فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 3844

8 -باب لا يعضد شجر الحرم

وقال ابن عباس .. إلى آخره.

ثم أسند حديث سعيد بن أبي سعيد، الحديث.

تعليق ابن عباس ذكره بعد ذلك مسندًا، وحديث أبي شريح أخرجه (م) أيضًا.

عمرو هذا هو سعيد بن العاص بن أمية المعروف بالأشدق، لطيم الشيطان الأفقم أيضًا، ليست له صحبة، وعرف بالأشدق؛ لأنه صعد المنبر فبالغ في شتم علي رضي الله عنه فأصيب لقوة، ولاه يزيد بن معاوية المدينة، وكان أحب الناس إلى أهل الشام.

وأبو شريح اسمه خويلد بن عمرو، وقيل عكسه، وقيل غير ذلك، حمل لواء قومه يوم الفتح وكان من العقلاء، وفي الصحابة من اسمه ذلك ثلاثة غيره.

ومعنى (( لا يعضد ) )لا يقطع بالمعضد، وهو سيف يمتهن في قطع الشجر، وقيل هو حديد، والعضد _ بالفتح _ ما تكسر من الشجر أو قطع، والخربة البلية بفتح المعجمة وضمها وبعد الراء موحدة، كما وقع في بعض نسخ (خ) ، ويقال العورة أو الزلة، وأصله من سرقة الإبل.

ولا يجوز قطع أعقاب شجر مكة التي أنشأها الله تعالى فيها مما لا صنع فيه لبني آدم، وإذا لم يجز قطع أغصانها فقطع شجرها أولى بالنهي، وقام الإجماع _ كما قال ابن المنذر _ على تحريم قطع شجر الحرم. واختلف فيما يجب على قاطعها، فذهب مالك لا شيء عليه غير الاستغفار، وهو مذهب عطاء، وبه قال أبو ثور.

وقال الشافعي عليه الجزاء في الجميع المحرم في ذلك والحلال سواء، في الشجرة الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة، وفي الخشب ما لشبه فيه قيمته ما بلغت دمًا كان أو طعامًا. وحكى بعض أصحاب الشافعي أن مذهبه كمذهب أبي حنيفة فيما أنبته الآدمي، ذكره ابن القصار، وهو قول صاحبيه أيضًا، إن قطع ما أنبته ص 1747 الآدمي فلا شيء عليه، وإن قطع ما أنبته الله تعالى كان عليه الجزاء حلالًا كان أو محرمًا، فإن بلغ هديًا كان هديًا وإلا قوم طعامًا فأطعم كل مسكين نصف صاع، لا جرم حكى بعضهم عن الكوفيين أن فيها قيمتها، والمحرم والحلال فيه سواء.

قال ابن المنذر ليس في ذلك دلالة من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وأقول كما قال مالك، واحتج الموجب بالحديث (( لا يعضد بها شجرة ) )، وهو نهي تحريم فيجب فيه الجزاء كالصيد، ويجاب بأن النهي عن قطعه لا يدل على وجوب الجزاء كالنهي عن تنفير الصيد والإشارة والمعاونة عليه.

وأجمع العلماء على إباحة أخذ كل ما نبتته الناس في الحرم من البقول والزروع والرياحين وغيرها، فوجب أن يكون ما يغرسه الناس من النخيل والشجر مباح قطعه؛ لأن ذلك بمنزلة الزرع الذي يزرعون فقطعه جائز، وما يجوز قطعه فمحال أن يكون فيه جزاء.

فإن قيل فأوجب الجزاء على ما أنبته الله؟ قيل لا أجد عليه دلالة؛ يوجب استواؤها في السقوط.

واختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم، فروينا عن مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم رخصوا في ذلك، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي.

قوله (( أن يسفك بها دمًا ) )اختلف فيمن أصاب حدًا في غير الحرم، من قتل أو زنًا أو سرقة ثم لجأ إلى الحرم هل تنفعه استعاذته؟

فقالت طائفة لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم حتى يخرج منه، فيؤخذ بالواجب لله تعالى، وإن أتى حدًا في الحرم أقيم فيه، وروي ذلك عن ابن عباس، وهو قول عبيد بن عمير، وعطاء، والشعبي، والحكم، وعلة ذلك قوله تعالى {ومن دخله كان آمنًا} [آل عمران97] قالوا فجعل الله حرمه آمنًا لمن دخله، فداخله آمن من كل شيء وجب عليه قبل دخوله حتى يخرج منه، وأما من كان فيه فأتى فيه حدًا فالواجب على السلطان أخذه به؛ لأنه ليس ممن دخله من غيره مستجيرًا به، وإنما جعل الله أمنه لمن دخله من غيره، قاله الطبري.

ذكر الطحاوي عن أبي يوسف قال الحرم لا يجير ظالمًا، وأن من لجأ إليه أقيم عليه الحد الواجب عليه قبل ذلك، ويشبه أن يكون هذا مذهب عمرو بن سعيد؛ لقوله إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم، فلم ينكر عليه ابن شريح، وقال قتادة في قوله تعالى {ومن دخله كان آمنًا} كان في الجاهلية، فأما اليوم فلو سرق في الحرم قطع، ولو قتل فيه قتل، ولا يمنع الحرم من إقامة الحدود عند مالك، واحتج بعض أصحابه بأنه عليه السلام قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ولم تعذه الكعبة من القتل، وهذا القول أولى بالصواب؛ لأن الله تعالى أمر بقطع السارق وجلد الزاني وأوجب القصاص أمرًا مطلقًا ولم يخص به مكانًا دون مكان، فإقامة الحدود تجب في كل مكان على ظاهر الكتاب.

وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة، وزفر، وأبي يوسف، ومحمد كقول ابن عباس إلا أنهم يجعلون ذلك أمانًا في كل حد يأتي على النفس من الحدود مثل أن يزني وهو محصن، أو يرتد، أو يقتل عمدًا، فيلجأ إلى الحرم، ولا يجعلون ذلك على الحدود التي لا تأتي على النفس كقطع السارق، وشبهه.

ثم قال ولا وجه لتفريقهم بين الحدود التي تأتي على النفس وبين التي لا تأتي على النفس.

وقول عمرو (( أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ) )كان عمرو فيه بعض التحامل، فتمادى الطمع إلى رد قول أبي شريح، ولعمري إن أبا شريح كان أعلم بتأويل ما لو سمعه عمرو وغاب عنه أبو شريح فكيف ما سمعه أبو شريح؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت