29 -باب اتباع الجنائز
فيه حديث أم عطية قالت نهينا عن اتباع الجنائز .. الحديث.
سلف في باب الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض، وأخرجه (م، د، ق) .
ومعنى (( لم يعزم علينا ) )أي لم يوجب ويفرض، أو لم يشدد. وقال الداودي يعني اتباعها إلى الكدى، وهي القبور. قال ولعل قولها (( ولم يعزم علينا ) )أي أن لا نأتي أهل الميت، وقد روى أنه عليه السلام رأى فاطمة في ممشاه، فسألها (( أين أردت ) )فقالت أردت إلى فلان أعزيهم، فقال (( لعلك بلغت معهم الكدى ) )قالت معاذ الله وقد سمعت منك ما سمعت، قال (( لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك ) ) [1] .
قال الحاكم فيه حديث صحيح على شرط الشيخين.
قال ابن المنذر روينا عن ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة أنهم كرهوا للنساء اتباع الجنائز وكره ذلك إبراهيم ومسروق والنخعي والحسن وابن سيرين، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال الثوري اتباع النساء الجنازة بدعة، وعن أبي حنيفة لا ينبغي ذلك للنساء.
وروي إجازة اتباع النساء الجنائز عن ابن عباس. والقاسم، وسالم، ورخص مالك في ذلك وقد احتج بعض من كره ذلك بحديث الباب ومن أجازه أيضًا.
قال المهلب هذا الحديث يدل على أن النهي من الشارع على درجات فمنه نهي تحريم ونهي تنزيه ونهي كراهة، قال القرطبي ظاهر الحديث التنزيه وإليه صار الجمهور وبه قال الشافعي.
وقال ابن حزم لا يمنعن من اتباعها، وآثار النهي عن ذلك ليست تصح؛ وإنما قالت أم عطية ولم يعزم علينا؛ لأنها فهمت من الشارع أن ذلك النهي إنما أراد به ترك ما كانت الجاهلية تقوله من الهجر وزور الكلام وقبيحه ونسبة الأفعال إلى الدهر، فهي إذا تركت ذلك وبدلت منه الدعاء والترحم عليه كان حقيقًا.
وقد روي عن يزيد بن أبي حبيب أنه عليه السلام حضر جنازة رجل فلما وضعت ليصلي عليها أبصر امرأة فسأل عنها فقيل هي أخت الميت فقال لها (( ارجعي ) )فلم يصل عليها حتى توارت. وقال لامرأة أخرى (( ارجعي وإلا رجعت ) )وأحسن حالات المرأة مع الجنازة أنها لا تؤجر في حضورها.
وقال الحازمي أما اتباع الجنائز فلا رخصة لهن فيه.
فرع انفرد الشعبي فقال لا تصلي النساء على الجنازة، وما أبعده ولا خفاء في فعلها وحدهن، قال ابن القاسم يصلين أفرادًا، وقال أشهب يؤمهن واحدة منهن.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( لم يعزم علينا ) )بفتح الزاي أي لم يجعل ذلك النهي عزمة علينا أي لم يكن النهي للتحريم.
[1] في هامش المخطوط (( أقول ما الحكمة في قوله جد ابيك، ولم يقل جدك ) ).