فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
45 -باب كيف الحشر؟
فيه أحاديث
أحدها
حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( يحشر الناس على ثلاث طرائق ) )الحديث.
ثانيها حديث قتادة، عن أنس رضي الله عنه أن رجلا قال يا نبي الله، كيف يحشر الكافر الحديث.
ثالثها حديث ابن عباس رضي الله عنهما سمعت النبي صلى الله ص 4672 عليه وسلم يقول (( إنكم ملاقو الله حفاة ) )الحديث.
قال سفيان هذا مما نعد أن ابن عباس سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ساقه بلفظ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يقول (( إنكم ) )إلى آخره.
ثم ساقه عنه قال قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى آخره. رابعها حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( تحشرون ) )الحديث.
خامسها حديث عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة فقال (( أترضون ) )الحديث.
سادسها حديث أبي هريرة صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( أول من يدعى يوم القيامة آدم عليه السلام ) )الحديث.
حديث ابن عباس رضي الله عنهما سلف في ذكر الأنبياء، وكذا حديث عبد الله، وأبي هريرة.
وحديث أنس سلف في تفسير الفرقان.
قال الخطابي والمذكور هنا في الحشر إنما يكون قبل قيام الساعة، يحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر الذي بعد البعث من القبور فعلى خلاف هذه الصورة، من ركوب الإبل، والمعاقبة عليها، إنما هو على ما ورد في الخبر (( يبعثون حفاة غرلا ) )قال وقيل إن هذا في البعث دون الحشر، فليس بين الحديثين تضاد، قال وقوله (( عشرة على بعير ) )يعني أنهم يعتقبون البعير الواحد يركب بعضهم، ويمشي (الباقون) عقبا بينهم.
وقال الداودي يحملون على قدر أعمالهم، والاثنان على البعير أفضل من الثلاثة، والثلاثة أفضل من أكثر منهم.
وقوله (( تقيل معهم حيث قالوا ) )إلى آخره يدل أنهم يقيمون كذلك أياما.
وقال قتادة في تفسير قوله {لأول الحشر} [الحشر 2] هي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وترحل فيرحلون، وتأكل من تخلف.
وقوله (( أليس الذي أمشاه ) )إلى آخره، ظاهره أنه يمشي على وجهه حقيقة، وقيل هو مثل الكافر والمؤمن أن هذا ضال وهذا مهتد، وهذا قول مجاهد في تفسير قوله تعالى {أفمن يمشي مكبا على وجهه} [الملك 22] .
وقال قتادة في تفسير (الآية) بل هو حقيقة، وظاهر الآية هنا حجة له.
وقوله (( غرلا ) )أي غلفا غير مختونين، غلام أغرل، أي أقلف، والغرلة القلفة.
وقوله (( يهمهم ) )هو بضم أوله، يقال أهمني الأمر أحزنني، وأقلقني، وهمني المرض أذابني، وهممت بالشيء إذا أردته. قال ابن التين رويناه بالضم على أنه رباعي من أهمني الأمر، أي أقلقني، وفي بعض الروايات بفتحها لعله من همني المرض إذا أذابني، والأول أبين، قال تعالى {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} [آل عمران 154] .
وقوله (( إن أول الخلائق يكسى إبراهيم عليه السلام ) )فيه فضل له بذلك، ويؤتى محمد الشفاعة، ولم يؤتها أحد غيره.
وقوله (( فيؤخذ بهم ذات الشمال ) )إلى آخره هو تحذير لأصحابه أن لا يحدثوا بعده حدثا، ولعلهم المنافقون، ويحتمل أن يسموا له فلا يسميهم تحذيرا لغيرهم، ويحتمل أن لا يسموا له.
(( والعبد الصالح ) )عيسى صلوات الله وسلامه عليه.
(( والردة ) )الكفر بعد الإيمان، وارتد بعده قوم من العرب، وقتل من قتل على ردته، وأحرق الصديق بعضهم بالنار، ولعل بعض من راجع الإيمان لم يخلص إيمانه.
وقوله (( في قبة ) )إنما كان ذلك يفعل في السفر.
وقوله (( أترضون ) )إلى آخره خرج مخرج الاستفهام، وأريد به البشرى، وبشر بالأقل بالأول، ثم بالأكثر ليعلم سرورهم.
قوله (( كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ) )وفي الحديث الآتي في الباب بعده، أو (( كالرقمة في ذراع الحمار ) )، فالشعرة على التقليل والتكثير؛ لأنه لا يكون ثورا ليس في جلده إلا مائة شعرة، والرقمة يحتمل أن تكون على الحقيقة.
وقوله (( أخرج بعث جهنم ) )أي جنسها وأهلها، يقال كنت في بعث فلان. بفتح الباء، أي في جنسه الذي بعث.
وقوله (( من كل مائة تسعة وتسعين ) )قال الداودي هذا المحفوظ الموجود على العيان؛ لكثرة الأمم، وقلة المسلمين، وقال أيضا (( من يأجوج، ومأجوج ألفا إلا واحدا، ومنكم واحد ) )وهذا على التكثير؛ لأن سواهم من الكفار لا يدخلون الجنة، ومن لم يدخلها دخل النارص 4673
والحشر على أربعة أوجه حشران في الدنيا، ومثلهما في الآخرة، فأما اللذان في الدنيا، فقوله تعالى {لأول الحشر} [الحشر 2] .
قال الزهري كانوا من سبط لم يصبهم الجلاء، وكان الله قد كتبه عليهم، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام كما سلف.
قال ابن عباس من شك في أن الحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وذلك أنه عليه السلام قال لهم (( اخرجوا ) )قالوا إلى أين؟ قال (( إلى أرض المحشر ) )قال قتادة هذا أول الحشر.
الثاني ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الباب، وقال قتادة إنه نار تحشرهم كما سلف.
قال عياض هذا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها كما ذكره مسلم، وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس. وفي رواية تطرد الناس إلى محشرهم، وفي حديث آخر (( لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ) )ويدل أنها قبل يوم القيامة قوله (( فتقيل معهم ) )إلى آخره، وفي رواية لغير مسلم (( إذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام ) ).
وذكر الحليمي في (( منهاجه ) )أن ذلك في الآخرة، فقال يحتمل أن قوله عليه السلام (( يحشر الناس على ثلاث طرائق ) )إشارة إلى الأبرار، (والمخلطين) ، والكفار؛ فالأبرار هم الراغبون إلى الله فيما أعد لهم من ثوابه، والراغبون هم الذين بين الخوف والرجاء. فأما الأبرار فإنهم يأتون بالنجائب، وأما (المخلطون) فهم الذين أريدوا في الحديث، وقيل إنهم يحملون على الأبعرة.
وأما الفجار فهم المحشورون إلى النار، وذلك أن الله تعالى يبعث إليهم ملائكة؛ فيقيض لهم نارا تسوقهم، ولم يرد في هذا الحديث إلا ذكر البعير، فإما أن يكون ذلك من إبل الجنة أو من الإبل التي تجيء وتحشر يوم القيامة، فهذا ما لم يأت بيانه، والأشبه أن لا يكون من نجائب الجنة؛ لأنه حملها الأبرار وكان مع ذلك من جملة المؤمنين فإنهم بين الخوف والرجاء؛ لأن من هؤلاء من يغفر الله ذنوبه؛ فيدخلون الجنة، وإذا كان كذلك لم يبق أن يردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، ثم ينزل عنها بعضهم إلى النار؛ لأن من أكرمه الله بالجنة مرة لم يهنه بعد ذلك بالنار.
وفي لفظ عن أبي هريرة رضي الله عنه وذكر الحشر، (( أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك ) )، فهذا إن ثبت مرفوعا، فالركبان هم المتقون السابقون الذين يغفر الله ذنوبهم عند الحساب فلا يعذبهم، إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة، والآخرون على دواب سوى دواب الجنة.
وقال البيهقي الراغبون يحتمل أن تكون إشارة إلى الأبرار والراهبون المخلطون الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين تحشرهم النار هم الكفار، ويحتمل أن يكون هذا وقت الحشر إلى موقف الحساب.
وأما ما ورد من حشرهم حفاة عراة غرلا ففي وقت النشور من القبور، ويحتمل أن يكون هذا معنى قوله (( راغبون وراهبون ) )في وقت حشرهم إلى الجنة بعد الفراغ من الحساب، والأول أولى.
والصنف الثاني الذين يعذبهم الله بذنوبهم ثم يخرجهم من النار إلى الجنة، وهؤلاء يكونون مشاة على أقدامهم، وقد يحتمل على هذا أن يمشوا وقتا ويركبون ثم يركبون أو يكونوا ركبانا، فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا ليتفق الحديثان.
والصنف الثالث المشاة على وجوههم، وهم الكفار، وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف صنف مسلمون، وهم ركبان، وصنفان من الكفار، أحدهما الأعلام، فهؤلاء يحشرون على وجوهم، والآخرون الأتباع فهم يمشون على أقدامهم،
وفي (( غريب الرواية ) )أنه عليه السلام قال يوما لأصحابه (( كان رجل من بني إسرائيل كثيرا ما يفعل الخير حتى إنه ليحشر فيكم ) )قالوا وما كان
يصنع؟ قال (( ورث من أبيه مالا كثيرا فاشترى بستانا؛ فحبسه للملائكة، وقال هذا بستاني عند الله، وفرق دنانير(عديدة) في الضعفاء، وقال أشتري بهذا جارية من الله وعبدا، وأعتق رقابا كثيرة، وقال هؤلاء خدمي عند الله، والتفت ص 4674 ذات يوم إلى رجل ضرير البصر فرآه تارة يمشي، وتارة يكبو فابتاع له مطية يسير عليها، وقال هذه مطيتي عند الله أركبها، وقال والذي نفسي بيده لكأني أنظر إليها وقد جيء بها إليه مسرجة ملجمة فركبها ليسير بها إلى الموقف )).
وكان ما ذكره عياض من أن ذلك في الدنيا أظهر لما في نفس الحديث من ذكر المساء، والمبيت، والقائلة، والصباح، وليس ذلك في الآخرة، يوضحه حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا عند الترمذي (( يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم ) )وهذا يدل على أنه في الدنيا إذ ليس في الآخرة على ما سلف من أن المحشر على أرض كقرصة النقي، فليس فيها شوك ولا حدب.
روى أبو زيد عمر بن شبة في كتابه (( أخبار المدينة ) )عن أبي هريرة رضي الله عنه قال آخر من يحشر رجلان رجل من جهينة، وآخر من مزينة، فيقولان أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعالب، فينزل إليهما ملكان يسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس.
روى الطبراني في أوسط معاجمه من حديث معاذ مرفوعا (( يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاما، وإن صالح العبيد يدخلون الجنة قبل الآخرين بأربعين عاما، وإن أهل المدائن يدخلون الجنة قبل أهل الرساتيق بأربعين عاما لفضل المدائن بالجمعة والجماعات وحلق الذكر، وإذا كان بلاء خصوا به دونهم ) ).
وسمى المتقين وفدا لأنهم يسبقون الناس إلى حيث يدعون إليه، فهم لا ينتظرون أحدا لكنهم يجدون ويسرعون، والملائكة تتلقاهم بالبشارات، كما قال تعالى {وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} [الأنبياء 103] فيزيدهم ذلك إسراعا، وحق للمتقين أن يسبقوا لسبقهم في الدنيا إلى الطاعات.
(قوله) ( {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} ) [مريم 86] أي عطاشا وقال {ونحشر المجرمين يومئذ زرقا} [طه 102] ، وقال {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما} [الإسراء 97] وقال {الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا} [الفرقان 34] وهذا هو الحشر الرابع.