فهرس الكتاب

الصفحة 1295 من 3844

58 -باب لا يبيع على بيع أخيه

فيه حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يبيع بعضكم ) )، الحديث.

وحديث أبي هريرة (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد ) )، الحديث.

هذان الحديثان أخرجهما (م) والأربعة أيضًا، وحديث ابن عمر يأتي في باب النهي عن تلقي الركبان.

وفيه النهي عن بيع على بيع بعض.

قال صاحب (( المطالع ) )يأتي كثير من الأحاديث على لفظ الخبر، وقد يأتي بلفظ النهي، وكلاهما صحيح.

وقال ابن الأثير كثير من روايات الحديث (( لا يبيع ) )بإثبات الياء، والفعل غير مجزوم، وذلك لحن، وإن صحت الرواية فتكون (( لا ) )نافية، وقد أعطاها معنى النهي؛ لأنه إذا نفي أن يوجد هذا البيع، فكأنه قد استمر عدمه، والمراد من النهي عن الفعل إنما هو طلب إعدامه أو استبقاء عدمه، فكان النفي الوارد من الواجب صدقه يفيد ما يراد من النهي.

ولما قرر ابن حزم ص 1987 حرمة ذلك _ أعني البيع على البيع، والسوم على السوم، وأن الذمي كالمسلم فيه، وأنه إن فعل فالبيع مفسوخ _ قال هذا خبر معناه الأمر؛ لأنه لو كان معناه الخبر لكان خلفًا لوجود خلافه، والخلف مقطوع ببعده عن الشارع.

وقال النووي في جميع النسخ (( ولا يسوم ) )بالواو يعني في (م) ، وكذا (( لا يخطب ) )مرفوع وكلاهما لفظه لفظ الخبر، والمراد به النهي، وهو أبلغ في النهي؛ لأن خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافه، والنهي قد يقع خلافه، فكان المعنى عاملوا هذا النهي معاملة الخبر المتحتم.

فإن قلت ترجم على السوم، ولم يذكره؟ قلت كأن البيع هنا السوم، وبه صرح مالك في (( الموطأ ) ).

وقال أبو عبيد قال أبو عبيدة وأبو زيد وغيرهما البيع هنا الشراء والنهي وقع عليه لا على البائع؛ لأن العرب تقول بعت الشيء بمعنى اشتريته.

فإن قلت ترجم حتى يأذن له أو يترك، ولم يذكره؟

قلت ذكره في الباب المذكور في الخطبة على الخطبة، فكأنه أشار إليه من باب لا فارق.

وحقيقة البيع على البيع أن يأمر المشتري بالفسخ، ليبيعه مثله في مجلس خيار المجلس والشرط، والمعنى في تحريمه أنه يوغر الصدور، ويورث الشحناء، ولهذا لو أذن له في ذلك ارتفع على الأصح، وفي معناه الشراء على الشراء قبل لزومه بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه.

وأما السوم على سوم غيره، فهو أن يأتي والرجل قد أنعم لغيره في بيع سلعته بثمن، فيزيده ليبيع منه، أو يأتي إلى المشتري فيعرض عليها مثلها أو أجود منها بأنقص من ذلك.

وفي كلام الشيخ أبي حامد أن هذا سوم، والأول استيام، والمعنى في حرمته ما فيه من الإيذاء والقطيعة والعداوة، وسواء كان ذلك الغير مسلمًا أو كافرًا، وبه صرح ابن حزم، وفي الكفار وجه لابن حربويه، وهو قول الأوزاعي.

ولفظ (( الأخ ) )في الحديث خرج مخرج الغالب، وقام الإجماع على كراهة سوم الذمي على مثله، كما نقله ابن بطال.

والشافعي في (( رسالته ) )توقف في صحة هذا النهي، فقال البيهقي عقبه هو ثابت من أوجه، وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن، فأما ما يطاف به فيمن يزيد فطلبه طالب فلغيره الزيادة فيه؛ لأنه عليه السلام باع قدحًا وحلسًا فيمن يزيد، رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أنس، وحسنه (ت) .

وقال بعض المالكية لا يحرم حتى يرضوا بالزوج ويسمى المهر، واستدل بقول فاطمة بنت قيس خطبني أبو جهم، ومعاوية، فلم ينكر الشارع ذلك، بل خطبها لأسامة.

وقد يقال لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول، وأما الشارع فأشار بأسامة؛ لا أنه خطب ولم يعلم بأنها رضيت بواحد منهما ولو أخبرته لم يشر عليها.

وزعم الطبري أن النهي هنا منسوخ بخطبته عليه السلام فاطمة لأسامة.

واعلم أنه قام الإجماع على تحريم ما أسلفناه، فلو خالف وعقد فهو عاص، وينعقد البيع عندنا وعند أبي حنيفة وآخرين، وقال داود لا ينعقد، وعن مالك روايتان.

فصل وأما بيع الحاضر للبادي فهو أن يقدم بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول البلدي له اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى.

والنجش هو أن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره.

و (( تناجشوا ) )تفاعلوا من النجش، وأصله الختل، يقال نجش الرجل إذا اختال وخدع، وأنكر ذلك على قائله، وإنما هو الإثارة والإطراء. والأصح عندنا أنه لا خيار خلافًا لمالك وابن حبيب، ووفاقًا لأبي حنيفة. وعن مالك له الخيار إذا علم، ص 1988 وهو عيب من العيوب كما في المصراة.

وقال أهل الظاهر البيع باطل مردود على بائعه إذا ثبت ذلك عليه. وكأن (خ) بوب على قولهم كما سيأتي.

والخطبة على خطبة من صرح بإجابته حرام إلا بإذنه، فإن لم يجب ولم يرد لا يحرم.

قوله (( لتكفأ ما في إنائها ) )هذا مثل قوله (( لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها ) )أراد ضررها فتصير بمنزلة من كفأ إناءها؛ أي قلبه على وجهه. وقيل هو أن يخطب الرجل المرأة وله امرأة فتشترط عليه طلاق الأولى لتنفرد به.

وتكفأ بفتح التاء والفاء، كذا في رواية أبي الحسن.

قال ابن التين وهو ما سمعناه، ووقع في بعض رواياته كسر الفاء، وثالثة بضم التاء.

وذكر الهروي الحديث وقال (( لتكتفئ ) )تفتعل من كفأت إذا كببت لتفرغ ما فيها، وهذا مثل إمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها.

وقال الكسائي كفئت الإناء كببته، وكفأته وأكفأته أملته، ومنه الحديث (( كان إذا مشى تكفأ تكفؤًا ) )أي تمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها. قال والأصل فيه الهمزة تركت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت