فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 3844

عن عائشة أنه عليه السلام صلى في خميصة لها أعلام الحديث. ثم قال وقال هشام إلى آخره.

الحديث الأول ذكره قريبًا في الالتفات، واللباس أيضًا، وأخرجه (م، د، ن، ق) .

والتعليق الثاني أخرجه (م) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو داود عن عبيد الله عن معاذ.

قوله الخميصة بفتح المعجمة، كساء رقيق مربع له علمان أو أعلام، ويكون من خز، أو صوف، وقيل لا يسمى بذلك إلا أن تكون سوداء معلمة سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذ من الخمص، وهو ضمور البطن.

وأبو جهم اسمه عامر، وقيل عبيد بن حذيفة القرشي العدوي، أسلم يوم الفتح، وكان معظمًا في قريش، وعالمًا بالنسب، شهد بنيان الكعبة مرتين، مات في آخر خلافة معاوية، وهو غير أبي جهيم الصغير المذكور في المرور.

والأنبجانية بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الموحدة وكسرها، وبتشديد المثناة تحت، وتخفيفها. قيل إنه نسبة إلى موضع يقال له أنبجان، وقيل غير ذلك، وهو كساء غليظ لا علم له، فإن كان فهو الخميصة.

قوله (( أنبجانية أبي جهم ) )روي بتشديد المثناة تحت، والتأنيث على الإضافة، وعلى التذكير كما في الرواية الأخرى (( كساء له أنبجانيًا ) ).

ومعنى (( ألهتني ) )شغلت قلبي عن جمال الحضور والتدبر، وفي (( الموطأ ) ) (( فإنها قد كادت تفتني ) ).

وهذه الخميصة أهداها له أبو جهم، بل هو الذي أهداها أولًا كذا حكاه ابن الأثير.

أقول قال ابن الأثير في (( النهاية ) )وإنما بعث الخميصة إلى أبي جهم لأنه كان أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم خميصة ذات أعلام فلما شغلته في الصلاة قال (( ردوها عليه وائتوني بأنبجانية ) )وإنما طلبها منه لئلا يؤثر رد الهدية في قلبه قال والأنبجاني منسوب إلى منبج المعروفة وقيل هو مكسور الباء ففتحت في النسب وأبدلت الميم همزة، وقيل إنها منسوبة إلى موضع اسمه أنبجان.

قوله (( تفتنني ) )ص 722 قال ابن التين رويناه بفتح التاء على أنه ثلاثي، وبالإدغام مثل قوله تعالى {ما مكني فيه ربي خير} [الكهف95] ويصح أن يكون بضم التاء يقال فتنته وأفتنه، وأنكر الأصمعي الثاني، ومعنى آنفًا الساعة، وفي أبي داود (( شغلتني أعلام هذه ) )، وأخذ كرديًا كان لأبي جهم، فقيل يا رسول الله الخميصة كانت خيرًا من الكردي.

وعند أبي موسى المديني (( ردوها عليه، وأخذوا أنبجانيته ) )لئلا يؤثر رد الهدية في قلبه، وهذا أولى من تأويل بعضهم أنه فعل هذا إذلالًا لعلمه بأنه يؤثر هذا ويفرح به، ولا يلزم من ذلك أن أبا جهم كان يصلي فيها كما في حلة [1] عطارد، ولا يقال إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته فكيف لا تلهي أبا جهم، على أنه نقل أن أبا جهم كان أعمى فالإلهاء مفقود عنده، ولعله علم أنه لا يصلي بها أيضًا، ويحتمل أن يكون هذا خاصًا بالشارع كما قال (( كل، فإني أناجي من لا تناجي ) ).

وفيه جواز لبس الثوب المعلم، وجواز الصلاة فيه.

وفيه استعمال الفكر اليسير في الصلاة عرفًا، وإن حكي عن بعض السلف ما لا يصح عمن يعتمد به في الإجماع.

وفيه طلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، ونفي كل ما يشغل القلب ويلهي عنه؛ ولهذا قال أصحابنا يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده، ولا يتجاوزه.

وفيه المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعة والإعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها.

وفيه منع النظر وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة وغيرها، وقد كان السلف لا يخطيء أحدهم موضع قدمه إذا مشى.

وفيه تكنية الإمام والعالم لمن هو دونه.

وذكر ابن الجوزي في الحديث سؤالين

أحدهما كيف يخاف الافتتان بعلم من لم يلتفت إلى الأكوان دليله {ما زاغ البصر وما طغى} [النجم17] .

وأجاب بأنه كان في تلك الليلة خارجًا عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من ورائه، فأما إذا رد إلى طبعه البشري فإنه يؤثر فيه ما يؤثر في البشر.

الثاني المراقبة في الصلاة شغلت خلقًا من أتباعه، حتى إنه وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار ولم يعلم.

وأجاب بأن أولئك كانوا يؤخذون عن طباعهم فيغيبون عن وجودهم، وكان الشارع يسلك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص غير الكل فقال (( لست كأحدكم ) )وإذا سلك طريق غيرهم قال (( إنما أنا بشر ) )فرد إلى حالة الطبع فوزع الخميصة ليستن به في ترك كل شاغل.

وذكر ابن بطال وغيره عن ابن عيينة أنه عليه السلام إنما رد الخميصة؛ لأنها كانت سبب شغله، كما قال (( اخرجوا عن هذا الوادي الذي أصابكم فيه الغفلة، فإنه واد به شيطان ) )قال ولم يكن الشارع ليبعث إلى غيره بشيء يكرهه لنفسه.

ألا ترى قوله لعائشة في الضب (( إنا لا نتصدق بما لا نأكل ) )ص 723 وكان أقوى خلق الله على دفع الوسوسة، كما قال لعائشة (( أميطي عنا قرامك ) )الحديث. قال وفي رده الخميصة تنبيه منه وإعلام أنه يجب على أبي جهم من اجتنابه في الصلاة مثلما وجب عليه صلى الله عليه وسلم؛ لأن أبا جهم أحرى أن يعرض له من الشغل بها أكثر مما خشي الشارع، ولم يرد بردها عليه منعه من ملكها ولباسها في غيرها، وإنما معناها كمعنى الخلة التي أهداها لعمر وحرم عليه لباسها، وأباح له الانتفاع بها وبيعها. قال وفيه دليل على أن الواهب والمهدي إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها؛ إذ لا عار عليه في قبولها.

وذكر غيره أنه إنما كرهها لما فيها من الحرير.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( في كم تصلي ) )فإن قلت لفظ كم استفهامية أو خبرية له صدر الكلام فأين صدارته. قلت الجار والمجرور في حكم كلمة واحدة. فإن قلت أين مميزه وما هو قلت محذوف وتقديره كم ثوبًا.

قوله (( لقد كان ) )اللام جواب قسم محذوف و (( متلفعات ) )بالرفع والنصب، والتلفع التلحف والاشتمال والمروط أكسية من صوف أو حز كان يؤتزر بها واحدها المرط بكسر الميم، وقيل هي أردية واسعة.

فإن قلت ما المستفاد منه؟ قلت صلاتهن في ثوب واحد، وفيه جواز حضور النساء الجماعة وأداء الصلاة مع الرجال، والتركيب يدل على استمرار ذلك.

فإن قلت عدم معرفتهن أكان لبقاء ظلمة من الليل حتى يعلم منه استحباب الصلاة قبل الأسفار وأداؤها أو الوقت أو لتلحفهن وتغطيتهن بالمروط غاية التغطي. الكلام يحتمل الأمرين.

قال ابن بطال اختلف في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب. فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي تصلي في درع وخمار. وقال ابن المنذر عليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها سواء سترت بثوب أو أكثر، وقولهم فيه من الأمر بثلاثة أو أربعة من طرق الاستحباب والمرأة كلها عورة إلا ما يجوز لها كشفها في الصلاة والحج وذلك كفاها ووجهها.

وقال أبو حنيفة قدمها أيضًا ليست بعورة، وروي عن الإمام أحمد أن كل شيء منها عورة حتى ظفرها.

قال والدي رحمه الله تعالى

(( باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمه ) )وفي بعضها (( إلى أعلامها ) )، والتأنيث فيه باعتبار الخميصة.

قوله (( خميصة ) )بفتح المنقطة وكسر الميم وبالمهملة، كساء أسود مربع له علمان، و (( الأنبجانية ) )بسكون النون التي بعد الهمزة وبكسر النون التي بعد الألف وبخفة الجيم. وقال ثعلب بفتح الهمزة وكسرها وبفتح الباء وكسرها أيضًا. وقال هو كل ما كثف. وقال غيره هو كساء غليظ لا علم له، فإذا كان للكساء علم فهو خميصة وإن لم يكن فهو أنبجانية.

القاضي رويناه بتشديد الياء في آخره وتخفيفها. الأصمعي يقال كساء منبجاني منسوب إلى منبج بكسر الباء اسم موضع بالشام، ولا يقال أنبجاني. قال أبو حاتم قلت لم فتحت الباء. قال خرج مخرج محبراني ألا ترى أن الزيادة فيه والنسب مما يتغير له البناء. ص 724

قوله (( ألهتني ) )أي شغلتني ويقال لهي الرجل بكسر الهاء عن الشيء يلهى عنه إذا غفل عنه، ولها يلهو من اللهو إذا لعب.

قوله (( عن صلاتي ) )أي عن كمال الحضور فيها، وتدبر أذكارها والاستقصاء في التوجه إلى جناب الجبروت.

قوله (( وقال هشام ) )هو عطف على قال ابن شهاب، وهو من جملة شيوخ إبراهيم، ويحتمل أن يكون تعليقًا، و (( يفتنني ) )بفتح الياء وذلك بأن يشتغل قلبه بها فيفوت منه ما هو المقصود من الصلاة.

النووي فيه الحث على حضور القلب في الصلاة، ومنع النظر من الامتداد إلى ما يشغل، وإزالة ما يخاف اشتغاله، وكراهة تزويق محراب المسجد وحائطه ونقشه وغير ذلك من الشاغلات، وفيه أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر مما ليس متعلقًا بالصلاة.

[1] (( حلة ) )مكررة في المخطوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت