17 -باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (( اللهم علمه الكتاب ) )
قوله صبي رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث. هذا الحديث أخرجه هنا كما ترى وفي فضائل الصحابة، وأخرجه في الطهارة.
عكرمة هو أبو عبد الله المدني مولى ابن عباس أصله من البربر من أهل المغرب، سمع مولاه، وابن عمر، وخلفًا من الصحابة، وكان من أكثر العلماء في زمانه بالعلم والقرآن، وعنه أيوب وخالد الحذاء وخلق، وتكلم فيه لرأيه، وأطلق نافع وغيره عليه الكذب.
وروى له (م) مقرونًا بطاوس وسعيد بن جبير، واعتمده (خ) في أكثر ما يصح عنه من الروايات، وربما عيب عليه إخراج حديثه، ومات ابن عباس وعكرمة مملوك، فباعه علي ابنه من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال عكرمة له بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار فاستقاله فأقاله وأعتقه، وكان جوالًا في البلاد، ومات بالمدينة ودفن بها سنة خمس أو ست أو سبع ومائة، وقيل مات سنة خمس عشرة ومائة، وقد بلغ ثمانين.
والراوي عنه خالد بن مهران الحذاء أبو المنازل بضم الميم البصري التابعي مولى آل عبد الله بن عامر القرشي.
قال عبد الغني ما كان من منازل فهو بضم الميم، إلا يوسف بن منازل فإنه بفتحها، وحكى غيره فيه الفتح أعني في خالد وكذا في سائر الباب، والضم أظهر، ولم يكن بحذاء للنعال إنما كان يجلس إليهم أو إلى صديق له حذاء، وقيل كان يقول احذوا على هذا النحو، فلقب به، رأى أنسًا، ووثقه أحمد، ويحيى بن معين، قال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به. مات سنة إحدى وأربعين ومائة في خلافة المنصور.
والراوي عنه هو أبو عبيدة عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العبدي التميمي البصري الحافظ
ص 321 المقرئ الثبت الصالح، روى عن أيوب وغيره، وعنه مسدد وغيره، ورمي بالقدر، ونفاه عنه ولده عبد الصمد فيما حكاه عنه (خ) ، مات سنة ثمانين ومائة.
وأما شيخ (خ) فهو أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ميسرة البصري المقعد المنقري الحافظ الحجة، روى عن عبد الوارث وغيره، وعنه (خ، د) وهو والباقون عن رجل عنه، ورمي بالقدر أيضًا، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.
هذا الإسناد على شرط الأئمة الستة وكلهم بصريون خلا ابن عباس وعكرمة، وفيه رواية تابعي عن تابعي أيضًا.
والمراد بالكتاب هنا القرآن، وكذا كل موضع ذكر الله تعالى فيه الكتاب، والمراد بالحكمة أيضًا القرآن كما في قوله تعالى {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا} [البقرة269] .
وأما قوله تعالى {ويعلمهم الكتاب والحكمة} [البقرة129] ص 322 فالقرآن أحكمت آياته بين حلالها وحرامها وأمرها ونهيها، والسنة بينت المجمل وغيره، والرواية الأخرى (( اللهم فقهه ) )أي فهمه الكتاب والسنة، ودعا له أيضًا أن يعلمه التأويل؛ أي تفسير القرآن؛ فكان فيه من الراسخين حتى كان يدعى ترجمان القرآن.
وفيه بركة دعائه عليه السلام وإجابته.
وفيه فضل العلم والحض على تعلمه، وعلى حفظ القرآن والدعاء بذلك.
وفيه استحباب الضم وهو إجماع للطفل والقادم من سفر، ولغيرهما مكروه عند البغوي، والمختار جوازها ومحل ذلك إذا لم يؤد إلى تحريك شهوة.
ومعنى اللهم يا الله، والميم المشددة عوض من حرف النداء، قاله الخليل وسيبويه، وقال الفراء كان الأصل يا الله أمنا بخير فهي مضمنة ما يسأل بها، ونظيره قول العرب هلم، والأصل هل، فضمت الميم إليها، ولو كانت الميم بدلًا عنها لما اجتمعا وقد قال الشاعر
~وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو هللت يا اللهما
اردد علينا شيخنا مسلمًا
وقد استدل الأول بهذا على أنها عوض إذ لا يجمع بينهما إلا في الشعر.
قال والدي رحمه الله تعالى
وأما يجور ما عليك أن تقولي كلما ألبثت فليس يثبت، وهذا من خصائص اسم الله كما اختص بالتاء في القسم وبقطع همزته في يا الله وبغير ذلك، وكأنهم لما أرادوا أن يكون نداؤه باسمه متميزًا عن نداء عباده بأسمائهم من أول الأمر حذفوا حرف النداء من الأول وزادوا الميم لقربها من حرف العلة كالنون في الآخر، وخصت لأن النون كانت ملتبسة بضمير النساء صورة، وشدت لأنها خلف من حرفين، واختار سيبويه أن لا يوصف؛ لأن وقوع خلف حرف النداء بين الموصوف والصفة كوقوع حرف النداء بينهما، ومذهب الكوفيين أصله يا الله أم أي أقصدنا بخير فتصرف فيه.
قال ابن بطال كان ابن عباس من الأحبار الراسخين في علم القرآن والسنة أحببت فيه الدعوة، وروى (خ) هذا الحديث في فضائل الصحابة وقال فيه اللهم علمه الحكمة، وفي كتاب الوضوء اللهم فقهه في الدين.
وتأولوا الحكمة بالقرآن في قوله تعالى {يؤت الحكمة من يشاء} وبالسنة في قوله تعالى {ويعلمكم الكتاب والحكمة} وكلا التأويلين صحيح، وذلك لأن القرآن حكمة أحكم الله تعالى فيه لعباده حلاله وحرامه، وبين لهم فيه أمره ونهيه، وكذلك سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمة فصل بها بين الحق والباطل وبين لهم محمل القرآن ومعاني التنزيل والفقه في الدين وهو كتاب الله وسنة رسوله فالمعنى واحد.
قوله (( علمه الكتاب ) )أي القرآن لأن الجنس المطلق محمول على الكامل أو لأن العرف الشرعي عليه أو لأن اللام للعهد.
فإن قلت المراد نفس القرآن أي لفظه أو معانيه أي أحكام الدين، قلت اللفظ باعتبار دلالته على معانيه.
فإن قلت التعليم متعد إلى ثلاثة مفاعيل ومفعولها الأول كمفعول أعطيت، والثاني والثالث كمفعول علمت يعني لا يجوز حذف الثاني أو الثالث فقط فكيف ههنا. قلت علمه بمعنى عرفه فلا يقتضي إلا مفعولين.
فإن قلت هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم؟ قلت لكل نبي دعوة مستجابة وإجابة الباقي في مشيئة الله تعالى، وأما هذا الدعاء فلا شك في قبوله؛ لأنه كان عالمًا بالكتاب، حبر الأمة، بحر العلم، ترجمان القرآن.