فهرس الكتاب

الصفحة 3630 من 3844

فيه حديث عبد الله بن يحيي بن أبي كثير، بسنده عن أبي قتادة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الرؤيا الصالحة من الله، ) )الحديث.

وحديث أبي سعيد الخدري (( الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) ).

وحديث) قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعا مثله.

سلف في الباب قبله الكلام على قوله (( فإذا حلم .. ) )إلى آخره.

وفي لفظ قال رجل يا رسول الله ص 4963 رأيت في النوم كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت في إثره، فقال عليه السلام (( لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك ) ).

وفي لفظ (قطع) بدل (ضرب) ، فضحك عليه السلام - وقال (( إذا لعب الشيطان بأحدكم فلا يحدث به الناس ) ).

قال المازري يحتمل أن يكون علم أن منامه هذا من الأضغاث بوحي يوحى إليه أو دلالة من المنام دل عليه، أو يكون من المكروه الذي هو تحزين الشيطان، وعن عبادة قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {لهم البشرى في الحياة الدنيا} [يونس 64] قال (( هي الرؤيا الصادقة يراها المؤمن أو ترى له ) ). وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا (( أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة .. ) )الحديث.

الشمال خلاف اليمين، وذكره في باب الحلم من الشيطان بلفظ اليسار، وهو بفتح الياء أفصح من كسرها، وقوله (( وليبصق ) )وفي أخرى (( فلينفت ) )وفي ثالثة (( فليتفل ) )وأكثر الروايات على الثاني، وادعى بعضهم أن معناها واحد، ولعل المراد بالجميع النفث، وهو نفخ بلا ريق، ويكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا.

وقوله (( فإنها لا تضره ) )معناه أن الله تعالى جعل هذا سببا لسلامته من مكروه يترتب عليها، كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببا لدفع النبلاء، وينبغي الجمع بين هذه الروايات كلها ويعمل بها كلها كما نبه عليه النووي، فإذا رأى ما يكرهه نفث عن يساره ثلاثا قائلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شرها، وليتحول إلى جنبه الآخر وليصل ركعتين. قلت ويقرأ آية الكرسي كما سلف في تلك الرواية, فيكون قد عمل بجميع الروايات، وإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله كما صرحت به الأحاديث.

قال عياض وأمر بالنفث ثلاثا طردا للشيطان الذي حضر رؤياه المكروهة وتحقيرا له واستقذارا وخصمت به اليسار؛ لأنها محل المكروهات والأقذار.

وقوله (( ولا يذكرها لأحد ) )وفي لفظ (( ولا يحدث بها أحدا ) )فسببه أنه ربما فسره تفسيرا مكروها على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملا فوقعت بتقدير الله كذلك، فإن الرؤيا كما جاء في حديث أبي رزين وقال الترمذي صحيح (( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا تحدث بها سقطت ) ).

أي أنها تكون محتملة لأمرين ففسرت بأحدهما، ولابن ماجه من حديث يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه (((اعبروها) بأسمائها وكنوها بكناها والرؤيا لأول عابر ))،

وقوله في الباب الماضي (( فليحدث بها ) ). وجاء في باب إذا رأى ما يكره (( فلا يحدث به إلا من يحب ) )، وهذا من أحسن الإرشاد لموضع الرؤيا؛ لأنه إذا أخبر بها من لا يحب ربما حمله البغض والحسد على تفسيرها بمكروه، فقد تقع تلك الصفة وإلا فيحصل له في الحال حزن ونكد في سوء تفسيرها. وقوله (( على رجل طائر ) )قيل معناه أنه لا يستقر قرارها ما لم تعبر.

قال عياض يحتمل أن المراد صحتها، ويكون معنى الرؤيا الصالحة الحسنة حسن ظاهرها، ويحتمل المراد صحتها وكذلك الرؤيا المكروهة. قال وقوله (( فليبشر ) ). كذا في معظم الأصول بضم الياء ثم موحدة ساكنة من البشارة والبشرى، وفي بعضها بفتح الياء والنون من النشرة وهو الإشاعة. قال وهو تصحيف. وفي بعضها (( فليسر ) ). بسين مهملة من السرور.

مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا كما نقله المازري أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو جل وعلا يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه خلقها علما على أمور أخر يلحقها في ثاني الحال إذا كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر، فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمورا على خلاف ما هو عليه، فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما (جعل) الله الغيم علما على المطر والجميع خلق الله، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي خلقها علما على ما يسر بغير حضرة الشيطان، وخلق ما هو علم على ما يحضره الشيطان، فنسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها وإن كان لا يدخل له حقيقة. وهذا معنى قوله (( الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ) )لا على أن الشيطان يفعل.

فالرؤيا ص 4964 اسم لمحبوب، والحلم اسم لمكروه.

وقال بعضهم إضافة الرؤيا إلى الله إضافة تشريف بخلاف المكروهة، وإن كانا جميعا من خلق الله، والشيطان بحضرة المكروهة ويرتضيه و (يسر به) .

حديث أبي سعيد فيه أنها (( جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) )وهي أشهرها، وكذا من حديث أنس وعبادة وأبي هريرة. وفي (( مستخرج الإسماعيلي ) ) (( خمسة وأربعون جزءا ) )، وسلف أن في بعض النسخ لحديث أبي رزين (( جزء من أربعين جزءا ) )وفي ابن ماجه من حديث فراس، عن عطية، عن أبي سعيد (( جزء من سبعين جزءا من النبوة ) )وكذا لمسلم من حديث ابن عمر، وكذا لابن أبي شيبة بسنده عن ابن مسعود مثله موقوفا.

وذكر الطبري في (( تهذيبه ) )من حديث ابن عباس (( جزء من أربعين جزءا ) )ومن حديث عبد الله بن عمرو (( من تسعة وأربعين جزءا ) )ومن حديث العباس (( جزء من خمسين جزءا ) )ومن حديث ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة (( جزء من أربعين جزءا ) )، وعن ابن عمر (( من ستة وعشرين ) ). وعن عبادة (( من أربعة وأربعين ) ).

وأسلفنا عن الزجاج وبعضهم كلامه على ستة وأربعين. ولا يتأتى في غيرها لسبعين ونحوها، وأيضا فبعضهم أن مقامه بمكة كان عشرا فلم يتفقوا على ثلاث عشرة. وحكى المازري عن بعضهم الأول، وعن بعضهم أنه عليه السلام قد خص دون الخليقة بضروب وفنون، وجعل له إلى العلم طرق لم تجعل لغيره، فيكون المراد نسبتها مما حصل له وميز به جزء من ستة وأربعين جزءا، فلا يبقى على هذا إلا أن يقال بينوا، هذه الأجزاء؟

ولا يلزم العلماء أن يعرفوا كل شيء جملة وتفصيلا، وقد جعل الله للعلماء حدا نقف عليه، فمنها ما لا نعلمه أصلا، ومنها ما [لا] نعلمه جملة، ولا نعلمه تفصيلا، وهذا منه، ومنها ما نعلمه جملة وتفصيلا، لا سيما ما طريقه السمع، ولا مدخل للعقل فيه فإنما يعرف منه قدر ما يعرف السمع. قال وقد مال بعض شيوخنا إلى هذا الجواب الثاني وقدح في الأول بأنه لم يثبت أن أمد رؤياه قبل النبوة كان ستة أشهر وبأنه بعد النبوة رأى منامات كثيرة، فيجب أن يلفق

منها ما يضاف إلى الستة الأشهر، فيتغير الحساب وتفسد النسبة، ولا وجه عندي لاعتراضه بما كان من المنامات خلال زمن الوحي؛ لأن الأشياء توصف بما يغلب عليها، وتنسب إلى الأكثر منها، فلما كانت الستة الأشهر محضة في المنامات، والثلاث وعشرون سنة جلها وحي، وإنما فيها منامات شيء يسير بغير عد، أوجب أن يطرح الأقل في حكم [النسبة والحساب] ، وقد سلف أن أمد الرؤيا لم يثبت أنه كان ستة أشهر فكيف حكمت بعدمه ولم يتضح ثبوته؟

قال المازري ويحتمل عندي أن يراد بالحديث وجه آخر، وهو أن (يريد) المنامات الخبر بالغيب لا أكثر، وإن كان يتبع ذلك إنذارا وتبشيرا، والإخبار أحد ثمرات النبوة، واحد فوائدها، وهو في جنب فوائد النبوة والمقصود بها يسير؛ لأنه يصح أن يبعث نبي يشرع الشرائع (ويبين) الأحكام ولا يخبر بغيب أبدا، ولا يكون ذلك قادحا في نبوته، ولا مبطلا للمقصود منها، وهذا الجزء من النبوة هو الإخبار بالغيب إذا وقع، فلا يكون إلا صدقا، ولا يقع إلا حقا، والرؤيا ربما دلت على شيء ولم يقع ما دلت عليه، إما لكونها من الشيطان، أو من حديث النفس، أو من غلط العابر في أصل العبارة، إلى غير ذلك من الضروب الكثيرة التي توجب عدم الثقة بدلالة المنام، فقد صار الخبر بالغيب أحد ثمرات (النبوة، وهو غير مقصود فيها، ولكنه لا يقع إلا حقا، وثمرة) المنام الإخبار بالغيب، ولكنه قد لا يقع صدقا فتقدر النسبة في هذا بقدر ما قدره (الشارع) بهذا العدد على حسب ما أطلعه الله عليه؛ ولأنه يعلم من حقائق نبوته ما [لا] نعلمه نحن، وهذا الجواب الثاني عن بعضهم فإنهم لم يكشفوه هذا الكشف، ولا بسطوه هذا البسط.

وأشار الطبري إلى أن ص 4965 هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمؤمن الصالح تكون رؤياه من ستة وأربعين، والفاسق من سبعين، وقيل المراد أن الخفي منها جزء من سبعين، والجلي جزء من ستة وأربعين.

قال الطبري والصواب أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل منها مخرج، فأما رواية السبعين فإنه عام في كل رؤيا صالحة صادقة لكل مسلم رآها في منامه على أي أحواله كان، وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة والنخعي، وأما رواية الأربعين والستة والأربعين فإنه يريد بذلك ما كان صاحبها بالحال التي ذكر عن الصديق أنه يكون بها.

روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه أن زياد بن نعيم حدثه أن أبا بكر رضي الله عنه كان يقول لأن يرى المسلم يسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إلي من كذا وكذا، فمن كان من أهل الإسباغ في الصبر على المكروهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة فرؤياه الصالحة جزء من ذلك، ومن كانت حاله في دأبه بين ذلك فرؤياه الصادقة بين الأربعين إلى السبعين لا (يزاد) عن السبعين ولا (ينتقص) على الأربعين. قلت ويحتاج إلى توجيه رواية ستة وعشرين.

قال ابن بطال وأصح ما في الباب (أحاديث) الستة والأربعين جزءا، ويتلوها في الصحة (سبعون) ، ولم يذكر مسلم في كتابه غير هذين الحدثيين، فأما الأول فأخرجه من حديث ابن عمر مرفوعا، وأما سائرها فهي من أحاديث الشيوخ. ثم قال فإن قلت [فما] وجه التوفيق بين السبعين والستة والأربعين، والنسخ غير جائز في الأخبار؟

فالجواب أنه يجب أن يعلم ما معنى كون الرؤيا جزءا من أجزاء النبوة، فلو كانت جزءا من ألف جزء منها لكان ذلك كثيرا، فيقال إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء، والإنباء هو الإعلام لغة، والمعنى أن الرؤيا إما صدق من الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة الإنباء الصادق من الله الذي لا يجوز عليه الكذب فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر عن الغيب، وأما معنى اختلاف الأجزاء في ذلك قلة وكثرة فإنا وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين لا ثالث لهما، وهو أن يرى الرجل رؤيا جلية ظاهرة التأويل مثل من رأى أنه يعطي شيئا في المنام

فيعطي مثله يقظة بعينه، وهذا الضرب من الرؤيا لا إغراق في تأويلها ولا رمز في تعبيرها.

ثانيهما ما يراه في المنامات المرموزة البعيدة المرام في التأويل، وهذا الضرب لا يعسر تأويله إلا لحاذق في التعبير؛ لبعد ضرب المثل فيه، فيمكن أن يكون هذا من السبعين جزءا والأول من الأجزاء، وهذا قد سلف؛ لأنه إذا قلت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى النبأ الصادق وآمن من وقوع الغلط في تأويلها، وإذا كثرت الأجزاء بعدت بمقدار ذلك وخفي تأويلها.

ولما عرضته على جماعة فحسنوه وزادني فيه بعضهم بأن قال الدليل على صحته أن النبوة على مثل هذه الصفة تلقاها الشارع عن جبريل، فقد أخبرنا أنه كان يأتيه مرة بالوحي فيكلمه بكلام فيعيه بغير مؤنة ولا مشقة، ومرة يلقي إليه جملا جوامع ويشتد عليه فكها وتبيينها حتى تأخذه الرحضاء ويتحدر منه العرق كالجمان، ثم يعينه الله على تبيين ما ألقي إليه من الوحي، فلما كان تلقيه للنبوة المعصومة بهذه الصفة كان تلقي المؤمن للرؤيا من عند الملك الآتي بها من أم الكتاب بهذه الصفة.

وفيه تأويل آخر ذكره أبو سعيد السفاقسي عن بعض أهل العلم، قال معنى السبعين أن الله أوحى إلى نبيه في الرؤيا ستة أشهر، ثم بعد ذلك أوحى إليه بإعلام باقي عمره، وكان عمره في النبوة ثلاثة وعشرين عاما، فيما رواه عكرمة ص 4966 وعمرو بن دينار عن ابن عباس، فإذا نسبنا ستة أشهر من ثلاثة وعشرين وجدنا ذلك جزءا من ستة وأربعين، وهذا أسلفناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت