فهرس الكتاب

الصفحة 934 من 3844

ثم ساق من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر به، وترجم عليه بعد باب صدقة الفطر صاعًا من تمر، ثم ساق من حديث الليث، عن نافع عن ابن عمر (( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر ) )، إلى آخر باب صدقة الفطر.

وأضيفت الزكاة إلى الفطر؛ لأنها تجب بالفطر من رمضان وزكاة الفطر؛ أي الخلقة، قال تعالى {فطرت الله التي فطر الناس عليها} [الروم30] فكأنه يريد الصدقة عن البدن والنفس، شرعت تزكية للنفس وتطهيرًا لها وتنمية لعملها، فيزول الرفث واللغو ولإغناء الفقراء.

ومتى تجب عندنا؟ ثلاثة أقوال أصحها بأول ليلة العيد. 2 بطلوع الفجر، ص 1539 3 بهما. وعند المالكية أربعة أقوال مشهورها ليلة الفطر، وطلوع فجر يومه، وطلوع الشمس، وما بين الغروبين، وفائدته فيمن ولد أو مات أو أسلم أو بيع فيما دون ذلك.

وعند الحنفية تجب وقت طلوع الفجر الثاني من يوم الفطر، ومعرفة وقت أدائها يوم الفطر من أوله إلى آخره، وبعده يجب القضاء عند بعضهم، والأصح عند بعضهم أنه يكون أداء ويجب وجوبًا موسعًا.

وفي (( الذخيرة ) )لا يسقط بالتأخير ولا بالافتقار بعد وجوبها.

وقال عبد الملك المالكي آخر وقتها زوال الفطر. واختلف في تقديمها، فعندنا يجوز في كل رمضان، وقيل وقبله، وقيل بطلوع فجر أول رمضان وعند أبي حنيفة يجوز لسنة وسنتين، وعن خلف بن أيوب تجوز لشهر.

وفي (( الذخيرة ) )لا تجوز بأكثر من يوم أو يومين كمذهب أحمد، وقيل بنصف الشهر كتعجيل أذان الفجر من نصف الليل.

وصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أرطال وثلث بالبغدادي تقريبًا، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ثمانية أرطال، ورجع أبو يوسف إلى الأول، وهو قول الشافعي والجمهور.

وجنس المخرج القوت المعتبر، وهو البر والشعير والتمر والزبيب، وما أشبهها، بعضها بالنص وبعضها بالقياس بجامع القوت، وأبعد من قال لا يجزئ البر ولا الزبيب ولا يلتفت إليه، والمنصوص عليه في حديث ابن عمر التمر والشعير، وفي حديث أبي سعيد فيه الأقط يأتي، والزبيب يأتي أيضًا، وفي (د) الحنطة، وفي الحاكم السلت، ثم صححه، وخالفه ابن عبد البر.

قال (د) ووهم سفيان بن عيينة في ذكره الدقيق.

والمشهور عند المالكية إجزاء القطاني والتين والسويق واللحم واللبن، وفي الدقيق يزكى به قولان لهم، والجمهور على إجزاء الأقط، وبه قال مالك خلافًا للحسن، وانفرد أبو حنيفة بإجزاء القيمة.

وأجمع العلماء كما قال أبو عمر على أن الشعير والتمر لا يجزئ من أحدهما إلا صاع كامل.

وضابط من يؤدي عند الشافعي كما سلف، والجمهور من مالك فاضلًا عن قوته وقوت عياله يوم العيد، واعتبر أبو حنيفة النصاب، وقال سفيان من له خمسون درهمًا وجبت عليه، وقال بعضهم من له أربعون، ومشهور مذهب مالك وجوبها على من عنده قوت يومه معها، وقيل إنما تجب على من لا يجحف به إخراجها، وقيل غير ذلك كما أسلفناه.

قوله (( على العبد ) )تعلق به داود في وجوبها عليه، وأن السيد يجب عليه أن يمكنه من كسبها كما يمكنه من صلاة الفرض، ومذهب الجماعة وجوبها على السيد حتى لو كان للتجارة، وهو مذهب مالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وقال عطاء والنخعي والثوري والكوفيون إذا كان للتجارة لا يلزمه فطرته.

فرع لا تجب على المكاتب عند الجمهور، وعن مالك قولان قيل في كسبه، وقيل يخرجها سيده، وهو خلاف للشافعية أيضًا، ولا يجب على السيد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وقال ميمون بن مهران وعطاء وأبو ثور لم يؤد عنه سيده.

وضابط من يؤدي عنه كل من وجبت عليه نفقته، هذا هو الأصل الممهد، ويستثنى منه مسائل مذكورة في كتب الفقه، فالزوج تجب نفقة زوجته عليه، وكذا فطرتها وفاقًا لمالك في أصح قوليه وإسحاق، وخالف أبو حنيفة والثوري وابن المنذر عملًا بقوله على كل ذكر وأنثى. ص 1540

وانفرد داود فقال لا يخرج أحد زكاة الفطر عن أحد غيره لا ولد ولا غيره، وظاهر الحديث وجوب إخراجهما عمن ذكر وإن لفظة (( على ) )تقتضي الوجوب عليهم، تفهم ظاهرًا.

واختلف أصحابنا هل وجبت على المخرج أصلًا له أو تحملًا؟ والأصح ثانيهما.

فرع يخرج عن البادي كالحاضر خلافًا للزهري ومن وافقه في اختصاصها بالحاضرة وأهل القرى.

ووجوبها على الصغير وإن كان يتيمًا، خلافًا لمحمد بن الحسن وزفر، وإن كان له مال كما حكاه عنهما ابن بزيزة قالا فإن أخرجها عنه ضمن، وأصل مذهب مالك وجوب الزكاة على اليتيم مطلقًا.

وفي (( الهداية ) )للحنفية يخرج عن أولاده الصغار، فإن كان لهم مال أدى من مالهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد، قال والجمهور أنها غير واجبة على الجنين، ومن شواذ الأقوال وجوبها عنه، روينا ذلك عن عثمان بن عفان وسليمان بن يسار.

قلت وبه قال أحمد، قال ابن بزيزة وقال قوم من سلف العلماء [1] إذا كمل الجنين في بطن أمه مائة وعشرين يومًا قبل انصداع الفجر من ليلة الفطر وجب إخراجها عنه، كأنه اعتمد على حديث ابن مسعود (( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا ) ).

قوله (( من المسلمين ) )أجزأها الشافعي ومالك وأحمد وأبو ثور وابن المنذر، وقبلهم سعيد ابن المسيب والحسن فقالوا لا تؤدى إلا عن مسلم؛ لأنها طهرة وبركة، والكافر ليس من أهلها.

وقال أبو حنيفة وإسحاق وجماعة من السلف، منهم النخعي ومجاهد وسعيد بن جبير والثوري وسائر الكوفيين يجب على السيد إخراج الفطرة عن عبده الكافر.

وتأول الطحاوي قوله (( من المسلمين ) )على أن المراد بالمسلمين السادة دون العبيد، وما أبعده وأبعد بعضهم فقال إنها زيادة مضطربة وقد خولف فيها نافع عن ابن عمر.

وقول ابن بزيزة لا شك أنها زيادة مضطربة من جهة الإسناد والمعنى؛ لأن ابن عمر راويه كان من هديه إخراج الزكاة عن العبد الكافر، والراوي إذا خالف ما روى كان تضعيفًا لروايته، كذا قال علماؤنا، عجب فلا اضطراب، والعبرة عند الجمهور بما روى لا بما رأى، وغير ابن عمر رواها أيضًا، ولعل ما أعطاه ابن عمر عنهم كان تطوعًا، والأصح عندنا أنه لا يلزم المسلم فطرة العبد والقريب والزوجة الكفار.

قوله (( وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ) )فيه أن ذلك هو السنة، والبدار بها أول النهار أولى.

قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى {قد أفلح من تزكى* وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى14، 15] قال هي صدقة الفطر، وقال ابن مسعود إذا خرج إلى الصلاة تصدق بشيء، وقال عطاء الصدقات كلها، وقال ابن عباس تزكى من الشرك، وقال معناه {قد أفلح من تزكى} من قال لا إله إلا الله.

وتأخيرها عن الصلاة مكروه عند أبي الطيب تارك للأفضل عند البندنيجي من أصحابنا غير مجزئ عند بعض العلماء، حكاه ابن التين، ويحرم تأخيرها عن يومه، وقد ورد في الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا (( أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم ) ).

ويلزمه قضاؤها مع ذلك لإخراجها عن الوقت، نعم لو أخرت لانتظار قريب أو جار لم أكرهه كما قالوه في زكاة المال ما لم يخرج الوقت.

وقيل لأحمد فيما حكاه في (( المغني ) )إن أخرجها ولم يعطها؟ قال نعم، إذا أعدتها. وروى ابن عمر (( أنه عليه السلام كان ص 1541 إذا انصرف من الصلاة قسمها بينهم ) ).

وعن ابن سيرين والنخعي الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد، وقال أحمد أرجو أن لا يكون بأسًا به.

وصح من حديث ابن عباس رضي الله عنه (( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ) ). رواه (د، ق) والحاكم وقال صحيح على شرط (خ) .

باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين

فيه حديث ابن عمر، وقد سلف.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( صدقة الفطر على العبد ) )فإن قلت العبد لا يملك المال فكيف يجب عليه شيء؟ قلت أوجب طائفة على نفس العبد وعلى السيد تمكينه من كسبها لتمكينه من صلاة الفرض، والجمهور على سيده عنه.

ثم افترقوا فرقتين فقالت طائفة على السيد ابتداء وكلمة (( على ) )بمعنى عن وحروف الجر يقوم بعضها مقام البعض وقالت أخرى تجب على العبد ثم يحملها عنه سيده، فكلمة الاستعلاء جارية على ظاهرها.

فإن قلت ما حكم الزوجة؟ قلت قال الكوفيون تجب على الزوجة نفسها من مالها، وقال غيرهم إنها تابعة للنفقة فتلزم على زوجها لا عليها، وكذا كل من كانت نفقته من ماله كانت فطرته عليه و (( على ) )بمعنى عن.

الطيبي المذكورات جاءت مزدوجة على التضاد للاستيعاب لا للتخصيص فكأنه قال فرض على جميع المسلمين، وأما كونها فيم وجبت وعلى من وجبت فيعلم من نصوص أخر.

فإن قلت ما وجه الاستدلال بقوله (( كنا ) )؟ قلت بتقرير الرسول صلى الله عليه وسلم فعلهم أو من جهة أن له حكم الإجماع.

قوله (( الصدقة ) )اللام للعهد عن صدقة الفطر.

[1] في هامش المخطوط (( هذا الذي حكاه عن السلف لا يعرف إلا عن ابن حزم، فهو كلامه في (( المحلى ) )).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت