فهرس الكتاب

الصفحة 3382 من 3844

فيه حديث معن بن محمد الغفاري، بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله ) )إلى آخره الحديث.

تابعه أبو حازم وابن عجلان، عن المقبري.

حدثنا علي بن عبد الله، إلى آخره.

وقال الليث حدثني يونس وابن وهب، عن يونس، إلى آخره.

معنى الآية أولم نعمركم حتى شبتم، وهذا قول ابن عباس، والأكثر أن {النذير} هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول علي وابن زيد، وجماعة، وفيه قول ثالث أنه الموت إذا رآه ينزل بغيره، ومتابعة أبي حازم أخرجها الإسماعيلي من حديث ولده عبد العزيز بن أبي حازم، حدثني أبي، عن سعيد، به.

ومتابعة ابن عجلان أخرجها الطبراني في (( الأوسط ) )عن عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور بن المعتمر عنه.

وقوله (وقال الليث .. ) إلى آخره، كذا في الأصول، وقد وصله الإسماعيلي، فقال حدثنا الحسن، حدثنا حميد بن زنجويه، وحدثنا القاسم، حدثنا الرمادي جميعا عن أبي صالح، عن الليث به.

والتعليق عن شعبة في حديث أنس أخرجه النسائي من حديث ابن المبارك عنه عن قتادة بلفظ (( يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان ) ).

فلما كان أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه، أحب بقاءها فأحب العمر، وأحب سبب بقائها وهو المال، والهرم إنما يعمل في بدنه لا غير، وإذا أحس بقرب التلف عند الهرم قوى حبه للبقاء لعلمه بقرب الرحيل، وكراهته له، نبه عليه ابن الجوزي.

معنى (( أعذر .. أخر أجلهص 4605 حتى بلغ ستين ) )أي أعذر الله إليه غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده، أي أقام العذر في تطويل العمر، وأبانه له، فلم يبق له عذر، ولا حجة، إذ الستين قريب من معترك المنايا، وهو (سن) الإنابة والخشوع، والاستسلام لله تعالى، وترقب المنية، ولقاء الله تعالى، فهذا إعذار بعد إعذار في عمر ابن آدم لطفا من الله لعباده حين نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، وأعذر إليهم مرة بعد أخرى، ولم يعاقبهم إلا بعد الحجج اللائحة المنكية لهم، وإن كانوا قد فطرهم الله على حب الدنيا، وطول الأمل، فلم يتركهم مهملين، دون إعذار إليهم، وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثه الرسل إليهم، والأسنان أربعة سن الصبا وهو الذي يكون فيه دائم النمو، وهو إلى خمس عشرة سنة، وسن الشباب وهو الذي يتكامل فيه النمو ومبتدأ الوقوف، كأن القوة وقفت فيه، ومنتهاه في غالب الأحوال خمس وثلاثون سنة، وقد بلغ أربعين ثم منها يأخذ في النقص، قال الشاعر

كأن الفتى يرقى من العمر سلما ... إلى أن يجوز الأربعين وينحط

وسن الكهولة وهو الذي قد يبين فيه الانحطاط والنقصان مع بقاء من القوة، ومنتهاه في أكثر الأحوال ستون سنة، فمن بلغ الستين انتهى، وأثر فيه ضعف القوة، وجاءته نذر الموت، ودخل في سن المشايخ، ومن ذلك الزمان يزيد انحطاطه، ويقوى ظهور الضعف إلى آخر العمر، وقد قال يحيى بن يمان سمعت سفيان بن سعيد يقول من بلغ سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليرتد لنفسه كفنا.

وروي عن علي وابن عباس وأبي هريرة في الآية السالفة {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} [فاطر 37] قال يعني ستين سنة، وعن ابن عباس أيضا أربعون،

قال مالك أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم، ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس، واشتغلوا بالعبادة حتى يأتيهم. فبلوغ الأربعين نقل لابن آدم من حالة إلى حالة أرفع فيها في الاستعبار، والإعذار إليه، وقد أسلفنا قولا أن النذير الشيب، وله وجه، وذلك أنه يأتي في سن الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب، وهو نذير أيضا، ألا ترى قول إبراهيم عليه السلام حين رأى الشيب يا رب ما هذا، فقال له وقار، قال رب زدني وقارا؟ فبان رفق الله تعالى بعباده المؤمنين، وعظيم لطفه بهم، حتى أعذر عليهم ثلاث مرات، الأولى بنبيه، ثم بالأربعين، ثم بالستين لتتم حجته عليهم، وهذا أجل لإعذار الحكام إلى المحكوم عليهم مرة بعد أخرى.

ذكر ابن بطال حديث عتبان الآتي في الباب بعده في هذا الباب، وحديث أبي هريرة الآتي فيه، ثم قال فإن قيل ما وجه حديث عتبان في هذا الباب؟ قيل له وجه صحيح المعنى، وذلك أنه لما كان بلوغ الستين غاية الإعذار إلى ابن آدم، خشي البخاري أن يظن من لا يتسع فهمه أن من بلغ الستين وهو غير تائب أن ينفذ عليه الوعيد، فذكر قوله عليه السلام (( لن يوافي عبد يوم القيامة يقول لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله إلا حرم الله عليه النار ) ). وسواء أتى بها بعد الستين، أو بعد المائة لو عمرها.

وقد ثبت بالكتاب والسنة أن التوبة مقبولة مالم يغرغر ابن آدم، ويعاين قبض روحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت