29 -باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد
رواه عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا.
ثم ذكر تعليقًا عن أسماء في الكسوف فقال وقال محمود، فذكر ابن أسماء رؤية عن عائشة وهو خلاف ما ذكر في العلم والطهارة من رفعه عنها ولعل الصواب هنا.
وفيه ثم قال (( أما بعد ) )ثم أسند من حديث عمرو بن تغلب وعائشة وأبي حميد، والمسور بن مخرمة وابن عباس، وفيها كلها بعد الثناء على الله (( أما بعد ) ).
أما حديث ابن عباس الأول فقد أسنده آخر الباب، وأما حديث أسماء فذكره مطولًا، ومختصرًا، وقد رواه في باب من أجاز الفتيا بإشارة اليد وفي باب من لم ير الوضوء إلا من الغشي، وسيأتي في الكسوف والسهو. وأسماء جدة فاطمة بنت المنذر جدة أبيها، ومحمود هذا هو ابن غيلان المروزي الحافظ، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين.
وأما حديث عمرو بن تغلب فأخرجه في الخمس والتوحيد وهو من أفراده.
وعمرو بن تغلب صحابي خرج له (خ، ن، ق) .
و (( تغلب ) )بمثناة فوق ثم معجمة، وأبو عاصم شيخ شيخ (خ) .
وأما حديث عائشة فسلف في باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط، ويأتي في الصوم.
قوله (( تابعه يونس ) )أي في قوله (( أما بعد ) )، كذا قاله خلف وتبعه المزي، واعترض شيخنا قطب الدين عليه أنه روى عن الزهري جميع الحديث فلا يختص بـ (( أما بعد ) )ليس بجيد؛ لأنه موضع التبويب فلذا فسر به.
وأما حديث أبي حميد فهو بعض من حديث ذكره (خ) في الزكاة، وترك الحيل، والاعتكاف، والنذور استعمل رسول الله رجلًا من الأزد .. الحديث.
ثم قال تابعه أبو معاوية .. إلى آخره أما متابعة أبي معاوية واسمه محمد بن خازم الضرير، الكوفي، فأخرجها (م) في المغازي، عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن أبي معاوية به.
وأما متابعة أبي أسامة واسمه حماد بن أسامة، فيأتي إن شاء الله تعالى مسندة.
وأخرجها (م) أيضًا ومتابعة سفيان وهو ابن عيينة فذكرها بعد الزهري، عن عروة، وأخرجها (م) .
وأما حديث علي بن حسين عن المسور فهو في حديث أنه عليه السلام خطب وقال (( إن عليا خطب بنت أبي جهل ) )الحديث. ويأتي في الفضائل إن شاء الله تعالى. وأخرجه (م) أيضا.
تابعه ابن سيرين، أخرجه الرهاوي من طريقه عن المسور بن مخرمة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب قال (( أما بعد ) ).
والمسور قدم المدينة سنة ثمان من الهجرة، فسمع وحفظ، أمه عاتكة بنت عوف، قتل أيام ابن الزبير سنة أربع وستين. ومتابعة الزبيدي لا يحضرني من أسندها.
وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضًا في علامات النبوة، وفضائل الصحابة، وابن الغسيل المذكور في إسناده هو أبو سليمان عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة ابن الغسيل. ص 1078
قيل عاش مائة وستين سنة، ذكره ابن التين، وقيل إنما سمي والده بذلك؛ لأنه غسلته الملائكة يوم أحد.
والأحاديث المذكورة دالة لما ترجم له، وهو ذكره هذه اللفظة في الخطبة بعد الثناء، وهي من فصيح الكلام، وهو فصل بين الثناء على الله وبين ابتداء الخبر الذي يريد الخطيب إعلام الناس به، وهو فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه السلام؛ لأنها فصل ما تقدم من كلام المتكلم، وقال الحسن هي فصل القضاء، وقيل البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وهو المبتدئ بها على أحد الأقوال، ورواه (خ) من حديث بلال بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى أنه عليه السلام أول من قالها، وأنه فصل الخطاب.
2 أنه كعب بن لؤي جد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 قس بن ساعدة، قاله ابن الكلبي.
4 يعرب بن قحطان.
6 سحبان. وفي ضبطها أربعة أوجه ضم الدال وتنوينها، ونصبها وتنوينها.
وفي (( غرائب مالك ) )للدارقطني بسند ضعيف لما جاء ملك الموت إلى يعقوب عليه السلام، قال يعقوب في جملة كلام أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء .. الحديث.
قال سيبويه معناه مهما يكن من شيء. وقال أبو إسحاق إذا كان رجل في حديث وأراد أن يأتي بغيره قال أما بعد. وفي (( المحكم ) )معناها أما بعد دعائي لك.
وفي (( الجامع ) )يعني بعد الكلام المتقدم، أو بعد ما بلغني من الخبر. ثم حذفوا هذا وضموا على أصل ما ذكرناه، وذكر عبد القادر الرهاوي أن اثنين وثلاثين من الصحابة رووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه ومواعظه وكتبه.
قوله (( تجلاني الغشي ) )أي غطاني وغشاني، وأصله تجللني فأبدلت إحدى اللامات ألفا، قاله ابن الأثير، قال ويحتمل أن يكون معناه ذهب بقوتي وصبري، من الجلاء، أو ظهر لي وبان علي.
قولها (( ولغط ) )هو بالفتح واللغط الأصوات المختلفة التي لا تفهم. قال ابن التين ضبطه بعضهم بفتح الغين وبعضهم بكسرها.
قوله (( انكفأت ) )أي ملت بوجهي ورجعت إليهن لأسكتهن، وأصله من كفأت الإناء إذا أملته وكفيته وأكفيته. أصله من الاختبار، ولا فتنة أكبر من الفتنة المذكورة.
قوله (( أوحي إلي ) )فيه أي أتاه الملك بذلك، وفيه بيان أنه أعلم به في ذلك الوقت.
قوله (( حتى الجنة والنار ) )يعني أنه رأى أمورًا عظامًا.
قوله (( من فتنة المسيح الدجال ) )يعني ما يبلو به الله عز وجل الناس إذا خرج من الفتنة، فيضل الله قومًا ويثبت المؤمنين، والمنافق الذي يظهر خلاف ما يبطن. والمرتاب الشاك. قاله أبو الوليد.
قال أبو جعفر المنافق والمرتاب معناهما متقارب في الكفر، إلا أن قولهص 1079 (( سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته ) )أقرب إلى نفي المرتاب، وفي بعض الروايات أنه إذا قال لا أدري. قيل له (( لا دريت ولا تليت ) ). ومعنى تليت اتبعت.
قوله (( أما المؤمن ) )أو (( الموقن ) )الأظهر كما قال ابن التين أنه المؤمن؛ لقوله (( إن كنت لتؤمن به ) )والنوم هنا العود إلى ما كان عليه، ووصف به موتًا لما يناله من الراحة.
قوله (( فأوعيته ) )قال الدمياطي في حاشية (( الصحيح ) )بخطه الوجه وعيته يقال وعيت العلم، وأوعيت المتاع.
قوله (( أتى بمال أو بسبى ) )وفي بعض النسخ أو بشيء، وفي كتاب الإسماعيلي أتي بمال من البحرين.
قوله (( أن الذين ترك ) )كذا بخط الدمياطي، وقال شيخنا قطب الدين الذي في أصل روايتنا (( أن الذي ترك ) )، ونسخة (( أن الذين ترك ) ).
قوله (( عتبوا ) )أي وجدوا في أنفسهم كراهة ذلك.
قوله (( لما أرى في قلوبهم ) )هذا من نظر القلب لا من نظر العين. و (( الجزع ) )ضد الصبر، وهو شدة القلق، وقيل القول السيء.
و (( الهلع ) )شدة الجزع.
قوله (( من الغنى والخير ) )أي أتركهم مع ما وهب الله لهم من غنى النفس فصبروا وتعففوا عن الطمع والشره.
و (( حمر النعم ) )قيل المراد إهداءها أو الصدقة بها فيكون أجر ذلك له، وهي كلمة تقولها العرب، وإلا فما كان يجب أن له الدنيا وما فيها.
قوله (( متعطفا ) )أي مترديًا، والتعطف التردي بالرداء، ويسمى الرداء عطافا؛ لوقوعه على عطفي الرجل، وهما ناحيتا عنقه، ومنكب الرجل عطفه، وكذلك المعطف، ويعطف، ذكره الهروي. وفي (( المحكم ) )والجمع عطف، وقيل المعاطف الأردية، لا واحد لها. والملحفة بكسر الميم.
قوله (( عصب رأسه بعصابة دسمة ) )وفي رواية (( دسماء ) )ذكرها في اللباس، ضبط صاحب (( المطالع ) )دسمة بكسر السين، قيل كانت سوداء، وكان له عليه السلام عمامة سوداء، والعصابة العمامة.
ومنه الحديث أمرنا أن نمسح على العصائب. سميت بذلك؛ لأنها تعصب الرأس. أي تربطه، قيل لونها لون الدسم كالزيت وشبهه، من غير أن يخالطها شيء من الدسم، وقيل متغيرة اللون من الطيب والغالية.
وقال عبد الملك ملونة بالصبغ، وقيل الصفيقة، والدسمة في اللغة الوسخة. وقال ابن دريد غيره فيها سواد، وقيل الغليظ، وليس بشيء.
وزعم الداودي أنها على ظاهرها وأنه لما نالها من عرقه أي يربطه في المرض.
قوله (( إن هذا الحي من الأنصار ) )إلى آخره هو من معجزاته، فإنهم الآن فيهم قلة.
قوله (( فمن ولي شيئا من أمة محمد ) )فيه دلالة على أن الخلافة لا تكون في الأنصار؛ لأنه وصى بهم، ولو كانت فيهم لوصاهم.
قوله (( يتجاوز عن مسيئهم ) )أي في غير الحدود وحقوق الآدميين، والمراد بالحي هنا المدينة وما حولها.
فيه الخروج إلى المسجد جوف الليل.
وفيه صلاة النافلة جماعة.
وفيه الفرار من القدر إلى القدر وليس ذلك ناج من القدر.
وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد المبالغة في الموعظة طلع المنبر فيتأسى به.
وفيه الخطبة بالوصية، والخطبة مما قل من الثياب.
وفيه فضيلة الإنصات.
وفيه قبول خبر المرأة، وخبر المرأة عن ص 1080 المرأة، ورواية الرجل عن المرأة، وعن امرأته.
وفيه الافتتان في القبر، وهو بمنزلة التكليف والعبادة، ومعناه إظهار العمل بإعلام بالمآل؛ لأن العمل والتكليف ينقطع بالموت.
وفتنة الدجال بمعنى التكليف والتعبد، وشبهها بها؛ لصعوبتها وعظم المحنة بها وقلة الثبات.
وفيه الخطبة للكسوف، وهو حجة لأبي حنيفة والشافعي، وأبعد من قال إنما استفتح كلامه بالحمد، وليس بخطبة وفيه الصلاة لها.
وفيه انصراف الإمام إذا انجلت الشمس. وفيه القراءة بالحمد والثناء.
وفيه ما كان صلى الله عليه وسلم من الرأفة بالمؤمنين، وائتلافه بالعطاء؛ ليحبب إليهم الإيمان.
وفيه حلف الصادق ليؤكد.
وفيه خطبة المريض إذا خاف الموت.
وفيه كما قال أبو جعفر لباس العصابة الدسمة، لما ينالها مما يكون بالمريض من العرق.
وفيه أن الموعظة تكون بعد الصلاة عشية.
واختلف في الخطبة هل هي شرط لصحة الصلاة وركن من أركانها أم لا؟ فعند عطاء والنخعي وقتادة وأبي حنيفة والشافعي وأحمد والثوري إسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي هي شرط في الجمعة لا تصح بدونها.
قال ابن قدامة في (( المغني ) )ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن البصري، فإنه قال تجزئهم جميعهم خطب الإمام أو لم يخطب؛ لأنها صلاة عيد، فلم يشترط لها الخطبة كصلاة الأضحى.
قال القاضي وروي ذلك عن مالك، وحكاه ابن حزم عن ابن سيرين. قال ابن حزم وليست الخطبة فرضًا، فلو صلاها إمام دون خطبة صلاها ركعتين جهرًا ولا بد.
وقال عطاء وطاوس ومجاهد من لم يدرك الخطبة يوم الجمعة لم يصلها. وقد سلف.
وعن عمر بن الخطاب قال الخطبة موضع الركعتين، فمن فاتته الخطبة صلى أربعًا.
احتج الجمهور بالاتباع، فإنه عليه السلام كان يخطب خطبتين. رواه جابر وابن عمر، ولأن كل خطبة أقرب مقام ركعة إذا قلنا أنها تدل على الركعتين.
وأركانها عند الشافعي خمسة حمد الله، والصلاة على نبيه، ولم أر هذا في خطبه عليه السلام والقراءة في إحداهما على الأصح والوصية بالتقوى والدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح.
وقال أبو حنيفة إن اقتصر على ذكر الله جاز. وفي (( قاضي خان ) )التسبيحة تجزي في قول أبي حنيفة. الآخر وهو قول أبي يوسف الآخر إلا أنه يكون مسيئًا بغير عذر لترك السنة.
وعن مالك إن سبح وهلل وصلى على نبيه فلا إعادة عليه وذكر جماعة من المؤرخين أن عثمان أريح عليه بعد قوله الحمد لله فاعتذر وقال إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال وصلى بحضرة الصحابة منكر كما قاله ابن العربي.
وفي (( المبسوط ) )أن الحجاج ارتج عليه بعد الحمد لله. فقال أيها الناس قد هالني كثرة رؤسكم وإحداقكم إلي بأعينكم، وإني لا أجمع عليكم بين الشح والعي، إن لي نعما في بني فلان، فإذا قضيتم الصلاة فانتهبوها، ونزل وصلى، ومعه أنس وغيره من الصحابة.
وروي عنه أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك يشكو إليه الحصر في الخطبة، وقلة الشهوة للأكل، وضعف شهوة الجماع، فكتب إليه الوليد إنك إذا خطبت انظر إلى أخرياتص 1081 الناس، ولا تنظر إلى من يكون بقربك، وأكثر ألوان الأطعمة؛ فإنك لو أكلت من كل لون شيئًا يسيرًا اكتفيت، وأكثر السراري؛ فإن لكل واحدة لذة.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( أما بعد ) )ولفظ (( بعد ) )مبني على الضم لأنه من الغايات من الظروف المقطوعة عن الإضافة.
فإن قلت كلمة أما لابد لها من أخت فما هي إذا وقعت بعد الثناء على الله كما هو العادة في ديباجة الكتب بأن يقال الحمد لله والصلاة على رسول الله، أما بعد قلت الثناء والحمد المقدم عليه كأنه قال أما الثناء على الله فكذا وأما بعد فكذا ولا يلزم من قسيمه أن يصرح بلفظه أما بل يكفي ما يقوم مقامه قيل هي من أفصح الكلام وهو فصل بين الثناء على الله وبين الخبر الذي يريد الخطيب إعلام الناس به ومثل هذه الكلمة يسمى بفصل الخطاب.
قوله (( وشك هشام ) )فإن قلت تقدم في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد أن الشاك فيه فاطمة فما التلفيق بينهما، قلت لا منافاة بينهما لجواز عروض الشك لهما وسبق مباحث الحديث في ذلك الباب.
قوله (( ادع الرجل ) )الآخر و (( أعطى ) )بلفظ المتكلم لا لفظ مجهول الماضي ليوافق لفظ (( أدع ) )وعائد الموصول محذوف.
قوله (( بكلمة ) )مثل هذه الباء يسمى بالباء البدلية وبالمقابلة نحو اعتضت بهذا الثوب خيرًا منه أي ما أحب أن حمر النعم لي بدل كلمة رسول الله أو مقابلها أي هذه الكلمة كانت أحب منها.
اعلم أن الحاكم قال وعليه الجمهور أن شرط (خ) في صحيحه أن لا يذكر إلا حديثًا رواه صحابي مشهور عن رسول الله وله روايتان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه تابعي مشهور وله أيضًا راويتان ثقتان فأكثر ثم كذلك في كل درجة.
قال النووي ليس من شرطه ذلك لإخراجه نحو حديث عمرو بن تغلب (( إني لأعطي الرجل ) )ولم يرو عنه غير الحسن البصري.
أقول الضمير في ذكر الراوي لا للحديث، ابن الأعرج ذكره صاحب جامع الأصول وغيره.
قوله (( فأصبح ) )هو تامة لا تحتاج إلى الخبر و (( فاجتمع ) )أي في الليلة الثانية (( وأكثر ) )بالنصب وفاعل اجتمع ضمير الناس وبالرفع بأنه فاعله.
قوله (( مكانكم ) )المكان إما مصدر ميمي بمعنى الكون أي لم يخف على كونكم في المسجد ولكن ما خرجت إليكم لأني خشيت أن تفرض عليكم فهو حقيقة.
وأما أنه لفظ مقحم كما يقال مجلس فلان أمرني بكذا فهو من باب المجاز بالزيادة، وإما أنه كناية عنهم لأن مكان الشخص لازم له، وأما أن المراد بالمكان المكانة والمرتبة أي لم يخف على حالكم عند الله من حب الطاعة.
قوله (( في أما بعد ) )أي تابعه في مجرد كلمة أما بعد لا في تمام الحديث.