فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 3844

ثنا علي بن الجعد عن أبي حمزة قال كنت أقعد مع ابن عباس. الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) في عشرة مواضع من صحيحه هنا وفي خبر الواحد وفي كتاب العلم وفي الصلاة وفي الزكاة وفي الخمس وفي مناقب قريش، وفي المغازي وفي الأدب وفي التوحيد، وأخرجه (م) في الإيمان والأشربة، ولم يذكر (خ) في شيء من طرقه قصة الأشج، وذكرها (م) في الحديث فقال عليه السلام للأشج أشج عبد القيس (( إن فيك لخصلتين يحبهما الله الأناة ) )، سلف التعريف بابن عباس وشعبة.

وأما أبو جمرة فهو بالجيم والراء وليس في (( الصحيحين ) )من يكنى بهذه الكنية غيره ولا من اسمه جمرة بل ولا في باقي الكتب الستة أيضًا، ولا في (( الموطأ ) )، وفي كتاب الجياني أنه وقع في نسخة أبي ذر عن أبي الهيثم بالحاء والزاي وذلك وهم، واسمه نصر بن عمران بن عصام، وقيل ابن عاصم بن واسع الضبعي البصري.

سمع ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه أيوب وغيره من التابعين وغيرهم. كان مقيمًا بنيسابور ثم خرج إلى مرو، ثم انصرف إلى سرخس وبها توفي سنة ثمان وعشرين ومائة، وثقته متفق عليها.

والضبعي بضم المعجمة ثم موحدة ثم عين مهملة نسبة إلى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. قال أبو أحمد الحاكم ليس في المحدثين أبو جمرة غيره وما عداه أبو حمزة بالمهملة.

وقد روى (م) عن أبي حمزة _ بالمهملة _ عمران بن أبي عطاء القصاب بياع القصب الواسطي حديثًا واحدًا عن ابن عباس فيه ذكر معاوية. ص 249

وأما علي بن الجعد فهو الإمام أبو الحسن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري الهاشمي مولاهم البغدادي، سمع الثوري ومالكًا وغيرهما، وعنه أحمد (( خ ود ) )وغيرهم.

قال يحيى بن معين هو رباني العلم ثقة ثقة فقيل له هذا الذي كان منه يعني أنه كان يتهم بالجهم فقال ثقة صدوق، وقيل إن الذي كان يقول بالجهم ولده الحسن قاضي بغداد، وأقوالهم في الثناء عليه مشهورة. وبقي ستين سنة أو سبعين يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولد سنة ست وثلاثين ومائة، ومات سنة ثلاثين ومائتين، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد انتهى.

أقول معنى قوله بالجهم نسبة إلى قول الجهمية وهم أصحاب جهم بن صفوان، وهو من الخبرية الخالصة ظهرت بدعية تبريد، وقتله سالم بن أحوز المازني بمرو آخر ملك بني أمية، ووافق المعتزلة في بني الصفات الأولية، وزاد عليهم بأشياء منها قوله لا يجوز أن يوصف تعالى بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي شبهًا فنفي كونه حيًا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا فاعلًا خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق.

ومنها إتيانه علومًا حادثة للباري تعالى لا في محل قال لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه لأنه لو علم ثم خلق له فبقي علمه على ما كان عليه أم لم يبق، فإن بقي فهو جهل فإن العلم بأنه سيوحد على العلم بأنه وجد، وإن لم يبق فقد تغير، والتغير مخلوق ليس بقديم ومنها قوله في القدرة الحادثة أن الإنسان ليس بقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختبار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال على حسب ما يخلق في سائر الجمادات وينسب إليه الأفعال مجازًا كما ينسب إلى الجمادات كما يقال أثمرة الشجرة وجرى الماء وتحرك الحجر إلى غير ذلك.

والثواب والعقاب جبر كما أن الأفعال جبر قال وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضًا كان جبرًا، ومنها قوله أن حركات أهل الخلدين تنقطع والجنة والنار يعنيان بعد دخول أهلها فيهما، وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها، إذ لا يتصور حركات لا تتناهى آخرًا كما لا يتصور حركات لا تتناهى أولًا.

وحمل قوله تعالى {خالدين فيها} على المبالغة، والتأكيد دون الحقيقة في التحليل كما يقال خلد لبنيه مالك فلان واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} فالآية اشتملت على شريطة واستثناء والخلود والتأبيد لا شرط فيه ولا استثناء، ومنها قوله من أتى بمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده لأن العلم والمعرفة لا تزول بالجحد فهو مؤمن.

قال والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل قال ولا يتفاضل أهله فيه فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد إذ المعارف لا تتفاضل، وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه، ونسبته إلى التعطيل المحض هذا آخر كلام الشهر الثاني في (( الملل والنحل ) ).

قوله (( كنت أقعد مع ابن عباس ) )يعني زمن ولايته البصرة من قبل علي، وللبخاري في كتاب العلم عنه كنت أترجم بين ابن عباس والناس، ولمسلم كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس. قيل إن لفظة يدي زائدة؛ لتتفق الروايات.

وقيل التقدير بينه وبين الناس.

والترجمة التعبير بلغة عن لغة لمن لا يفهم، وقيل كان يتكلم بالفارسية، وكان يترجم لابن عباس عمن تكلم بها.

قال ابن الصلاح وعندي أنه كان يترجم عن ابن عباس إلى من خفي عليه من الناس لزحام أو لاختصار يمنع من فهمه، وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بأخرى، فقد أطلقوا على قولهم باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبر عما يذكره بعد.

وفيه جواز الترجمة والعمل بها، وجواز المترجم ص 250 الواحد؛ لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة على المشهور.

والسرير معروف، وجمعه سرر بضم الراء كما في القرآن الشريف، ويجوز فتحها، وكذا ما أشبهها من المضعف كجديد وجدد ونظائره يجوز فيها ضم الثاني وفتحه، والضم أشهر، والفتح حكاه الواحدي والجوهري وغيرهما، ولا وجه لمن أنكره.

وفيه استحباب إكرام كبير القدر من جلسائه.

ومعنى (( أقم عندي ) )أي لتساعدني على فهم كلام السائلين، فإنه كان يترجم له كما سلف.

والوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقاء العلماء في المهمات. واحدهم وافد. قال ابن سيده يقال وفد عليه وإليه وفدًا ووفودًا، ووفادة وإفادة على البدل قدم، وأوفده عليه، وهم الوفد والوفود.

فأما الوفد فاسم للجمع، وقيل جمع. وأما الوفود فجمع وفد وفد أوفده إليه.

وفي (( الصحاح ) )وفد فلان على الأمير رسولًا، والجمع وفد، وجمع الوفد أوفاد، والاسم الوفادة، وأوفدته أنا إلى الأمير أرسلته.

وقال القاضي هم القوم يأتون الملك ركبانًا، ويؤيد ما ذكره أن ابن عباس فسر قوله تعالى {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدًا} [مريم85] قال ركبانًا.

وفد عبد القيس تقدموا قبائل عبد القيس المهاجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أربعة عشر راكبًا رئيسهم الأشج العصري، واسمه المنذر بن عائذ بالذال المعجمة، وقال الكلبي المنذر بن الحارث بن زياد، وقيل المنذر بن عامر، وقيل ابن عبيد، وقيل عبد الله بن عوف، قاله ابن سعد، ولقب بالأشج؛ لأثر كان في وجهه وسبب وفادتهم؛ أن منقذ بن حبان أحد بني تميم بن وديعة كان متجره إلى يثرب بملاحف وعرص هجر بعد الهجرة فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فنهض منقذ إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمنقذ بن حبان (( كيف جمع قومك؟ ) )ثم سأله عن أشرافهم تسميتهم. فأسلم منقذ وتعلم الفاتحة وأقرأ ثم رحل إلى هجر. فكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جماعة عبد القيس فكتمه، ثم اطلعت عليه امرأته وهي بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة بن المنذر بن الحارث بن النعمان ورفع نسبه إلى نزار.

والمنذر هذا هو الأشج سماه عليه السلام به؛ لأثر كان في وجهه وكان منقذ يصلي ويقرأ، فذكرت لأبيها فتلاقيا، فوقع الإسلام في قلبه ثم ثار الأشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم، وأجمعوا على السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار الوفد، فلما دنوا من المدينة قال النبي صلى الله عليه وسلم (( أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج العصري غير ناكبين ولا مبدلين ولا مرتابين ) ).

قال القاضي وكان وفودهم عام الفتح قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة.

والقيس في اللغة الشدة، وبه سمي امرؤ القيس. أي رجل الشدة.

قوله (( من القوم أو من الوفد؟ ) )هو شك من بعض الرواة قالوا ربيعة هذا نسبة إلى جدهم الأعلى.

قوله (( مرحبًا ) )هو من الرحب بضم الراء ص 251 وهو السعة، والرحب بالفتح الشيء الواسع. ومرحبًا منصوب بفعل مضمر لا يظهر؛ أي صادفت رحبًا، وأتيت رحبًا وسعة فاستأنس. وقال الفراء معناه رحب الله بك مرحبًا كأنه وضع موضع الترحيب، والعرب تقول مرحبك الله ومسهلك، ومرحبًا بك وسهلًا. ذكره الهروي وغيره، والمراد البر والإكرام وحسن اللقاء.

قوله (( غير خزايا ولا ندامى ) )وجاء في غير هذا الموضع (( غير الخزايا ولا الندامى ) )بالألف فيهما، وفي رواية (م) (( غير خزايا ولا الندامى ) )وكله صحيح و (( غير ) )منصوب على الحال. هكذا الرواية، وتؤيده رواية (خ) في موضع آخر (( مرحبًا بالقوم الذين جاءوا غير خزايا ولا ندامى ) ).

وأشار صاحب (( التحرير ) )إلى أنه روي بالكسر على الصفة للقوم، والمعروف الأول، والخزايا جمع خزيان كحيران وحيارى، والخزيان المستحيي.

وقيل الذليل المهان ويقال خزي الرجل يخزى خزيًا إذا هلك، وخزي خزايةً إذا استحيا قال ويحتمل أن يريد أنكم لن تقعوا في بلية، قال ابن السكيت خزي إذا وقع في بلية.

وأما الندامى جمع ندمان، بمعنى نادم وهي لغة في نادم حكاها القزاز والجوهري، وعلى هذا هو على بابه، وقيل جمع نادم اتباعًا للخزايا، وكان الأصل نادمين فأتبع لخزايا تحسينًا للكلام، وهذا الاتباع كثير في كلام العرب.

ومنه قوله عليه السلام (( ارجعن مأزورات غير مأجورات ) )، ولو أفرد لقال مأزورات. قالوا ومنه قول العرب إني لآتيه بالغدايا والعشايا. جمعوا الغداة غدايا؛ إتباعًا، وأصله غدوات.

ومعنى غير ندامى أنه لم يكن منهم تأخر عن الإسلام ولا عناد، ولا أصابكم إسار ولا سبيًا ولا ما أشبه ذلك مما يستحيون بسببه أو يذلون أو يهانون أو يندمون، فهذا إظهار لشرفهم حيث دخلوا في الإسلام طائعين من غير خزي ثم لما أسلموا احترموا.

قوله (( إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام ) ).

المراد جنس الأشهر الحرم، وهي أربعة ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وفي رواية لمسلم (( في أشهر الحرم ) ). أي في أشهر الأوقات الحرم، وإنما مكنوا في هذه الأشهر دون غيرها؛ لأن العرب كانت لا تقاتل فيها، وما ذكرناه من عد الأشهر الحرم هو المستحسن في عدها، وقيل تعد من سنة واحدة فيبدأ بالمحرم.

قوله (( وبيننا وبينك ) )أي في طريقنا من المدينة نمر عليهم. وأصل الحي منزل القبيلة ثم سميت به اتساعًا؛ لأن بعضهم يحيا ببعض، قاله في (( المطالع ) ).

وقال ابن سيده إنه بطن من بطون العرب، قال الكلبي وأول العرب شعوب ثم قبائل ثم عمائر ثم بطون ثم أمجاد ثم فصائل ثم عشائر، وقدم الأزهري العشائر على الفصائل قال وهم الأحياء.

وذكر الجواني في (( الفاضلية ) )أن العرب على طبقات عشر أعلاها الجذم ثم الجمهور ثم الشعوب واحدها شعب ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرهط.

وقال ابن دريد الحي الشعب العظيم من الناس.

قوله (( فصل ) )أي بين واضح ينفصل به المراد ولا يشكل.

قوله (( نخبر ) )بالرفع على الصفة لأمر، قال القرطبي كذا قيدناه.

وقوله (( وندخل به الجنة ) )يجوز رفعه على الصفة وجزمه على جواز الأمر.

قال القرطبي قيدناه بهما ص 252 كأنه قال إن أمرتنا بأمر واضح فعلناه ورجونا دخول الجنة به.

قوله (( وندخل ) )هو هنا بالواو، وفي (خ) أيضًا و (م) بحذفها.

قوله (( فأمرهم بأربع، بالإيمان بالله وحده ) )إلى آخره. وعد خمسة ويجاب بأنه أمرهم بالأربع التي وعدهم ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس؛ لأنهم كانوا مجاورين كفار مضر فكانوا أهل جهاد.

ويكون قوله (( وأن تعطوا من المغنم الخمس ) )معطوفًا على أربع؛ أي أمرهم بأربع وبأن يعطوا، والشهادتان في حكم واحد. وجواب ثان وهو أن أول الأربع إقام الصلاة، وذكر كلمة التوحيد؛ لأنها الأساس، وقد رواه (خ) في كتاب الأدب وفيه (( أقيموا الصلاة ) )إلى آخره وليس فيه ذكر الشهادة، وفي بعض طرقه حذف الصوم.

أقول ويمكن أن يقال أن الشهادتين لم يكون مأمورًا بهما حقيقة؛ لأن هذا الخطاب كان إيمانهم فلم يبق فائدة في قوله أمركم بالإيمان، وإنما ذكره تقريرًا لما سبق من أمرهم حيث أمروا بالإيمان أولًا ويندفع الإشكال وإلا يبقى تكرارًا فإنه أولًا أمرهم فآمنوا ثم يأمرهم ثانيًا بالإيمان وبغيره ونصير عيان وسيد الفصحاء والبلغاء والابتناء معصوم مصون عن مثل ذلك.

وهذا الحديث موافق لحديث (( بني الإسلام على خمس ) )ولتفسير الإسلام في حديث جبريل، وقد سلف أن ما يسمى إسلامًا يسمى إيمانًا. قيل وإنما لم يذكر هنا الحج؛ لأنه لم يكن فرض بعد، وفيه نظر؛ لأن هذا كان عام الفتح، والحج فرض قبل ذلك إما سنة خمس أو ست.

قال القاضي والجهاد لم يكن فرض أيضًا لأن فرضه العام نزل في سورة براءة سنة ثمان بعد الفتح. قال وجاء في بعض طرق هذا الحديث حذف الصوم وهو إغفال من الراوي.

قوله (( الخمس ) )بضم الميم وتسكن وكذا الثلث والربع إلى العشر يضم ثانيه ويسكن.

وفيه فيه دلالة على وجوب الخمس في الغنيمة وإن لم يكن الإمام في السرية الغازية.

و (( الحنتم ) )بفتح الحاء المهملة وإسكان النون ثم مثناة فوق مفتوحة جرار خضر على أصح الأقوال، وقد جاء في (م) في كتاب الأشربة تفسيره بها.

وقيل الجرار مطلقًا.

وقيل جرار مقيرات الأجوف يؤتى بها من مضر، زاد بعضهم أنها حمر.

وقيل أنها جرار حمر أعناقها، وقيل أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من مضر، وقيل من الطائف، وكان ناس ينتبذون يضاهون به الخمر.

وقيل جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم، وعبارة (( المحكم ) )أنها جرار خضر تضرب إلى الحمرة.

والخطابي إنها جرار مطلية بما يسد مسام الخزف ولها التأثير في الانتباذ؛ لأنها كالمزفت. وعبارة ابن حبيب هي الجر وكل ما كان من فخار أبيض أو أخضر. ورد عليه بأنها ما طلي من الفخار بالحنتم المعمول من الزجاج وغيره.

والدباء بالمد اليقطين اليابس أي الوعاء منه، وهو بضم الدال وقد تكسر وقد يقصر.

والنقير هو جذع ينقر وسطه وينبذ فيه كما جاء في (م) مبينًا مرفوعًا.

والمقير المزفت وهو المطلي بالقار وهو الزفت، وقيل الزفت نوع من القار. وفي (م) عن ابن عمر قال المزفت هو المقير. وعبارة ابن سيده وغيره أنه شيء أسود تطلى به الإبل والسفن. وقال أبو حنيفة إنه شجر مر.

والنهي عن الانتباذ في هذه الأربع هو أن يجعل في الماء حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما؛ ليحلو ويشرب؛ لأنه ص 253 يسرع فيها الإسكار فيصير حرامًا وتبطل ماليته، ففيه إضاعة المال، وربما شربه بعد أن صار مسكرًا ولا يدري.

ولم ينه عن الانتباذ في أسقية الأدم بل أذن فيها؛ لأنها لرقتها لا يبقى فيها المسكر بل إذا صار مسكرًا شقها غالبًا، ثم إن هذا النهي كان في أول الإسلام ثم نسخ، ففي (م) من حديث بريدة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية ) )الحديث.

هذا مذهب الشافعي والجمهور، وذهبت طائفة إلى أن النهي باق، منهم مالك وأحمد وإسحاق حكاه الخطابي عنهم قال وهو مروي عن عمر وابن عباس، وذكر ابن عباس هذا الحديث لما استفتي دليل على أنه يعتقد النهي ولم يبلغه الناسخ، والصواب الجزم بالإباحة؛ لصريح النسخ.

قوله (( وأخبروا به ) )فيه دلالة على قبول خبر الواحد، وقد أخرجه (خ) فيه، فما سلف، وقوله (( من ) )هو بفتح الميم، ورواه (م) مرة كذلك ومرة بكسرها والهمز في (( وراءكم ) )، وقوله أولًا (( من وراءنا ) ). لا خلاف أنه مفتوح الميم.

وقد اشتمل هذا الحديث على أنواع من العلوم وقد أشرنا إلى بعضها، ومنها وفادة الفضلاء والرؤساء إلى الأئمة عند الأمور المهمة.

ومنها تقديم الاعتذار بين يدي المسألة.

ومنها بيان مهمات الإسلام وأركانه سوى الحج.

ومنها أن الأعمال تسمى إيمانًا وهو مراد (خ) هنا.

ومنها ندب العالم إلى إكرام الفاضل.

ومنها استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم كما فعلع ابن عباس.

ومنها استحباب قول الرجل لزواره مرحبًا.

ومنها أنه ينبغي للعالم أن يحث الناس على تبليغ العلم وإشاعة أحكام الإسلام.

ومنها أنه لا عيب على طالب العلم إذا قال للعالم أوضح لي الجواب.

ومنها جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا لم يخف فتنة بإعجاب ونحوه.

ومنها الترجمة في الفتوى وجاء في هذا الخبر أن وفد عبد القيس لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقام الأشج فجمع رحالهم وعقل بالله ولبس ثيابًا جددًا، ثم أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقربه وأجلسه إلى جانبه، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم (( تبايعوني على أنفسكم وقومكم؟ ) )فقال القوم نعم. فقال الأشج يا رسول الله، إنك إن تزايل الرجل عن شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا وترسل معنا من يدعوهم، فمن اتبع كان منا، ومن أبى قاتلناه. قال (( صدقت، إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة ) ).

وجاء في (( مسند أبي يعلى ) )فقال يا رسول الله، كانا في أم حدثا؟

قال (( بل قديم ) ). قال الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله تعالى.

والأناة بفتح الهمزة مقصور هي تربصه حتى نظر في مصالحه. وهي الأناة، والثانية الحلم وهي هذه الأخيرة الدالة على صحة عقله وجودة نظره للعواقب.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( كنت أقعد ) )فإن قلت كنت ماض وأقعد إما للحال أو الاستقبال فما وجه التوفيق بينهما. قلت أقعد حكاية عن الحال الماضية فهو ماض وذكر بلفظ الحال استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين.

قوله (( فيجلسني ) )عطف على أقعد. فإن قلت الإجلاس قبل القعود فكيف جاء بالفاء التعقيبية. قلت الإجلاس على السرير بعد القعود وما الدليل على امتناعه.

قوله (( السرير ) )جمعه أسرة وسرر بضمتين وجاز فتح الراء، وقيل هو مأخوذ من السرور لأنه مجلس السرور.

قوله (( سهمًا ) )أي نصيبًا والجمع السهمان بالضم (( ومعه ) )أي مصاحبًا له. فإن قلت لم عدل عن المطابقة حيث قال معه ولم يقل عنده. قلت مبالغة لأن المصاحبة أبلغ من العندية.

قوله (( غير خزايا ) )غير منصوب على الحال. فإن قلت إنه بالإضافة صار معرفة فكيف يكون حالًا؟ ص 254 قلت شرط تعرفه أن يكون المضاف قيدًا للمضاف إليه ونحوه وهنا ليس كذلك، ويروى أيضًا بكسر الغير صفة للقوم.

فإن قلت أنه نكرة كيف وقعت صفة للمعرفة. قلت المعرف بلام الجنس قرب المسافة بينه وبين النكرة فحكمه حكم النكرة إذ لا توقيف ولا تعيين فيه.

قوله (( ندامى ) )جمع ندمان يعني النادم فهو على بابه، وقيل جمع نادم وكان الأصل نادمين فاتبع الخزايا تحسينًا للكلام كما يقال لا دريت ولا تليت.

قوله (( بأمر فصل ) )بالصفة لا بالإضافة والأمر إما واحد الأوامر؛ أي القول الطالب للفعل وإما واحد الأمور؛ أي الشأن وفصل إما بمعنى الفاصل كالعدل أي مفصل بين الحق والباطل وإما بمعنى المفصل أي واضح بحيث ينفصل به المراد عن غيره.

قوله (( من وراءنا ) )أي بحسب المكان من البلاد البعيدة عن المدينة، ويحتمل أن يراد بحسب الزمان؛ أي أولادنا وأحلافنا، والظاهر أن المراد به قومهم وفي بعض الروايات من ورائنا بكسر الميم، وفيه الوجوه الثلاثة أيضًا.

قوله (( أمرهم بالإيمان ) )فإن قلت كيف قال أمرهم بأربع ثم قال أمرهم بالإيمان. قلت الإيمان باعتبار الأجزاء الأربعة صح إطلاق الأربع عليه.

قوله (( شهادة ) )هذا دليل على أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد؛ لأنه فسر الإسلام فيما مضى بما فسر الإيمان ههنا ولم يذكر الحج؛ لأنه لم يفرض حينئذ لأن وفادتهم كانت سنة ثمان عام الفتح ونزلت فريضة الحج سنة تسع من الهجرة أو لأنه صلى الله عليه وسلم علم أنهم لا يستطيعون الحج إما لسبب كفار مضر وإما لغيره.

أقول ما قاله والدي رحمه الله تعالى فيه نظر، وذلك أن عدم استطاعتهم بسبب كفار مضر أو لغيره لا يصير سببًا لعدم ذكر ما هو واجب عليهم بحسب الشرع غاية ما في الباب كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} فإن الله تعالى ذكر وجوب الحج على المؤمنين، ثم استثنى غير المستطيعين وعلى ما قاله فيه إشكال.

قوله (( أن تعطوا ) )فإن قلت لم عدل عن لفظ المصدر الصريح إلى ما في معنى المصدر وهي أن مع الفعل المضارع. قلت إشعارًا بمعنى التجدد الذي للفعل؛ لأن سائر الأركان كانت ثابتة قبل ذلك بخلاف إعطاء الخمس فإن فريضته كانت متجددة.

النووي عد جماعة الحديث من المشكلات حيث قال أمرهم بأربع والمذكور خمس واختلفوا في الجواب عنه، والصحيح ما قاله ابن بطال أنه عد الأربع التي وعدهم ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس؛ لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر وكانوا أهل جهاد وغنائم، وما قاله ابن الصلاح أن وأن تعطوا عطف على أربع؛ أي أمرهم بأربع وأن يعطوا.

وأقول ليس الصحيح ذلك؛ لأن البخاري عقد الباب على أن أداء الخمس من الإيمان، فلا بد أن يكون داخلًا تحت أجزاء الإيمان كما أن ظاهر العطف يقتضي ذلك بل الصحيح ما قيل أنه لم يجعل الشهادة بالتوحيد وبالرسالة من الأربع لعلمهم بذلك، وإنما أمرهم بأربع لم يكن في علمهم أنها دعائم الإيمان.

الطيبي من عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصبًا لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض مطرح فههنا لما لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مقرين بها بدليل قولهم الله ورسوله أعلم، ولكن كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما وأنهما ص 255 كافيان لهم وكان الأمر في أول الإسلام كذلك لم يجعله الراوي من الأوامر وجعل الإعطاء منها؛ لأنه هو الغرض في الكلام؛ لأنهم كانوا أصحاب غزوات مع ما فيه من بيان أن الإيمان غير مقصور على ذكر الشهادتين.

القاضي البيضاوي الظاهر أن الأمور الخمسة تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة المأمور بها والثلاثة الباقية حذفها الراوي نسيانًا أو اختصارًا، ويحتمل أن يقال أمرهم بالإيمان ليس تفسيرًا لقوله أمرهم بأربع بل هو مستأنف، وتفصيله الأربعة المذكورة بعد الشهادة وإقام خبر مبتدأ محذوف، وفي الكلام تقديم وتأخير؛ أي أمرهم بالإيمان إلى آخره ثم أمرهم عقيبه بأربع ونهاهم عن أربع، والمأمورات الأربع إقام إلى آخره، وأقول فله أجوبة خمسة.

قوله (( الحنتم ) )هي الجرار الخضر والدباء والمزفت والنقير ذكر معناها كما سبق قال فإن قلت السؤال عن المظروف، والجواب بالظروف فما توجيهه؟ قلت المراد من إطلاق المحل هو الحال أي في الحنتم ونحوه والقرينة ظاهرة.

الطيبي معنى قوله (( عن الأشربة ) )أي عن ظروف الأشربة محذوف المضاف أو عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة محذوفة الصفة.

قال الزركشي أداء الخمس روي بضم الحاء وفتحها، وفي الحديث شاهد للأمرين فإن فيه ذكر الغنيمة وذكر قواعد الإسلام.

قوله (( في الشهر الحرام ) )كذا بتعريفهما، وقيل الرواية الصحيحة في شهر الحرام بتعريف الحرام، وإضافة الشهر ثالثه من إضافة الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع؛ أي شهر الوقت الحرام ويعنون به رجبًا لتفرده بالتحريم من بين شهور الحل بخلاف سائر الأشهر الحرم فإنها متوالية ويروى شهر حرام بتنكير بهما وهو يصلح لرجب وحده، ولجميع الأشهر الحرم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت