فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال الأشعث بن قيس قال النبي صلى الله عليه وسلم (( شاهداك أو يمينه ) ). [انظر 2515، 2516] وهذا سلف عنده مسندا.
ثم قال وقال ابن أبي مليكة لم يقد بها معاوية رضي الله عنه.
وهذا قال ابن المنذر فيه روينا عن معاوية وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا القسامة توجب العقل، ولا (تشترط) الدم.
قال البيهقي روينا عن معاوية خلافه.
وقال ابن بطال (قوله) (لم يقد بها معاوية) ، لا حجة فيه مع خلاف السنة (له) والخلفاء الراشدين الذين أقادوا بها، أو يحتمل أن تكون المسألة لا لوث فيها، وقد صح عن معاوية أنه أقاد بها، قال البيهقي وأصح ما روي في القتل بالقسامة وأعلاه بعد حديث سهل ما رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد [عن أبيه] قال حدثني خارجة ابن زيد بن ثابت قال قتل رجل من الأنصار وهو (سكران) رجلا من بني (النجار) ، ولم يكن على ذلك شهادة إلا (لطخ) وشبهه فاجتمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول، ثم يسلم إليهم فيقتلوه، قال خارجة فركبت إلى معاوية فقصصت عليه القصة، فكتب إلى سعيد بن العاصي إن كان ما ذكرنا [له] حقا أن يحلفنا على القاتل، ثم يسلمه إلينا، فجئت إلى سعيد بالكتاب فأحلفنا خمسين يمينا ثم سلمه إلينا.
وروينا عن عمر رضي الله عنه أنه قال القسامة توجب العقل ولا (تسقط بالدم) ، وهو عن عمر منقطع.
وحدثنا ابن نمير حدثنا سعيد عن قتادة أن سليمان بن يسار حدث أن عمر ابن عبد العزيز قال ما رأيت مثل القسامة (قط) أقيد بها، والله تعالى يقول {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق 2] ص 4898 وقالت الأسباط {وما شهدنا إلا بما علمنا} [يوسف 81] قال سليمان فقلت القسامة حق، قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكأن البخاري ذهب إلى ترك القتل بالقسامة لما ذكره من الآثار التي صدر بها الباب بغير إسناد.
وحديث القسامة ذكره قبل التفسير، وفي باب الموادعة والمصالحة مع المشركين في باب فرض الخمس.
وروى ابن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب، عن عمرو، عن الحسن أن أبا بكر وعمر والجماعة الأول لم يكونوا يقتلون بالقسامة.
وحدثنا عبد الرحيم بسنده عن إبراهيم قال القود بالقسامة جور.
وفي رواية أبي معشر القسامة يستحق فيها الدية، ولا يقاد فيها،
وكذا قاله قتادة. وقال الزهري لا يقتل بالقسامة إلا واحد.
ثم قال البخاري وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة إلى آخره وهذا خلاف ما أسلفناه عنه.
ثم ساق البخاري أيضا من حديث أبي نعيم، حدثنا سعيد إلى آخره وسعيد هذا هو أبو الهذيل الطائي الكوفي، أخو عقبة، اتفقا عليه.
قال ابن عبد البر وما نعلم في شيء من الأحكام المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاضطراب والتضاد ما في هذه القصة، فإن الآثار فيها متضادة متدافعة، وهي قصة واحدة.
وذكر أبو القاسم البلخي في (( معرفة الرجال ) )عن ابن إسحاق قال سمعت عمرو بن شعيب يحلف في المسجد الحرام والله الذي لا إله إلا هو إن حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة ليس كما حدث، ولقد أوهم.
وذكر أبو داود سليمان بن الأشعث بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن بجيد أن سهلا والله أوهم الحديث أنه عليه السلام كتب إلى يهود وقد وجد بين أظهرهم قتيل (( فدوه ) )، فكتبوا يحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلا، فوداه رسول الله من عنده بمائة ناقة،
وقال أبو عمر لم يخرجه البخاري إلا لإرسال مالك (له) ، وقد خطأ جماعة من أهل الحديث حديث سعيد بن عبيد، وذموا البخاري في تخريجه، وتركه رواية يحيى بن سعيد.
قال الأصيلي أسنده عن يحيى شعبة، وسفيان بن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي، وعيسى بن حماد، وبشر بن المفضل، وهؤلاء ستة، وأرسله مالك عن يحيى بن سعيد (عن) بشير بن يسار، ولم يذكر سهل بن أبي حثمة،
ثم ساق البخاري من حديث أبي رجاء واسمه سلمان، من آل أبي قلابة حدثنا أبو قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس، ثم أذن لهم فدخلوا فقال ما تقولون في القسامة؟ ثم ساقه بطوله.
وقد اختلف العلماء (في القسامة) ، فقال الجمهور القسامة ثابتة عن الشارع يبدأ فيها المدعون بالأيمان، فإن حلفوا استحقوا، وإن نكلوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا (وبرئوا) . وهو قول أهل المدينة يحيى بن سعيد وأبي الزناد وربيعة ومالك، والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور، وحجتهم حديث البخاري السالف الذي ذكرناه أولا، وهو صريح، يبدأ به المدعين للدم باليمين. وذهبت طائفة إلى أنه يبدأ بأيمان المدعى عليهم ويذرون. روي عن عمر والشعبي والنخعي، وبه قال الثوري والكوفيون وأكثر البصريين واحتجوا بحديث سعيد بن عبيد، عن بشير بن يسار أنه عليه السلام قال للأنصار (( تأتون بالبينة على من قتله؟ ) )قالوا ما لنا بينة. قال ص 4899 (( فيحلفون لكم؟ ) )قالوا ما نرى بأيمان يهود. فأبوا، فبدأ بأيمان المدعى عليهم، وهم اليهود.
وفيها قول ثالث وهو التوقف عن الحكم بالقسامة. روي عن سالم بن عبد الله وأبي قلابة وعمر بن عبد العزيز والحكم بن عتيبة.
واحتج الجمهور بأن قالوا حديث سعيد بن عبيد في تبدئة اليهود وهم عند أهل الحديث كما سلف؛ لأن جماعة من أهل الحديث أسندوا حديث بشير بن يسار، عن سهل أنه عليه السلام بدأ بالمدعين.
قال أحمد الذي أذهب إليه في القسامة حديث يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، وقد وصله عنه حفاظ، وهو صحيح من حديث سعيد بن عبيد.
قال الأصيلي فلا يجوز أن يعترض بخبر واحد على خبر جماعة، مع أن سعيد بن عبيد قال في حديثه فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إبل الصدقة. والصدقة لا تعطي في الديات ولا يصالح بها عن غير أهلها.
قال ابن القصار والمهلب وقد يجمع بين حديث سعيد ويحيى بأنه عليه السلام قال للأنصار (( أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه؟ ) )بعد علمه أن الأنصار قد نكلوا عن اليمين؛ لأنهم لم يعينوا أحدا من اليهود فيقسموا عليه. والقسامة لا تكون إلا على معين، فلما علم نكولهم رد اليمين. وفي حديث يحيى حين (تكلم) حويصة ومحيصة وعبد الرحمن، فقال لهم (( فتبرئكم يهود بأيمان ) )بعد أن قال لهم (( تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم ) )وقد روى ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه (أنه عليه السلام) قال (( البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة ) )أخرجه الدار قطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج به. فبين أن اليمين في القسامة لا تكون في جهة المدعى عليه.
وقد احتج مالك، في (( الموطأ ) )لهذه المسألة بما فيه الكفاية، فقال إنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق أن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه، وأن الرجل إذا [أراد] قتل الرجل [لم يقتله] في جماعة من الناس وإنما يلتمس الخلوة فلو لم تكن القسامة إلا فيما تثبت فيه البينة وعمل فيها كما يعمل في الحقوق بطلت الدماء واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها، ولكن إنما جعلت إلى ولاة المقتول ليبدءون بها ليكف الناس عن الدم، وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك بقول المقتول. وهذا الأمر المجمع عليه عندنا، والذي سمعت ممن أرضى، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث أن يبدأ المدعون فإن قلت الشارع إنما قال (( تحلفون وتستحقون دم صاحبكم ) )على وجه الاستعظام لذلك والإنكار عليهم والتقرير لا على وجه الاستفهام لهم. فالجواب أنه لا يجوز أن يريد الإنكار عليهم أصلا، وذلك أن القوم لم يطلبوا فينكر ذلك عليهم، وإنما طلبوا الدم فبدأهم وقال لهم (( أتحلفون؟ ) )فعلم أنه شرع لهم اليمين وعلق استحقاقه الدم بها، وإنما كان يكون منكرا عليهم لو بدءوا وقالوا نحن نحلف.
وأما الذين أبطلوا الحكم بالقسامة، فإنهم ردوها بآرائهم لخلافها عندهم حديث (( البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ) )وهو خص القسامة بتقدمة المدعي بالأيمان وسنه لأمته ص 4900.
وقد كانت في الجاهلية خمسين يمينا على الدماء فأقرها الشارع فصارت سنة، بخلاف الأموال التي سن فيها يمينا واحدة، والأصول لا يرد بعضها بعضا ولا يقاس بعضها علي بعض؛ بل يوضع كل واحد منها موضعه كالعرايا والمزابنة والمساقاة والقرائن مع الإجارات، وعلى المسلمين التسليم في كل ما سن لهم.
اختلفوا في وجوب القود بها فأوجبت طائفة القود بها، روي عن عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والزهري وربيعة وأبي الزناد وابن أبي ذئب، وبه قال مالك والليث وأحمد وداود وأبو ثور، واحتجوا بحديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أنه عليه السلام قال للأنصار (( أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم؟ ) )وهذا يوجب القود،
وقالت أخرى لا قود بها وإنما توجب الدية، روي عن عمر وابن عباس وهو قول النخعي والحسن، وإليه ذهب الثوري والكوفيون والشافعي في مشهور مذهبه وإسحاق، واحتجوا بما رواه مالك عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله، عن سهل بن أبي حثمة، وهو قوله عليه السلام للأنصار (( إما أن تدوا صاحبكم أو تؤذنوا بحرب ) ). وهذا يدل على الدية لا على القود.
قالوا ومعنى قوله عليه السلام في حديث يحيى بن سعيد (( وتستحقون دم صاحبكم ) )يعني به دية دم قتيلكم؛ لأن اليهود ليس بصاحب لكم، فإذا جاز أن يضمروا فيه جاز أن يضمر (فيه) دية دم صاحبكم،
ويجوز أن يكون معناه وتستحقون دم قاتل صاحبكم؛
الناس في وجوب القسامة على معنيين فقدم اعتبروا اللوث، فهم يطلبون ما يغلب على الظن، وتكون شبهة يتطرق بها إلى حراسة الدماء، ولم يطلب أحد في القسامة الشهادة القاطعة ولا العلم المثبت، وإنما طلبوا شبهة وسموها لطخة؛ لأنها تلطخ المدعى عليه بها. وبهذا قال مالك والليث والشافعي، إلا أنهم اختلفوا في اللوث، فذهب مالك في رواية ابن القاسم أنه الشاهد العدل، وروى عنه أشهب غير العدل وذهب الشافعي إلى أنه الشاهد العدل أو أن يأتي ببينة مفرقة، وإن لم يكونوا عدولا.
قال وكذلك لو (دخل) بيتا مع قوم لم يكن معهم غيرهم، أو تكون جماعة في صحراء فيتفرقون على قتيل، أو يوجد قتيل وإلى جنبه رجل معه سكين مخضوبة بدم، وليس ثم أثر سبع ولا قدم إنسان آخر، ولا يقبل الشافعي قول المقتول دمي عند فلان؛ لأن السنة المجمع عليها أنه لا يعطى أحد بدعواه شيئا. وعند مالك والليث أن القسامة تجب باللوث، أو بقول المقتول دمي عند فلان.
وقد سلف بيان إذا قتل بحجر أو بعصى. وقوم أوجبوها، والدية بوجود القتل فقط واستغنوا عن مراعاة قول المقتول.
وعن الشافعي، وهو قول الثوري والكوفيين ولا قسامة عندهم إلا في القتيل يوجد في المحلة خاصة، قالوا فإذا وجد في محلة قوم وبه أثر من جراحة أو ضرب أو خنق، حلف أهل الموضع أنهم لم يقتلوه، ويكون عقله عليهم، وحديث يحيى بن سعيد عن بشير بخلاف قولهم؛ لأنه عليه السلام لم يحكم على اليهود بالدية بنفس وجود القتيل في محلتهم، ولم يطالبهم بها، بل أداها من عنده. ولو وجبت على أهل المحلة لأوجبها على اليهود. وأما اشتراطهم أن يكون به أثر فليس بشيء؛ لأنه قد يقتل بما لا أثر به.
قال ابن المنذر ص 4901 والعجب من الكوفيين أنهم ألزموا العاقلة مالا بغير بينة تثبت عندهم ولا إقرار منهم، بل ثم أعجب من ذلك إلزامهم العاقلة جناية عمد ولا تثبت ببينة ولا إقرار؛ لأن الدعوى التي ادعاها المدعي لو ثبتت ببينة لم يلزم ذلك العاقلة، فكيف يجوز أن يلزموه بغير بينة؟ والخطأ محيط بهذا القول من كل وجه.
وذهب الليث ومالك والشافعي إلى أن القتيل إذا وجد في محلة قوم فهو هدر لا يؤخذ به أقرب الناس دارا ولا غيره؛ لأن القتيل قد يقتل ثم يلقي على باب قوم ليلطخوا به، فلا يؤخذ أحد بمثل ذلك.
وقد قال عمر بن عبد العزيز هذا بما يؤخر فيه القضاء حتى يقضي الله فيه يوم القيامة.
وقال القاسم بن مسعدة قلت للنسائي مالك لا يقول بالقسامة إلا بلوث. فلم أورد حديث القسامة ولا لوث فيه؟ قال النسائي أنزل مالك العداوة التي كانت بينهم وبين اليهود بمنزلة اللوث، وأنزل اللوث أو قول الميت بمنزلة العداوة.
وقال الشافعي إذا كان من السبب الذي حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت القسامة، كانت خيبر دار يهود مختصة، وكانت العداوة بينهم وبين الأنصار ظاهرة. وخرج عبد الله بن سهل بعد العصر (فوجد قتيلا قبل الليل) ، فكاد يغلب على من سمع هذا أنه لم يقتله إلا بعض اليهود. وكذلك قال أحمد إذا كان بين القوم عداوة كما كان بين الصحابة واليهود.
ووجه قول مالك أن قول المقتول يجب فيه القسامة، أن الغالب من الإنسان أنه يتخوف عند الموت ويجهد في التخلص من المظالم، ويرغب فيما عند الله تعالى ويحدث توبة، ولا يقدم على دعوى القتل ظلما، فصار أقوى من شهادة الشاهد وأقوى من قول من خالف أن الولي يقسم إذا كان بقرب وليه وهو مقتول ومع الرجل سكتتين؛ لأنه يجوز أن يكون غيره قتله، فضعف هذا اللوث، ووجب أن يستعمل ما هو أقوى منه، وهو قول المقتول دمي عند فلان. ولا يسلم ذلك له.
قال ابن أبي زيد وأصل هذا في قصة بني إسرائيل حين أحيا الله الذي ضرب بالبقرة وقال قتلني فلان. فهذا يدل على قبول قوله دمي عند فلان؛ لأنه كان في شرع بني إسرائيل، وسواء كان قبل الموت أو بعده.
واعترض عليه بأن ذلك كان معجزة لموسى وأنه كان بعد الموت.
واختلفوا في العدد الذين يحلفون ويستحقون الدم، فقال مالك لا يقسم في قتل العمد إلا اثنان فصاعدا ترد الأيمان عليهما حتى يحلفا خمسين يمينا، وذلك الأصل عندنا. والحجة أن الشارع عرضها على ولاة الدم بلفظ جماعة فقال (( تحلفون وتستحقون ) ). وأقل الجماعة اثنان فصاعدا وقال الليث ما سمعت أحدا أدركت يقول أنه يقتصر على أقل من ثلاثة.
وقال الشافعي إذا تركوا وارثا استحق الدية بأن يقسم وارثه خمسين يمينا. وفي قوله (( تستحقون ) )دلالة على أن لا يمين (لهم) مستحق، وعلى أن لا يحلف إلا وارث، كما نبه عليه ابن المنذر.
وفيه من الفقه أن تسمع حجة الخصم على الغائب، وأن أهل الذمة إذا منعوا حقا رجعوا حربا. ومقابله من منع حقا حتى يؤديه، وإن صح عنده أمر ولم يحضره أن له أن يحلف عليه؛ لأنه عليه السلام عرض على أولياء المقتول اليمين ولم يحضروا بخيبر.
وفيه أيضا وجوب ص 4902 رد اليمين على المدعي في الحقوق. واختلف العلماء في ذلك. فقالت طائفة إن من ادعى حقا على آخر ولا بينة له، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف برئ وإن لم يحلف ردت اليمين على المدعي، فإن حلف استحق وإلا فلا شيء له. روي هذا عن عمر وعثمان، وهو قول شريح والشعبي والنخعي، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور.
وذهب الكوفيون أن المدعى عليه إن لم يحلف لزمه الحق ولا ترد اليمين على المدعي.
وكان أحمد لا يرى رد اليمين،
وقد احتج الشافعي على الكوفيين فقال رد اليمين في كتاب الله في آية اللعان أيضا؛ وذلك أن الله جعل اليمين على الزوج القاذف لزوجته إذا لم يأت بأربعة شهداء، وجعل له بيمينه البراءة من حد القذف، وأوجب الحد على الزوجة إن لم تلتعن، فهذه يمين ردت على مدع كانت عليه البينة في رميه زوجته، فكيف ينكر من له فهم وإنصاف رد اليمين على المدعي؟
وقال ابن القصار قد ذكر الله في كتابه اليمين على المدعي الصادق، فقال لنبيه {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق} [يونس 53] وقال تعالى {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} [التغابن 7] قلت وروى الحاكم في (( مستدركه ) )عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على طالب الحق. ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد.
قوله (يتشحط في الدم) التشحط الاضطراب في الدم.
وقوله (( أترضون نفل خمسين من اليهود؟ ) )هو بالنون والفاء، أي يمين خمسين. يقال نفلته فتنفل. أي حلفته فحلف، ونفل وانتفل إذا حلف، وأصل النفل النفي، يقال نفلت الرجل عن نسبه، وانفل عن نفسك إذا كنت صادقا. أي انف ما قيل فيك، وسميت اليمين في القسامة نفلا؛ لأن القصاص ينفى بها، ومنه حديث علي رضي الله عنه لوددت أن بني أمية رضوا ونفلناهم خمسين رجلا من بني هاشم يحلفون ما قتلنا عثمان ولا نعلم له قاتلا. يريد نفلناهم.
وكذا قال صاحب (( العين ) )انتفلت من الشيء انتفلت منه.
فنفل اليهود هو أيمانهم أنهم ما قتلوه، وإنتفاؤهم عن ذلك.
وقوله (ثم ينفلون) هو بكسر الفاء وضمها.
وقوله (قلت وقد كانت هذيل خلعوا حليفا لهم إلى آخره كانت العرب يتعاهدون ويتعاقدون على النصرة والإعانة، وأن يؤخذ كل منهم بالآخر، فإذا أرادوا أن يتبرءوا من إنسان قد حالفوه، أظهروا ذلك للناس وسموا ذلك الفعل خلعا، والمتبرأ منه خليعا، أي مخلوعا، فلا يؤخذون بجنايته ولا يؤخذ بجنايتهم، فكأنهم قد خلعوا اليمين التي كانت قد لبسوها معه، وسموه خلعا وخليعا مجازا واتساعا، وبه سمي الأمير والإمام إذا عزل خليعا، كأنه قد لبس الخلافة والإمارة ثم خلعها.
فإن قلت قد اختلفت ألفاظ حديث القسامة، فرواه سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من إبل الصدقة. ورواه سائر الرواة عن يحيى بن سعيد، عن بشير فوداه مائة من عنده. فما وجه الجمع؟ وإبل الصدقة للفقراء والمساكين، ولا تؤدى في الديات، فما وجه تأديتها في دية اليهود؟
فالجواب أن رواية من روى من عنده. تفسر رواية من روى دفع من إبل الصدقة. وذلك أنه عليه السلام لما عرض الحكم في القسامة على أولياء الدم بأن يحلفوا ويستحقوا، ثم نفلهم إلى أن (يحلف) لهم اليهود ويبرءوا من المطالبة بالدم. قالوا كيف نأخذ أيمان قوم كفار، وتعذر إنفاد الحكم؟ خشي عليه السلام أن يبقى في نفوس الأنصار ما تتقى عاقبته من مطالبتهم لليهود بعد حين، فرأى أن من المصلحة أن يقطع ذلك ص 4903 بينهم ووداه من عنده، وتسلف ذلك من إبل الصدقة حتى يؤديها بما يفيء الله عليه من خمس المغنم؛ لأنه عليه السلام لم يكن يجتمع عنده بما يعتبر له في سهمانه من الإبل ما يبلغ مائة لإعطائه لها، وتفريقها على أهل الحاجة؛ لقوله (( ما لي بما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود فيكم ) )فمن روى من إبل الصدقة. أخبر عن ظاهر الأمر ولم يعلم باطنه. ومن روى من عنده. علم وجه القصة وباطنها فلم يذكر إبل الصدقة.
وكان في غرمه لها صلحا عن اليهود وجهان من المصلحة
أحدهما أنه عوض أولياء الدم دية قتيلهم، فسكن بذلك بعض ما في نفوسهم، وقطع العداوة بينهم وبين اليهود.
والثاني استئلاف اليهود بذلك. وكان حريصا على إيمانهم.
وقيل كانت الإبل من الخمس فعبر عنها بالصدقة. وقيل كان ولاة الدم فقراء فأعطاهم من إبل الصدقة. يوضحه حديث (( الموطأ ) )خرجوا إلى خيبر من جهد أصابهم. وقال ابن الطلاع إنما أعطى الشارع من حق الغارمين الذين لهم سهم من الصدقة.
وفيه دلالة أنه يعطي من الزكاة أكثر من نصاب.
القسامة بفتح القاف وتخفيف السين مشتقة من القسم، والإقسام وهو اليمين يقال أقسمت إذا حلفت وقسمت قسامة؛ لأن فيها اليمين. فالصحيح أنها اسم للأيمان. وقال الأزهري إنها اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول.
وحاصل الكلام فيها في ستة مواضع هل يوجب حكما أم لا؟ وما الذي يوجبه (به؟) وما الذي يوجبها؟ ومن يبدأ باليمين؟ وفي موضع اليمين، وكم عدة من يحلف فيها؟ وقد أوضحنا ذلك بحمد الله ومنه.
قوله (( الكبر، الكبر ) )هو منصوب على الإغراء، أي الزموا تقدمة الكبير، أيضا على تقدير فعل، أي ليتكلم الكبير.
(والكبر) بضم الكاف وسكون الباء الكبير. قال الجوهري هو (كبر) قومه، أي أقعدهم في النسب.
وقوله (( تأتون بالبينة على من قتله ) )يستدل به على سماع حجة الخصم على الغائب.
قوله (أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس) أي أظهره.
وقول الناس (القسامة حق القود بها .. ) إلى آخره فيه حجة للجمهور القائلين بها.
وقوله (ونصبني للناس) أي أقامني.
وقول أبي قلابة (لو أن خمسين) إلى آخره
قال الشيخ أبو الحسن لم (يأت) أبو قلابة بما نسبه؛ لأن الشهادة طريقها غير طريق اليمين.
قال والعجب من عمر بن عبد العزيز على مكانته من العلم كيف لم يعارض أبا قلابة في قوله، وليس أبو قلابة من فقهاء التابعين، وهو عند الناس معدود في البلد؟!
وقوله (قطع في السرق) هو بفتح السين والراء مصدر سرق سرقا.
وقوله (فنقهت أجسامهم) هو بكسر القاف على وزن علم.
اختلف فيما إذا كان الأولياء في القسامة جماعة فقال مالك وأحمد تقسم الأيمان بينهم بالحساب، ولا يلزم كل واحد منهم خمسون يمينا، وإن كانوا خمسة حلف كل واحد منهم عشرة أيمان، فإن كانوا ثلاثة حلف كل واحد سبعة عشر يمينا وجبر الكسر، إلا في إحدى الروايتين عن مالك، فإنه قال يحلف منهم رجلان يمين القسامة وهي خمسون.
وقال الشافعي في أحد قوليه يحلف كل منهم خمسين يمينا. والآخر كقول مالك في المشهور عنه، وعن أحمد.
وقال أبو حنيفة تكرر عليهم الأيمان ص 4904 بالإدارة بعد أن يبدأ أحدهم بالقرعة ثم يؤخذ على اليمين حتى يبلغ خمسين (يمينا) .
اختلف في إثبات القسامة في العبيد، فقال أبو حنيفة وأحمد وعليهن قيمته في ثلاث سنين، ولا يبلغ بها دية الحر.
وقال مالك وأبو يوسف لا، ولا غرامة وهو مهدر، وقاله الأوزاعي أيضا بزيادة ويغرمون ثمنه.
وللشافعي قولان أصحهما نعم.
قال والدي رحمه الله تعالى
(باب القسامة) وهي مشتقة من القسم على الدم أو من قسمة اليمين فقالوا يحلف المدعى ويقسم خمسون يمينا على المدعى أي الورثة وقال الحنفية يحلف المدعى عليه ويقسم اليمين على الخمسين من المدعى عليهم هذا وحكم القسامة مخالف لسائر الدعاوى من جهة أن اليمين على المدعى وذلك لأن المدعى هو ذاكر أمرا خفى والمدعى عليه من الظاهر معه وههنا الظاهر مع المدعى إذ لا بد فيها من اللوث وهو القرينة المغلبة لظن صدقه ومن جهة انها خمسون يمينا وذلك لتعظيم امر الدماء ثم قال الشافعي وابو حنيفة تجب بها الدية لعدم العلم بشروط القصاص ومالك واحمد يجب القصاص وانكر البخاري بالكلية حكمها وكذا طائفة أخر كأبي قلابة ونحوه قالوا لا حكم لها ولا عمل بها. قوله (الأشعث) بالمعجمة وفتح المهملة وبالمثلثة ابن قيس الكندي قال كان لي بئر في أرض ابن عم لي فقال شهودك قلت ما لي شهود قال فيمينه مر في كتاب السرب. قوله (ابن أبى مليكه) مصغر الملكة عبد الله و (لم يقد) من أقاد إذا اقتص و (عدى) بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية ابن أرطاة غير منصرف و (أمره) من التأمير و (البصرة) بفتح الموحدة وضمها وكسرها و (السمانين) أي بياعين السمن. قوله (سعيد بن عبيد) مصغر ضد الحر الطائي الكوفي و (بشير) بضم الموحدة وبالمعجمة ابن يسار ضد اليمين الأنصاري و (سهيل بن أبي حثمة) بفتح المهملة وسكون المثلثة الحارثي و (أحدهم) أي عبد الله بن سهل بن زيد والذي وجد فيهم هو نحو (( وخضتم كالذي خاضوا ) )وفي بعضها بلفظ الجمع و (الكبر) بضم الكاف مصدر أو جمع الأكبر أو مفرد بمعنى الأكبر يقال هو كبرهم أي أكبرهم وفي بعضها الكبر بكسر الكاف وفتح الموحدة أي كبر السن أي قدموا أكبركم سنا في الكلام وقصته أن أخا المقتول عبد الرحمن هو أحدثهم وهو كان يتكلم فقال صلى الله عليه وسلم يتكلم أكبركم فتكلم ابنا عمه محيصة وحويصة مصغران بالمهملات وسكون التحتانية فيهما وقيل بحركتها والتشديد , فان قلت كان الكلام حقه لأنه كان هو الوارث لا هما قلت أمر أن يتكلم الأكبر ليفهم صورة القضية ثم بعد ذلك يتكلم المدعي أو معناه ليكن الكبير وكيلا له , قوله (يبطل) في بعضها بطل أي يهدر قال المهلب في حديث سعيد بن عبيد أوهام حيث قال يأتون بالبينة على من قتله لأنه لم يتابع عليه الأئمة الإثبات وهو منفرد به وحيث قال فيحلفون لأنه أسقط بعض الحديث الذي حفظوه وهو فيحلفون ويستحقون دم صاحبكم قالوا لم نشهد قال فيحلفون وحيث قال من ابل الصدقة ولم يتابعوا عليه, فإن قلت كيف جاز من إبل الصدقة قلت قيل هو من المصالح العامة وجوز بعضهم صرف الزكاة إليها والأكثرون على أنه اشتراها من أهلها ثم دفعها إليهم وحاصله أنه بدأ صلى الله عليه وسلم كما هو رواية الأئمة بالمدعين فلما نكحوا ردها على المدعى عليهم فلما لم يرضوا بأيمانهم عقله من عنده إصلاحا وجبرا لخاطرهم وإلا فاستحقاتهم لم يثبت مر في كتاب الجزية ص 4905 وكتاب الأدب وغيرهما قال بعضهم ما يعلم في شيء من الأحكام من الاضطراب ما في هذه القصة فان الآثار فيها متضادة مع أن القصة واحدة قوله (أبو بشر) بالموحدة المكسورة وبالمعجمة إسماعيل وهو المشهور بابن علية بضم المهملة وفتح اللام وشدة التحتانية و (الحجاج) بفتح المهملة وشدة الجيم الأولى ابن أبي عثمان الصراف البصري و (أبو رجاء) ضد الخوف سلمان مولى أبى قلابة بكسر القاف وتخفيف اللام وبالموحدة عبد الله ابن زيد الجرمي بفتح الجيم وإسكان الراء و (نصبني) أي أجلسني خلف سريره للإفتاء ولا سماع العلم و (دمشق) بكسر المهملة وفتح الميم وتسكين المعجمة البلد المشهور بالشام ديار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين و (حمص) بالكسر وسكون الميم بلد آخر بها و (الجريرة) بفتح الجيم وكسر الراء الأولى الذنب والخيانة و (قتل) ألا بصيغة المعروف وثانيا بالمجهول أي قتل متلبسا بما يجر إلى نفسه من الذنب أو من الخيانة أي قتل ظالما فقتل قصاصا و (بالمعروف) أي فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلت هذا حجة على أبي قلابة لا له لأنه إذا ثبت القسامة يقتل قصاصا أيضا قلت ربما أجاب بأنه بعد ثبوتها لا يستلزم القصاص لانتفاء الشرط, قوله (أوليس) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدر لائق بالمقام و (السرق) بفتح الراء جمع السارق أو مصدر وبالكسر بمعنى السرقة و (سمر) مشددا ومخففا كحلها بالمسامير و (عكل) بضم المهملة وإسكان الكاف قبيلة وثمانية بدل من نفر و (استوخموا) أي لم توافقهم وكرهوها وشرب الأبوال جائز للتداوي و (اسم الراعي يسار) ضد اليمين النوبي بالنون والواو والموحدة وذكر النسائي أنهم سمروا عينه وقال ابن عبد البر غرزوا الشوك في لسانه وعينه حتى مات و (أدركوا) بالمجهول ومر هذا الحديث أكثر من عشر مرات أولها آخر الوضوء , قوله (عنبسة) بفتح المهملة والنون الساكنة وفتح الموحدة وبالمهملة ابن يعيد بن العاص الأموي و (إن سمعت) أي ما سمعت و (هذا الشيخ) أي أبو قلابة , قوله (وقد كان) هو قول أبي قلابة و (في هذا) أي مثله سنة وهي أنه لم يحلف المدعي للدم أولا بل حلف المدعى عليه أولا و (يتشحط) بالمعجمة والمهملتين يضطرب و (أو ترون) بالضم أي تظنون وهو شك من الراوي و (النفل) بسكون الفاء وبفتحها الحلف وأصله النفي وسمي اليمين في القسامة نفلا لأن القصاص ينفي بها وينفلون أي يحلفون أيمان خمسين بالإضافة أو الوصف وهذا هو الأولى إذ لم يقل أحد بمقتضاه , قوله (قلت) هو قول أبى قلابة أيضا و (هذيل) قبيلة و (الخليع) يقال لرجل قال له قومه ما لنا منك ولا علينا وبالعكس ة (اليماني) بتخفيف الياء و (دفعوا) بالمجهول وفي بعضها دفعه أي عمر , قوله (والخمسون) فان قلت هم تسعة وأربعون قلت مثل هذه الاطلاقات جائز من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء أو المراد الخمسون تقريبا أو تغليبا و (نخلة) بالنون والمعجمة موضع وهو غير منصرف و (السماء) أي المطر و (أنهجم) أي سقط و (أفلت) وتفلت وانفلت بمعنى تخلص و (القرينان) أخو المقتول والرجل الذي جعلوه مكان الرجل الشامي ومر مثل هذه في كتاب الفضائل في باب القسامة في الجاهلية وقال ثمة وما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف وغرضه من هذه القصة أن الحلف أولا موجه على المدعى عليه لا على المدعى كقصة النفر من الأنصار و (الديوان) بفتح الدال وكسرها مجتمع الصحف قال القابسي بالقاف والموحدة والمهملة عجبا لعمر كيف أبطل حكم القسامة الثابت بحكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعمل الخلفاء الراشدين بقول أبى قلابة وهو من بله ص 4906 التابعين وسمع منه في ذلك قولا مرسلا غير مستند مع أنه انقلب عند قصة الأنصار إلى قصة خيبر فركب إحداهما مع الأخرى لقلة حفظه وكذا سمع حكاية مرسلة مع أنها لا تعلق لها بالقسامة إذ الخلع ليس قسامة وكذا محو عبد الملك لا حجة فيه.
الزركشي
(الكبر الكبر) بضم الكاف ونصب آخره، أي قدموا الأكبر إشارة إلى الأدب في تقديم المسن، ويروى (( كبر الكبر ) )، أي قدم الأكبر.
(نفل خمسين من اليهود) بفتح الفاء هو الصواب؛ يعني أيمان خمسين منهم، قال القاضي وسميت القسامة نفلا لأن الدم ينفل بها، أي ينقى.
وقوله (ثم ينفلون) أي يحلفون، والنفل اليمين.