عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( أول ما قدم المدينة ) )الحديث. أخرجه (خ) أيضًا في الصلاة وإجازة خبر الواحد والتفسير.
البراء هو بتخفيف الراء وبالمد على المشهور، وقيل بالقصر، هو أبو عمارة بضم العين، ويقال أبو عمرو، ويقال أبو الطفيل، البراء بن عازب الأنصاري الأسدي الحارثي المدني.
روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين، وانفرد (خ) بخمسة عشر و (م) بستة. استصغر يوم أحد مع ابن عمر ثم شهد الخندق والمشاهد كلها. وأبوه صحابي أيضًا ذكره ابن سعد في (( طبقاته ) )وقل من ذكره وليس في الصحابة عازب غيره، ولا فيهم البراء بن عازب سوى ولده.
أبو إسحاق هو عمر بن عبد الله السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة نسبة إلى السبيع جد القبيلة وهو السبيع بن الصعب، ابن معاوية بن كثير الهمداني السبيعي الكوفي التابعي الجليل المتفق على جلالته.
ولد لسنتين بقيت من خلافة عثمان، ورأى عليًا وأسامة والمغيرة ص 205 ولم يصح سماعه منهم، وسمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومعاوية وخلقًا من الصحابة وآخرين من التابعين، وعنه التيمي وقتادة والأعمش وهم من التابعين، وخلق من الأئمة.
قال العجلي سمع ثمانية وثلاثين من الصحابة، وقال ابن المديني روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره. مات سنة ست، وقيل سبع، وقيل ثمان، وقيل تسع وعشرين ومائة.
وزهير هو أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي. سكن الجزيرة، سمع السبيعي وحميدًا الطويل وغيرهما من التابعين وخلقًا من غيرهم، وعنه يحيى القطان وجمع من الأئمة، واتفقوا على جلالته.
قال أبو حاتم هم ثلاثة إخوة زهير وحديج ورحيل، أعدلهم زهير ثم حديج. مات سنة اثنتين وسبعين، وقيل ثلاث، وقيل سبع وسبعين ومائة.
عمرو بن خالد هو أبو الحسن عمرو بن خالد بن الفروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بالقاف الجزري الحراني، سكن مصر.
روى عن الليث وابن لهيعة وغيرهما، وروى ابن ماجه، عن رجل عنه واسمه عمرو بزيادة الواو، ويقع في بعض النسخ بإسقاطها والصواب الأول.
قال أبو حاتم صدوق، وقال العجلي مصري ثبت ثقة، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين. لهم عمرو بن خالد الواسطي المتروك انفرد بالإخراج له ابن ماه، وعمرو بن خالد الكوفي منكر الحديث.
قوله (( يعني صلاتكم عند البيت ) )كذا وقع في الأصول، والمراد إلى البيت، يعني بيت المقدس أو الكعبة؛ لأن صلاتهم إليها إلى جهة بيت المقدس.
وقوله (( أول ما قدم المدينة ) )يعني في الهجرة، ولها أسماء كثيرة نحو تسعة وعشرين اسمًا [1] .
قوله (( أجداده أو أخواله من الأنصار ) )هو شك من الراوي، وهو أخوال وأجداد مجازًا؛ لأن هاشمًا جد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج من الأنصار وقصته مشهورة، وقد سلف في أول الكتاب والمذكور في السير أن أول ما نزل عليه السلام على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث الأنصاري، ثم على أبي أيوب الأنصاري خالد وليسا ولا واحد منهما من أخواله ولا أجداده، وإنما أخواله وأجداده في بني عدي بن النجار وقد مر بهم، ونزل على بني مالك أخي عدي فلعل ذلك وقع تجوزًا كعادة العرب في النسبة إلى الأخ أو لقرب ما بين داريهما.
وقوله (( وأنه صلى قبل بيت المقدس ) )أي متوجهًا إليه، وقوله (( بيت المقدس ) )هو بفتح الميم وإسكان القاف، وفيه لغة أخرى ضم الميم وفتح القاف والدال المشددة أي المطهر، وعلى الأول هو مصدر كالمرجع، أو مكان وبيت مكان الطهارة، قاله أبو علي الفارسي.
وقال الزجاج أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب، ويقال البيت المقدس على الصفة. والمشهور بيت المقدس على إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى.
قوله (( ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر ) )كذا وقع هنا على الشك، وكذا هو في أكثر الروايات، وفي رواية في (م) وغيره عن البراء الجزم بالأول فيتعين اعتمادها كما قاله النووي.
وقال الداودي إنه الصحيح، قبل بدر بشهرين، وهو قول ابن عباس والحربي؛ لأن بدرًا كانت في رمضان من السنة الثانية. وخالف القاضي فقال الثاني أصح وهو قول مالك وابن إسحاق وابن المسيب، وفي (د) ثمانية عشر شهرًا. وحكى المحب الطبري ثلاثة عشر شهرًا، ورواية أخرى سنتين، وأغرب منهما تسعة أشهر، وعشرة أشهر، وهما شاذان.
وقال أبو حاتم بن حبان صلى المسلمون إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا وثلاثة ص 206 أيام سواء؛ لأن قدومه عليه السلام من مكة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وحولت يوم الثلاثاء نصف شعبان.
وفي (( تفسير ابن الخطيب ) )عن أنس أنها حولت بعد الهجرة بتسعة أشهر، وهو غريب. وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي القعدة إن عد شهر الهجرة، وهو ربيع الأول، أو ذي الحجة إن لم يعد وهو أغرب.
وفي ابن ماجه أنها صرفت إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين. وقال إبراهيم بن إسحاق حولت في رجب. وقيل في جمادى فحصل في تعيين الشهر أقوال.
والشهر سمي بذلك لشهرته عند الناس كلهم لاحتياجهم إلى معرفته في عبادتهم ومعايشهم. يقال شهرت الشيء إذا أظهرته، وفي لغة رديئة أشهرته، حكاها الزبيدي.
قوله (( وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ) )أي كان يحب ذلك كما صرح به (خ) في رواية أخرى في باب التوجه نحو القبلة.
قوله (( صلاة العصر ) )هو بدل من قوله (( أول صلاة صلاها ) ).
قوله (( فمر على أهل مسجد ) )إلى آخره، هؤلاء ليسوا أهل قباء بل أهل مسجد بالمدينة وهو مسجد بني سلمة ويعرف بمسجد القبلتين، ومر عليهم المار في صلاة العصر.
أقول المار هو عباد بن نهيك الخطمي، وقال القسطلاني الرجل الذي أخبر أن القبلة قد حولت هو عباد بن بشر الأشهلي من بني حارثة، وقيل عباد بن وهب انتهى. وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة الصبح، كما صرح به (خ، م) في موضعه.
ويجوز أن تحمل الأولى على أن المراد أن أول صلاة صلاها كاملة إلى الكعبة العصر، وقيل كان التحويل في ركوع الثانية من الظهر في المسجد السالف فاستدار واستدارت الصفوف، فأنزل الله تعالى {قد نرى تقلب وجهك} [البقرة144] الآية. وذكر القرطبي أن الآية نزلت في غير صلاة.
قوله (( وأهل الكتاب ) )هو برفع اللام ومعطوف على اليهود، ولعل المراد بهم النصارى؛ فإن اليهود أيضًا أهل كتاب.
هذا المار هو عباد بن نهيك بن إساف الخطمي، صلى القبلتين مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صرفت، قاله ابن عبد البر. وذكر القولين الآخرين كما سلف أنه عباد بن بشر. وقيل عباد بن وهب.
وفيه فوائد عشرة نقدم عليها أن التحويل كان في السنة الثانية قطعًا، واختلف في الشهر الذي حولت فيه على ثلاثة أقوال سلفت
1 في الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، قاله محمد بن حبيب الهاشمي.
2 في رجب في نصفه في صلاة الظهر يوم الاثنين، ونقله بعضهم عن الأكثرين.
3 أنه كان في جمادى الآخر.
الفائدة الأولى ما ترجم له وهو كون الصلاة من الإيمان، وقد اتفق المفسرون على أن المراد به هنا الصلاة.
وقال ابن إسحاق وغيره {ليضيع إيمانكم} بالقبلة الأولى، وتصديقكم بنبيكم واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى، أي ليعطينكم أجرهما جميعًا. وما زاده زهير في حديث البراء، أخرجه (د، ت) من حديث ابن عباس.
2 جواز النسخ ووقوعه ولا عبرة بمن أحاله [2] . قال ابن عباس أول ما ص 207 نسخ من القرآن شأن القبلة والصيام، وأول من صلى إلى الكعبة البراء بن معرور.
3 قبول خبر الواحد كما ترجم له فيما مضى، وقد يقال إنه احتفت به قرائن ومقدمات أفادت العلم؛ لأنهم كانوا متوقعين التحويل.
4 استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم.
5 أن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس قادحًا في الرضا بل هو محبوب.
6 أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه، لأن أهل المسجد وأهل قباء صلوا إلى بيت المقدس بعض صلاتهم بعد النسخ، لكن قبل بلوغه إليهم وهو الصحيح في الأصول، وتظهر فائدة الخلاف في أن الوكيل هل ينعزل من حين العزل أو من بلوغ الخبر؟.
والأصح عندنا الأول بخلاف القاضي، والفرق تعلق المصالح الكلية به بخلاف الوكيل، ويتعلق به أيضًا أن الأمة لو صلت مكشوفة الرأس ثم علمت بالعتق في أثناء الصلاة، هل تبني أو تستأنف؟
7 جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين بدليلين، فمن صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم تغير اجتهاده في أثنائها، فظن أن القبلة في جهة أخرى ولم يتيقن ذلك، يتحول إلى الجهة الثانية ويبني على صلاته ويجزئه، وإن كانت إلى جهتين وثلاث وأربع حتى لو صلى الرباعية إلى الجهات الأربع كل ركعة إلى جهة بالاجتهاد أجزأه، وهو الأصح عند أصحابنا.
أقول ولنا صورة أخرى يجوز أن يصلي أربع ركعات إلى أربع جهات بدون تغير اجتهاد، وذلك أن يكون جوف الكعبة يصلي كل ركعة إلى جهة من جهاتها الأربع.
8 جواز نسخ السنة بالكتاب، والأصح عند الجمهور نعم، وللشافعي فيه قولان
قال مرة لا يجوز، كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولًا واحدًا، والأصح عند الجمهور نعم بشرط كونها متواترة.
قال القاضي أجازه الأكثر عقلًا وسمعًا، ومنعه بعضهم عقلًا، وأجازه بعضهم عقلًا، ومنعه سمعًا.
قال ابن الخطيب قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر وأحمد في رواية بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وأجازه أبو حنيفة ومالك والجمهور.
واستدل المجوزون على الأولى بأن التوجه نحو بيت المقدس لم يكن ثابتًا بالكتاب، وقد نسخ به، وبقوله تعالى {فالآن باشروهن} [البقرة187] نسخ تحريم المباشرة وليس في القرآن، وصوم عاشوراء برمضان، وعلى الثانية بأنه يستحب الوصية للوالدين والأقربين بقوله (( لا وصية لوارث ) )ونسخ الإمساك في البيوت بالرجم والجلد الثابت بالسنة.
وأجاب المانعون عن قصة القبلة بأنها نسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر أولًا كان يخير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة115] ثم نسخ باستقبال القبلة.
9 جواز النسخ بخبر الواحد، وهو ما مال إليه القاضي أبو بكر وغيره من المحققين، واختاره الغزالي وأهل الظاهر، ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به، وأبعد بعضهم فقال النسخ به كان جائزًا في زمنه، وإنما منع بعده.
والمختار كما قال الغزالي وقوع نسخ السنة المتواترة بالآحاد عقلًا لو تعبد به وسمعًا في زمانه عليه السلام بدليل قصة قباء، وأما بعده فممنوع بإجماع الصحابة على أن خبر الواحد لا يرفع قاطعًا.
10 أن من لم يعلم بفرض الله، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة عليه. ص 208
واختلف فيمن أسلم في دار الحرب أو أطراف بلاد العالم حيث لا يجد من يستعلمه، ولا علم أن الله فرض شيئًا من الشرائع، ثم علم بعد ذلك هل يلزمه قضاء ما مر عليه من صيام وصلاة لم يعلمها؟
فذهب مالك والشافعي في آخر شيء إلى إلزامه، فإنه قادر على الاستعلام والبحث والخروج إلى ذلك، وذهب أبو حنيفة أنه يلزمه إن أمكنه أن يستعلم فلم يستعلم وفرط، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شيء عليه. قال وكيف يكون لله فرض على من لم يفرضه.
قال والدي رحمه الله تعالى
(( باب الصلاة من الإيمان وقول الله ) )لفظ (( الصلاة ) )مرفوع ولفظ القول مجرور. قوله (( عند البيت ) ).
النواوي هذا مشكل لأن المراد صلاتكم إلى بيت المقدس وكان ينبغي أن يقول أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وهذا هو مراده فيتأول كلامه عليه، ولعل مراد (خ) بقوله عند البيت مكة أي صلاتكم بمكة، وكانت إلى بيت المقدس والمراد بالبيت الكعبة.
قوله (( عمرو ) )هو أبو الحسن بن خالد بن فروخ بالمنقوطة الحراني ساكن مصر مات بها سنة تسع وعشرين ومائتين. قال الغساني ليس في شيوخ (خ) عمر بن خالد، وإنما هو عمرو بن خالد بالواو في جميع الكتاب.
أقول وكذا ذكره الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي في أسماء شيوخ أصحاب الكتب الستة ما لفظه عمرو بن خالد بن فروخ بن عبد الرحمن أبو الحسن التميمي الحنظلي الجزري الحراني نزيل مصر روى عنه (خ) وروى (ق) عن رجل عنه مات بمصر يوم الاثنين لسبع خلون من شوال، ويقال في شعبان 339.
قوله (( أو سبعة عشر شهرًا ) )شك من البراء، ومعناه أنه صلى الله عليه وسلم صلى هذا المقدار متوجهًا إلى القدس بعد قدومه المدينة، فالقبلة في أكثر من نصف زمان النبوة هو بيت المقدس.
قوله (( على مسجد ) )وفي بعضها (( على أهل مسجد ) )وهو مسجد بالمدينة غير مسجد قباء والصلاة صلاة العصر، وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة الصبح.
قال (خ) في بابه عن ابن عمر قال (( بينا الناس في قباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال إن رسول [الله] قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ) )هكذا قالوه لكن لفظ الكتاب يحتمل أن يكون المراد من مسجد مسجد قباء ومن (( هم راكعون ) )أن يكونوا في صلاة الصبح اللهم إلا أن يقال الفاء التعقيبية لا تساعده.
قوله (( راكعون ) )يحتمل أن يراد به حقيقة الركوع وأن يراد به الصلاة من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. قوله (( أشهد بالله ) )أي أحلف به. و (( قبل مكة ) )أي قبل البيت الذي بمكة ولهذا قال فداروا كما هم قبل البيت.
أقول يتعين أن يراد به الصلاة لأنه تقدم أن عبادًا صلى ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو يقول أن عبادًا صلى ركعتين إلى كل جهة لا أن أهل مسجد بني سلمة صلوا ركعتين إلى كل جهة فيحتمل أنهم صلوا إلى كل جهة ركعتين أو أكثر أو أقل فلو أريد الركوع حقيقة لما صح ركعتان إلى كل جهة من الجهتين، فيتعين أن يكون المراد الصلاة، وفي آخر الركعتين الأولين فلو فرض في الركوع لا يخلو إما أن يكون في الركوع في الثانية أو الثالثة فأيهما كان لا يصح أن يكون ركعتان إلى كل جهة من الجهتين اللهم إلا أن يقال أنهم كانوا في ركوع الثالثة فتحولوا في الركوع فيكون قد أدركوا ركعتين إلى كل جهة.
قوله (( كما هم ) )ما موصولة وهم مبتدأ وخبره محذوف. وتحولوا عليه أي داروا مشبهين بالحال الذي كان متقدمًا على حال دورانهم أو داروا على الحال الذي هم كانوا عليه ومثل هذا الكاف تسمى بكاف المقارنة؛ أي دورانهم مقارن بحالهم.
قوله (( أعجبهم ) )فاعل أعجب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. و (( إذ كان ) )بدل الاشتمال له أو كان إذ فاعل إذ هو ههنا للزمان المطلق أي أعجبهم زمان كان يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس؛ لأنه كان قبلتهم فإعجابهم لموافقة قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتهم.
قوله (( وأهل الكتاب ) )عطف على اليهود فإما أن يراد به العموم ص 209 فهو عام عطف على خاص؛ أي جميع أهل الكتاب أو المراد به النصارى فقط فهو خاص عطف على خاص وجعلوا تابعة؛ لأنه لم يكن قبلتهم بل إعجابهم كان بالتبعية.
قوله (( على القبلة ) )أي المنسوخة التي هي بيت المقدس و (( رجال ) )فاعل مات. قوله (( قتلوا ) )أي رجال قبل أن تحول القبلة.
فإن قلت قيد المعطوف عليه لا يلزم أن يكون قيدًا في المعطوف عند النحاة فمن قيد به بقولك قبل أن تحول وكذا عند الأصوليين عطف المطلق والعام على الخاص أو المقيد ليس مخصصًا للعام ولا مقيدًا للمطلق. قلت السياق يقتضي التقييد وحمل المطلق على المقيد.
فإن قلت الواجب أن يقال أو قتلوا بأو لا بالواو. قلت يحتمل أن يكون المقتولون نفس الميتين، وفائدة ذكر القتل بيان كيفية موتهم إشعارًا بشرفهم واستبعادًا لضياع طاعتهم أو أن الفعل قرينة لكونها بمعنى أو.
فإن قلت كما أن النكرة المعادة يجب أن لا تكون هي بعينها الأولى فهل الضمير الراجع إلى النكرة مثل ذلك. قلت ليس مثله بل يحتمل المغايرة والاتحاد.
قوله (( فلم ندر ) )أي فلم نعلم أن طاعتهم ضائعة أم لا فأنزل الله الآية.
فإن قلت هل فرق من جهة المعاني بين أن يقال ما يضيع الله إيمانكم وبين ما عليه التلاوة. قلت الفرق بالتأكيد وعدمه.
قال الزمخشري ما كان معناه ما صح معنى فيه نفي إمكان الإضاعة وهو أبلغ من نفي الإضاعة نفسها.
فإن قلت سياق كلام البراء يقتضي أن يقال إيمانهم بلفظ الغيبة. قلت المقصود تعميم الحكم للأمة حيًا أو ميتًا حاضرًا أو غائبًا، فذكر الأحياء المخاطبون تغليبًا لهم على غيرهم.
قال النووي وقد استدل به جماعة على قبول خبر الواحد ولا نسلم لهم الاستدلال به لأن هذا الواحد احتفت قرائن بخبره، فأفاد العلم لأن القوم كانوا متوقعين تحويل القبلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بقربهم وغيره من القرائن.
وأقول وبهذا سقط ما يقال هذا نسخ للمقطوع بالظن الذي هو خبر الواحد واختلف العلماء في أن استقبال بيت المقدس كان ثابتًا بالقرآن أم لا ذهب أكثرهم إلى أنه بالسنة ففيه دليل على أن القرآن ناسخ للسنة.
قال التيمي تحولوا من بيت المقدس إلى الكعبة بقول الواحد لحلفه بالله تصديقًا منهم له في ذلك.
[1] في هامش المخطوط في الإشارات لغات المنهاج لابن الملقن ينظر.
[2] في هامش المخطوط وقد نسخت القبلة مرتان لأنه كان بمكة يتوجه إلى الكعبة أو إلى الصخرة ويجعل الكعبة بينه وبينها فلما أتى المدينة أمر أن يتوجه إلى الصخرة تألفًا لليهود ستة عشر شهرًا ثم وجه إلى الكعبة.