فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثنا عياش، ثنا عبد الأعلى ... إلى آخر الحديث. يأتي في باب ما جاء في عذاب القبر.
قوله (( وقال لي خليفة ) )قد سلف أنه إذا قال مثل هذا يكون أخذه عنه في المذاكرة غالبًا لا جرم.
قال أبو نعيم الأصبهاني إن (خ) رواه عن خليفة وعياش الرقام، واللالكائي (( لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر ) ). وفي الباب عن أبي هريرة والبراء، وللترمذي (( ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير ) ).
وفي (( الأوسط ) )للطبراني (( أعينهما مثل قدور الناس، وأنيابهما مثل صياصي البقر ) )، وللنسائي في (( كتابه ) ) (( منكر ونكير وأنكر ) )زاد ابن الجوزي بسند ضعيف (( ناكور وسيدهم رومان ) ).
قوله (( إذا وضع في قبره ) )كيفية وضعه أن يكون مستقبل القبلة على شقه الأيمن؛ لأنه كذلك فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا كان يفعله، فلو وضع على اليسار كره، وقضية كلام بعض أصحابنا أنه لا يجوز، وأما وضعه للقبلة فهو واجب على الأصح.
قوله (( وتولى وذهب عنه أصحابه ) )كرر اللفظ، والمعنى واحد. قوله (( قرع نعالهم ) )هو صوتها عند المشي، وهو دال على جواز لبس النعال لزائر القبور الماشي بين ظهرانيها. وأما حديث صاحب السبتيتين (( ألق سبتيتيك ) )أخرجه الحاكم عن بشير بن الخصاصية، وصحح إسناده، وكذا ابن حزم فقال أحمد إسناده جيد. ص 1363
وفي (( علل الخلال ) )قال محمد بن عوف رأيت أحمد أتى المقبرة فنزع نعليه، فسئل عن ذلك، فحدثنا بحديث بشير. وروي في بعض الأحاديث أن صاحب القبر كان يسأل فلما سمع صرير السبتيتين أصغى إليه، فكاد يهلك؛ لعدم جواب الملكين، فقال له عليه السلام (( ألقهما لئلا تؤذي صاحب القبر ) )ذكره أبو عبد الله الحكيم الترمذي.
وأبعد ابن حزم فقال يحرم المشي بهما بين القبور، ولا يكره المشي عندنا بالنعلين فيها، وسواء فيه النعل والخف، وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسًا.
قوله (( أتاه ملكان ) )هما منكر ونكير. قوله (( فيراهما جميعًا ) )يعني الجنة والنار، قوله (( أما الكافر، أو المنافق ) )الذي يدل عليه الحديث أنه المنافق؛ لأنه يقر بلسانه ولا يصدق بقلبه، فيقول (( لا أدري كنت أقول ما يقول الناس ) ). والكافر لم يكن يقول ذلك.
قوله (( فيقال له لا دريت ) )قال الداودي أي لا وقفت على مقامك هذا، ولا في البعث (( ولا تليت ) )أي لا تبعت الحق. وقال غيره وقع هنا (( تليت ) )على وزن فعلت، والصواب لا ائتليت على وزن (( افتعلت ) )من قولك ما ألوت؛ أي ما استطعت، يريد لا دريت ولا استطعت أن تدري، قاله الأصمعي.
وقال الفراء لا دريت ولا ائتليت؛ أي أو لا قصرت في طلب الدراية ثم لا تدري؛ ليكون ذلك أشقى لك. قال وهو افتعلت، من ألوت في الشيء إذا قصرت فيه.
قال القزاز وقيل الرواية لا دريت ولا أتليت من الإتلاء أي ولا أتلت إبلك أي ولا ولدت أولادًا تتلوها.
قال ابن سراج وهذا بعيد في دعاء الملكين للميت، وأي مال له؟ وقيل لا دريت ولا أحسنت أن تتبع من يدري [1] . وحكي ولا تليت بمعنى تلوت على الاتباع لدريت، وهذا قاله القزاز في مثل تقوله العرب في الدعاء على الإنسان.
وقول الداودي غير بين فلا وجه له إلا أن يريد ولا وقفت بحجة في مقامك هذا، ولا في البعث. قال أبو عبد الملك ويقرأ ولا تليت بإسكان التاء وفتحها، ومعناه بفتحها؛ أي لا اتبعت مأخوذ من تلاوة القرآن التي يتبع بعضها بعضًا.
وقال صاحب (( المطالع ) )قيل معناه لا تلوت، يعني القرآن أي لم تدر ولم تتل؛ أي لم تنتفع بدرايتك وتلاوتك؛ كما قال {فلا صدق ولا صلى} [القيامة31] قاله أبو الحسين، وجاء في (( مسند أحمد ) )من حديث البراء بن عازب (( لا دريت ولا تلوت ) )أي لم تتل القرآن فلم تنتفع بدرايتك ولا تلاوتك، وهذا تفسير صريح مغن عن كل ما قيل فيه.
فائدة قيل في قوله تعالى {فلأنفسهم يمهدون} [الروم44] قيل في القبر إذا انصرف الملكان، إن كان سعيدًا كان روحه في الجنة، وإن كان شقيًا ففي سجين على صخرة على شفير جهنم في الأرض السابعة. وعن ابن عباس يكون قوم في البرزخ ليسوا في جنة ولا نار.
ودل عليه قصة أصحاب الأعراف، والله أعلم ما يقال لأهل الكبائر إن كان يقال له نم صالحًا، أو يسكت عنه، وقيل إن أرواح السعداء تطلع على قبورها، وأكثر ما يكون منها ليلة الجمعة ويومها وليلة السبت إلى طلوع الشمس، وقيل إنهم إذا كانوا على قبورهم يسمعون من يسلم عليهم، فلو أذن لهم لردوا السلام، والثقلان الجن والإنس.
قال ابن الأنباري إنما قيل لهما الثقلان؛ لأنهما كالثقل للأرض وعليها، والثقل بمعنى الثقيل، وجمعها أثقال، ومجراهما مجرى قول العرب مثل ومثل وشبه وشبه، وكانت العرب تقول للرجل الشجاع ثقل على الأرض، فإذا مات أو قتل سقط ذلك ص 1364 عنها.
قوله (( ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة ) )وفي رواية (( بمطارق من حديد ) )، وفي أخرى (( ضربة من حديد ) )أي من رجل حديد، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه.
قال أبو الحسن معناه من خنق شديد الضرب، وسماع قرع نعله وكلامه مع الملكين يبين أن قوله تعالى {وما أنت بمسمع من في القبور} [فاطر22] أنه على غير العموم، وقال المهلب لا معارضة بينهما؛ لأن كل ما نسب إلى الموتى من إسماع النداء والنوح فهي في هذا الوقت عند الفتنة، أول ما يوضع الميت في قبره أو متى شاء الله إلى أن ترد أرواح الموتى ردها إليهم لما يشاء {لا يسأل عما يفعل} [الأنبياء23] ثم قال بعد ذلك لا يسمعون كما قال تعالى {إنك لا تسمع الموتى} [النمل8] {وما أنت بمسمع من في القبور} [فاطر22] .
وفيه أن فتنة القبر حق، وهو مذهب أهل السنة كما ستعلمه في بابه إن شاء الله تعالى.
والمراد من يليه من الملائكة الذين يلون فتنته ومسائلته في قبره، وإنما منعت الجن سماع هذه الصيحة، ولم تمنع سماع كلام الميت إذا رفع وقال قدموني، قدموني؛ لأن كلام الميت حين يحمل إلى قبره في حكم الدنيا، وليس فيه شيء من الجزاء والعقوبة؛ لأن الجزاء لا يكون إلا في الآخرة، وإنما كلامه اعتبار لمن سمعه وموعظة فأسمعها الله الجن؛ لأنه جعل فيهم قوة يثبتون بها عند سماعه، ولا يصعقون، بخلاف الإنسان الذي كان يصعق لو سمعه.
وصيحة الميت في القبر عند فتنته هي عقوبة وجزاء فدخلت في حكم الآخرة؛ فمنع الله الذين هما في دار الدنيا سماع عقوبته وجوابه في الآخرة، وأسمعه سائر خلقه انتهى كلام ابن الملقن رحمه الله تعالى.
أقول فإن قلت كأن القياس أن يسمعها الثقلان دون غيرهما عكس ما هو الآن لأن بسماعهما ربما أنهما يتعظان ويرجعان عن الكفر والمعاصي بخلاف غيرهما فإنه لا فائدة في سماعهم ذلك.
قلت والله أعلم أنهما لو سمعاها لرجعا عن الكفر والمعاصي ولم يبق كافر ولا عاص على وجه الأرض والله تعالى قد قدر الكفر والمعاصي على الكفار والعصاة ولا بد للنار من ... كما أوعد بذلك وهو مراد الله ولا يمكن أن مراد الله تعالى لا يقع فإن الكفر والمعاصي بإرادته لا يرضاه جل جلاله هذا ما خطر ببال فإن خطر لأحد آخر جواب آخر فليلحقه في موضعه.
فإن قلت لو سمعه الثقلان تامًا فكيف يمكن الاتعاظ، لا نسلم أن الصعق هو الموت بل هو الغشي ويمكن أن يعتق ويتعظ به والله أعلم.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( يسمع خفق النعال ) )أي صوتها عند دوسها على الأرض. قوله (( العبد ) )أي المؤمن المخلص و (( تولى ) )أي أعرض عنه أصحابه وهو من باب تنازع العاملين، و (( ملكان ) )أي المنكر والنكير، و (( أقعداه ) )أي أجلساه وهما مترادفان، وهذا يبطل فرق من فرق بينهما بأن القعود هو عن القيام والجلوس عن الاضطجاع، وإنما عبر بعبارة هذا الرجل الذي ليس فيها تعظيم امتحانًا للمسؤول لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة القائل ثم ثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت و (( فيراهما ) )أي المقعدين.
قوله (( لا تليت ) )الخطابي هكذا يرويه المحدثون وهو غلط والصواب أتليت على وزن أفعل من قوله ما ألوته أي ما استطعته ويقال لا آلو كذا أي لا أستطيعه كأنه قال لا دريت ولا استطعته.
قال صاحب (( الفائق ) )معناه ولا اتبعت الناس بأن تقول شيئًا يقولونه، ويجوز أن يكون من قوله بلا فلان تلو غير عاقل إذا عمل عمل الجهال أي لا علمت ولا جهلت يعني هلكت فخرجت من السبيلين، وقيل لا قرأت فقلبت الواو ياء للازدواج. انتهى كلام صاحب (( الفائق ) ).
وقال والدي رحمه الله تعالى أي ما عملت نفسك بالاستدلال ولا اتبعت العلماء بالتقليد ص 1365 وقراءة الكتب.
قال ابن بطال الكلمة من بنات الواو لأنها من تلاوة القرآن لكنه لما كان مع دريت تكلم به بالياء ليزدوج الكلام، ومعناه الدعاء عليه أي لا كنت داريًا ولا تاليًا.
قوله (( الثقلين ) )أي الإنس والجن سميا به لثقلهما على الأرض، وإنما عزل عن السماع لمكان التكليف، ولو سمعا لارتفع الابتلاء وصار الإيمان ضروريًا [2] ولأعرضوا عن التدابير والصنائع ونحوهما مما يتوقف عليه بقاء نوعه.
فإن قلت (( من ) )للعقلاء فانحصر السماع على الملائكة. قلت نعم وقيل المراد منه العقلاء وغيرهم وغلب جانب العقل وهذا أظهر.
النواوي مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر لأن العقل لا يمنعه والشرع ورد به فوجب قبوله، ولا يمنع منه تفرق الأجزاء. فإن قيل نحن نشاهد الميت على حاله فكيف يسأل ويقعد ويضرب؟.
فالجواب أنه غير ممتنع كالنائم فإنه يجد ألمًا ولذة ونحن لا نحس به، وكذا كان جبريل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدركه الحاضرون، وأما الإقعاد فيحتمل أن يكون مختصًا بالمقبور ولا امتناع في أن يوسع له في قبره فيقعد فيضرب بالمطرقة.
قال البيضاوي الله تعالى يعلق روحه بجزئه الأصلي الباقي من أول عمره إلى آخره، والبنية ليست شرطًا عندنا للحياة فلا يستبعد تعليق الروح بكل جزء من الأجزاء المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في آخر.
الزركشي
(( ثنا عياش ) )بمثناة وآخره شين معجمة.
(( وتولى ) )بفتح التاء أي أدبر، وجوز ضم التاء واللام وتشديد اللام أي ولاه إلياس ظهورهم.
(( حتى إنه ليسمع ) )بكسر (( إن ) )لأن حتى هنا ابتدائية كقولهم مرض حتى إنهم لا يرجونه.
(( لا دريت ) )بفتح الراء لا غير؛ لأنه من درى يدري.
(( ولا تليت ) )أصله الواو ولكن أتى بالياء للازدواج مع دريت. وقال الخطابي كذا يقول المحدثون تليت وأصله ائتليت على افتعلت أي لا استطعت من قولك ما ألوت هذا الأمر ولا استطعت، وقال ابن بري من روى تليت فأصله ائتليت بالهمز فحذفت تخفيفًا فذهبت همزة الوصل وسهلة المزاوجة لدريت.
(( مطرقة ) )بميم مكسورة.
[1] في هامش المخطوط (( أقول يحتمل أن الملكين كلماه بما كان عرف العرب في خطابه لمن يدعى عليه ) ).
[2] في هامش المخطوط (( أقول وما قاله والدي رحمه الله جواب آخر عما سبق من سؤالي ) ).