدة ولا يزاد عليها.

واحتج الشافعي بما رواه أبو داود في (( سننه ) )أنه صلى الله عليه وسلم مسح رأسه ثلاثًا، وبالقياس على باقي الأعضاء، وأجاب عن أحاديث المسح مرة بأن ذلك لبيان الجواز، واتفق الجمهور على أنه يكفي في الغسل جريان الماء على الأعضاء، ولا يشترط الدلك خلافًا لمالك، والمراد بالغفران غفران الصغائر دون الكبائر.

وفيه استحباب ركعتين عقيب الوضوء ويقوم الفرض والراتبة مقامهما، ومعنى لا يحدث أنه لا يحدث بشيء من أمور الدنيا وما لا يتعلق بالصلاة ولو عرض له حديث فأعرض عنه عفي عن ذلك وحصلت له هذه الفضيلة؛ لأن هذا ليس من فعله وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر.

قال القاضي يريد بحديث النفس الحديث المجتلب والمكتسب، وأما ما يقع في الخاطر غالبًا فليس هو المراد، وفي لفظ يحدث به نفسه إشارة إلى أن ذلك الحديث مما يكتسب لإضافته إليه، وقال بعضهم هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة وتكون دون صلاة من لم يحدث نفسه بشيء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ضمن الغفران لمراعي ذلك؛ لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة بمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه ومحافظته عليها حتى [لا] يشتغل عنها طرفة، وسلم من الشيطان باجتهاده وتفريغه قلبه.

قيل ويحتمل أن يراد به إخلاص العمل لله لا يكون لطلب الجاه والتشلش وأن يراد ترك العجب بأن لا يرى لنفسه منزلة رفيعة بأدائها بل ينبغي أن يحقر نفسه كيلا يغتر فيتكبر.

قوله (( لأحدثنكم ) )جواب محذوف، وفيه جواز الحلف من غير ضرورة. و (( آية ) )مبتدأ وخبره واجب حذفه أي لولا آية ثابتة في القرآن. و (( ما حدثتكموه ) )جواب لولا واللام محذوفة منه، ومعناه لولا أن الله تعالى أوجب على من علم علمًا إبلاغه لما كنت حريصًا على تحديثكم، ولما كنت متكثرًا بحديثكم.

قوله (( فيحسن ) )أي يأتي به بكمال سننه وآدابه. فإن قلت إحسان الوضوء ليس متأخرًا ص 470 عن الوضوء فكيف عطف عليه بالفاء التعقيبية. قلت الفاء موقعها موقع ثم التي لبيان المرتبة وشرفها دلالة على أن الإحسان في الوضوء، والإجادة فيه من محافظة السنن ومراعاة الآداب أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقًا، ولا شك أن الوضوء المحسن فيه أعلى مرتبة من غير المحسن فيه [4] .

وفيه حث على الاعتناء بتعلم آداب الوضوء وسننه والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء كالحرص على التسمية والنية والمضمضة والاستنشاق والاستنثار واستيعاب مسح الرأس ومسح الأذن ودلك الأعضاء والتتابع في الوضوء وترتيبه وغير ذلك من المختلف فيه.

فإن قلت إلا غفر ثم استثنى والفعل كيف وقع مستثنى. قلت من رجل أي لا يتوضأ رجل إلا رجل غفر له أو من أعم عام الأحوال أي لا يتوضأ رجل في حال إلا في حال المغفرة.

قوله (( حتى يصليها ) )فإن قلت لفظ حتى غاية لماذا. قلت لحصل المقدر العامل في الظرف إذ الغفران لا غاية له. فإن قلت ذكر بين الصلاة مغن عن ذكر حتى يصليها فما فائدته قلت لا يغني لأن بين الصلاة يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة وبين الفراغ عنها. فلما قال حتى يصليها تعين الثاني. وفائدته أن يشمل الحاصل في الصلاة كالنظرة المحرمة الواقعة في نفس الصلاة.

[1] في هامش المخطوط فإن قيل إن الله قال ?إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم? الآية، قال الحنفية وبعض المالكية الفاء جواب الشرط والمعطوف عليه بالواو جمل لا يلزم فيها ترتيب لموضوع الواو أنها لغير الترتيب، قلت تعار فيه قوله تعالى ?والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا? فإنه قال ?فاجلدوا ولا تقبلوا لهم شهادة? ففيه فاء وعطف عليه بحمله بالواو والحال أن الترتيب بين الجلد وعدم قبول الشهادة واجب فإنه لا يرد شهادة قبل أن يحد فكأنه لم يكمل فسقه فإذا حد تعين عدم قبول الشهادة فيسأل القائلين بعدم الترتيب في آية الوضوء عن الفرق بين الاثنين فكما أن في هذه الآية للترتيب فيكون في آية الوضوء كذلك، أو كما في آية الوضوء يكون في هذه الآية لغير الترتيب، وفي آية القذف يأتي لا محالة والجواب أن الترتيب في آية القذف لم يعلم من الواو بل من الحكم الشرعي وهو أن القاذف إذا عجز عن إحضار البينة بالزنا حد، فإذا حد صار فاسقًا، والفاسق لا تقبل شهادته بخلاف آية الوضوء فإن عدم الترتيب علم من الآية لأنها جمل مختلفة تخلل بينها الواو وهي بغير الترتيب فجاز تنكير الوضوء كما هو مذهب الحنفية وبعض المالكية.

[2] في هامش المخطوط أقول ذكر الشافعية أن بعض شعره من الرأس في الوضوء يجب مسحها في مسح الرأس وذكروا أيضًا في الحج أن الواجب في حلق الرأس في الحج أقل ما يكون ثلاث شعرات فما الفرق؟

[3] في هامش المخطوط أقول الدليل على وجوب الترتيب في الوضوء من القرآن والحديث أما القرآن فمن قوله تعالى ?يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا? الآية، لأنه أتى بالفاء في جواب الشرط والفاء للتعقيب فتعين النداء وبمد حول الفاء وهو الوجه ويبقى غيره الذي فيه الواو غير واجب فيه الترتيب للواو وهذا لم يقل به أحد فإن من سلم أن الفاء للتعقيب وأنه يجب البدائة بغسل الوجه يقول فالترتيب في الباقي والدليل الآخر أن الله حلل مسح الرأس في الغسلات فلو لم يكن المقصود الترتيب المذكور في القرآن ... لما كان لتحليل المسح بين الغسلات فائدة وكان الأحسن ذكر الغسلات دفعة ثم يذكر المغسولات وأيضًا الله تعالى نزل كتابه قرآنًا عربيًا وما عده كلام العرب أن يقدموا الأهم فالأهم وأيضًا قال تعالى ?إن الصفا والمروة? وقد قال عليه السلام ابدأ بما بدأ الله فيقاس أنه الوضوء على أنه الصفا والمروة، وأيضًا قال اركعوا واسجدوا والركوع مقدم على السجود، وأما قولهم ?اسجدي واركعي مع الراكعين? فقيل كان في ذلك ... السجود مقدم على الركوع قيل معنى اركعي مع الراكعين أي صلي ليست معناه الركوع المقارن للسجود في شرعنا وأيضًا الواو لا يدل على عدم الترتيب بل الواو وصفه فالجمع بدون ترتيب فيجوز أن يتقدم المعطوف على المعطوف عليه وبالعكس، روى باقي الحديث بكثير منها أنه توضأ مرتبًا وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي وهذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به، وهذا إشارة إلى الوضوء المرتب إلى غير ذلك من الأحاديث وأيضًا لو كان المذكور جابرًا لفعله النبي عليه السلام ولو مرة ليتأتى الجواز، وقد ضبط أفعاله وأقواله وأحواله، ولم ينقل أنه توضأ مقلوبًا أبدًا طول عمره الشريف.

[4] في هامش المخطوط أقول ويمكن أن يتأخر إحسان الوضوء عنه وذلك أن الإحسان هو تكميل غسل أعضاء الوضوء ولا يكمل ذلك إلا بعد فراغه من الوضوء وهذا ظاهر لا إشكال فيه فلا يحتاج إلى جعله لبيان المرتبة فتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت