فهرس الكتاب

الصفحة 1032 من 3844

91 -باب الوقوف بعرفة

فيه حديث محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه كنت أطلب بعيرًا لي، الحديث.

قال ابن التين روي هذا الحديث، عن سفيان، عن عمرو، عن محمد، عن أبيه مثل ما في (خ) قال فيه (( رأيته عليه السلام حج في الجاهلية قائمًا مع الناس قبل أن يبعث ) )، فمن هاهنا قال بعضهم إنه عليه السلام حج في الجاهلية، أما بعد الهجرة فواحدة.

واختلف في هذه الآية فقال الضحاك يريد إبراهيم عليه السلام، وروي عن الضحاك أنه الإمام، وقيل آدم، وقد قرئ?الناسي?، حكاه ابن التين، وقيل سائر الناس.

قال ابن التين وهو الصحيح بدليل حديث جبير غير الحمس وهم قريش، ومن ولدت من غيرها، وقيل قريش ومن ولدت وأحلافها، وقيل قريش ومن ولدت من قريش وكنانة وجديلة قيس، وكانوا إذا أنكحوا امرأة منهم غريبًا اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم، ودخل في هذا الاسم من غير قريش ثقيف وليث بن بكر وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة.

قوله (( والحمس قريش وما ولدت ) )قال الداودي يعني من مسه ولادة قريش من نسل البنات، والأحمس والحمس الشديد، وتحامس القوم تحامسًا وحماسًا تنادوا واقتتلوا، والأحمس المشدد على نفسه في الدين، والحماسة الشدة في كل شيء، ذكره ابن سيده.

وتحامس عني من غلط العامة، وحمس بالكسر وأحمس بين الحمس، وقيل الحمسة الحرمة، ذكره ابن فارس.

قال الحربي عن بعضهم سموا حمسًا بالكعبة؛ لأن حمساء، وحجرها أبيض يضرب إلى السواد، ذكره الهروي.

قال ابن إسحاق وكانت قريش لا أدري قبل الفيل أو بعده ابتدعت أمر الحمس رأيًا رأوه، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج، إلا أنهم قالوا نحن أهل الحرم، نحن الحمس، والحمس أهل الحرم.

قال ولا ينبغي للحمس إلا بأن تقطوا الأقط، ولا يسألوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتًا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا، ثم قالوا لا ينبغي لأهل الحرم أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يطوف [1] بالبيت عراة، ولا إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس.

ومما أحدثوه أن لا يطوفوا بالبيت عراة، ولا يطوفوا بين الصفا والمروة، وما سواهم من العرب يقال لهم الحلة، كانوا إذا طافوا بالبيت عراة رموا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا نكرم البيت أن نطوف به في ثيابنا التي جرحنا بها الآثام، فما طرحوا من ثوب لم يمسه أحد، وسمي النسيء واللقاء والحرم، ذكره الكلبي.

قال السهيلي كانوا ذهبوا في ذلك مذهب الترهب والتأله، وكانت نساؤهم لا ينسجن الشعر ولا الوبر.

وكذا قال المهلب إنما كان وقوف ص 1664 قريش وهم الحمس عند المشعر الحرام من أجل أنها كانت عزتها في الجاهلية بالحرم وسكناها فيه، وتقول نحن جيران الله، فكانوا لا يرون الخروج عنه إلى الحل عند وقوفهم في الحج، ويقولون نحن لا نفارق عزنا وما حرم الله به أموالنا ودماءنا.

زاد أبو نعيم في (( مستخرجه ) )كان الشيطان قد استهواهم فقال لهم إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وقيل كانت قريش تتكبر أن تقف مع الناس.

وكذلك جبير، وقال ما شأنه وقف في الحل؟ وانظر كيف أنكر جبير ذلك، وقد حج قبله عتاب سنة ثمان وأبو بكر سنة تسع، فإما أن يكونا وقفا بجمع على ما كانت قريش تفعل، أو لم يكن جبير شهد معهما الموسم، قاله ابن التين، إنما كان ذلك في الجاهلية كما سلف، وجبير أسلم عام الفتح.

وكانت طوائف العرب تقف في موقف إبراهيم من عرفة، وكان وقوف النبي صلى الله عليه وسلم وطوائف العرب بعرفة ليدعوهم إلى الإسلام وما افترض الله تعالى عليه من تبليغ الدعوة وإفشاء الرسالة، وأمر الناس كلهم بالإفاضة من حيث أفاض الناس من عرفة.

قال الخطابي قوله (( {من حيث أفاض الناس} [البقرة199] ) )في ضمنه الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة والانتشار إنما يكون عن اجتماع قبله.

وكذا قال ابن بطال في الآية دليل أنه قد أمرهم بوقوف عرفة قبل إفاضتهم منها.

فإن قلت ثم يفيض المهلة وقال تعالى {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} [البقرة198] ، ثم قال (( {ثم أفيضوا} [البقرة199] ) )وإنما الإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام؟

فالجواب أن (( {ثم} ) )بمعنى الواو، والمختار أنها على بابها، والمعنى ثم آمركم بالإفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس، وفيه معنى التوكيد؛ لأنهم أمروا بالذكر عند المشعر الحرام إذا أفاضوا من عرفات، ثم أكد عليهم الإفاضة من حيث أفاض الناس لا من حيث كانت قريش تفيض.

واختلف إذا دفع من عرفة قبل الغروب ولم يقف بها ليلًا، فذهب مالك إلى أن الاعتماد في الوقوف بعرفة على الليل من ليلة النحر والنهار من يوم عرفة تبع، فإن وقف جزءًا من النهار وحده ودفع قبل الغروب لم يجزئه، وإن وقف جزءًا من الليل أي جزء كان قبل طلوع الفجر من يوم النحر أجزأه؛ واستدل بأحاديث ضعفها كلها ابن حزم.

وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري الاعتماد على النهار من يوم عرفة من وقت الزوال، والليل كله تبع، قالوا فإن وقف جزءًا من النهار بعد الزوال دون الليل كان عليه دم، والأظهر عند الشافعي لا دم عليه، وإن وقف جزءًا من الليل دون النهار لم يجب عليه دم، وذهب أحمد بن حنبل إلى أن وقت الوقوف من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، فسوى بين آخر الليل وآخر النهار.

قال ابن قدامة وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.

وقال ابن جريج عليه بدنة.

فائدة سميت عرفة؛ لأن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفة قال قد عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، أو لأن جبريل يقول لإبراهيم هذا موضع كذا وهذا موضع كذا، فيقول قد عرفت.

قال والدي رحمه الله تعالى قوله (( أضللت ) )يقال أضله إذا أضاعه.

وقال ابن السكيت أضللت بعيري إذا ذهب منك.

و (( الحمس ) )جمع الأحمس.

فإن قلت وقفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة كانت سنة عشر وجبير كان مسلمًا؛ لأنه أسلم يوم الفتح بل عام خيبر فما وجه سؤاله إنكارًا وتعجبًا؟

قلت لم يبلغه في ذلك الوقت قوله تعالى {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} أو لم يكن السؤال ناشئًا عن الإنكار والتعجب بل أراد به السؤال عن حكمة المخالفة عما كانت الحمس ص 1665 عليه أو كان لرسول الله وقفة بها قبل الهجرة.

قوله (( وما ولدت ) )أي وأولادهم واختار (( ما ) )على من لعمومه وقيل المراد به والدهم وهو كناية؛ لأن الصحيح أن قريشًا هم أولاد النضر بن كنانة.

الجوهري سميت قريش وكنانة حمسًا لتشددهم في دينهم؛ لأنهم كانوا لا يستظلون أيام منى ولا يدخلون البيوت من أبوابها وغير ذلك.

قوله (( يحتسبون ) )أي يعطون الناس الثياب حسبة لله تعالى.

قوله و (( يفيض ) )قال الزمخشري {أفضتم} دفعتم بكثرة وهو من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة وأصله أفضتم أنفسكم فترك ذكر المفعول.

قوله (( جماعة الناس ) )أي غير الحمس و (( عرفات ) )علم للموقف وهو منصرف إذ لا تأنيث فيها وسميت بها إما لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما أبصرها عرفها، أو لأن جبريل كان حين يدور به في المشاعر أراه إياها فقال قد عرفت، أو لأن آدم هبط من الجنة بأرض الهند وحواء بجدة فالتقيا ثمة فتعارفا، أو لأن الناس يتعارفون فيها، أو لأن إبراهيم عرف حقيقة رؤياه في ذبح ولده ثمة، أو لأن الخلق يعترفون فيها بذنوبهم، أو لأن فيها جبالًا والجبال هي الأعراف وكل عال فهو عرف.

قوله (( جمع ) )بفتح الجيم وسكون الميم هو المزدلفة وسميت به؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها؛ أي دنا منها، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين وأهلها يزلفون [2] ؛ أي يتقربون إلى الله بالوقوف فيها.

قوله (( فدفعوا ) )بلفظ المجهول؛ أي أمروا بالذهاب إلى عرفات حيث قيل لهم {أفيضوا} وذلك لأن الحمس كانوا يترفعون على الناس ويتعظمون عن أن يساووهم في الموقف ويقولون نحن أهل الله وقطان حرمه فلا نخرج منه فيقفون بجمع وسائر الناس بعرفات.

الزركشي

(( أضللت بعيرًا ) )أي ضل منا بعير.

(( ثنا فروة ) )بفاء وراء.

(( ابن أبي المغراء ) )بميم مفتوحة وغين ساكنة معجمة ممدودة.

(( الدفع ) )الانصراف والرجوع مع كثرة.

(( فدفعوا ) )بضم الدال، ويروى بالراء.

[1] لعل الصواب (( يطوفوا ) )

[2] لعل الصواب (( يزدلفون (( .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت