فهرس الكتاب

الصفحة 1810 من 3844

فيه حديث أبي سعيد لما نزلت بنو قريظة.

موضع الترجمة من الحديث لزوم حكم الحكم برضا الخصمين وإن لم ينتصب عمومًا، وهو ظاهر في جوازه في أمور الحرب وغيرها، وهو رد على الخوارج الذين أنكروا التحكيم على علي، والنزول على حكم الإمام أو غيره جائز، ولهم الرجوع ما لم يحكم، فإذا حكم فلا رجوع، ولهم أن ينتقلوا من حكم رجل إلى غيره.

وفيه أن التحاكم إلى رجل معلوم الصلاح والخير لازم للمتحاكمين، فكيف بيننا وبين عدونا في الدين؟ فالمال أخف مؤنة من النفس والأهل.

وفيه أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المسلمين، وإكرام أهل الفضل في مجلس السلطان الأكبر، والقيام فيه لغيره من أصحابه وسادة أتباعه، وإلزام الناس كافة القيام إلى سيدهم، وقد اعترض هذا من قال إنما أمر الشارع الأنصار بهذا خاصة؛ لأنه سيدهم، ولا دليل عليه بل هو سيد من حضر من أنصاري ومهاجري؛ لأنه قال فيه قولًا مجملًا لم يخص به أحدًا ممن هو بين يديه من غيره، وسيأتي في الاستئذان تأويل حديث الباب مع ما عارضه إن شاء الله تعالى.

وفيه كما قال الطبري البيان عن أن لإمام المسلمين إذا حاصر العدو فسألوهم أن ينزلوهم على حكم رجل من المسلمين مرضية ص 2675 أمانته على الإسلام وأهله، موثوق بعقله ودينه أن يجيبهم إلى ذلك، وإن كان ذلك الرجل غائبًا عن الجيش؛ لأن سعدًا لم يشهد حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني قريظة، حين سألوا رسول الله أن ينزلوا على حكمه، وكان بالمدينة يعالج كلمه الذي كلم بالخندق، فأرسل إليه رسول الله حتى حكم فيهم، فإن وافق حكمه الله ورسوله أمضى، وإن خالف رده قيل للنازلين على حكمه إن رضيتم بحكم غيره مما يجوز أمضينا حكمه، وإن كرهتم ذلك رددناكم إلى حصنكم.

وفيه أن الإمام إذا ظهر من قوم من أهل الحرب الذي بينه وبينهم هدنة على خيانة وغدر أن ينبذ إليهم على سواء وأن يحاربهم، وذلك أن بني قريظة كانوا أهل موادعة من رسول الله قبل الخندق، فلما كان يوم الأحزاب ظاهروا قريشًا وأبا سفيان على رسول الله وراسلوهم إنا معكم فاثبتوا مكانكم، فأحل الله بذلك من فعلهم وقتالهم ومنابذتهم على سواء، وفيه نزلت {وإما تخافن من قوم خيانة} الآية [الأنفال58] فحاصرهم والمسلمون معه حتى نزلوا على حكم سعد.

وفيه كما قال قد يوافق برأيه ما في حكم الله تعالى، ولا يعلم ذلك إلا لسان نبي كما قال عليه السلام في سعد.

وقد أسلفنا أن قوله (( قوموا إلى سيدكم ) )ظاهر في القيام لأهل الدين والعلماء على وجه الإكرام والاحترام، وقد قام طلحة بن عبيد الله لكعب بن مالك لما تيب عليه فكان كعب يراها له، قال السهيلي وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية ولعدي بن حاتم حين قدما عليه، وقام لمولاه زيد بن حارثة ولغيره أيضًا، وكان يقوم لابنته فاطمة إذا دخلت عليه وتقوم له إذا قدم عليها، وقام لجعفر ابن عمه، وليس هذا معارض بحديث معاوية (( من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار ) )؛ لأن هذا الوعيد إنما يوجه للمتكبرين وإلى من يغضب أو يسخط ألا يقام له.

وقال القرطبي إنما المكروه القيام للمرء وهو جالس، وتأول بعض أصحابنا (( قوموا إلى سيدكم ) )على أن ذلك مخصوص بسعد، وقال بعضهم أمرهم بالقيام لينزلوه عن الحمار لمرضه، وفيه بعد.

وفيه جواز قول الرجل للآخر يا سيدي إذا علم منه خيرًا وفضلًا؛ وإنما جاءت الكراهة في تسويد الرجل الفاجر.

قوله (( بحكم الملك ) )هو بكسر اللام، وهو المشهور في الرواية وكذا هو في (م) قطعًا، وفتح في (خ) بعضهم اللام، فإن صح فالمراد جبريل في الحكم الذي جاء به عن الله، ورد ابن الجوزي من وجهين

أحدهما ما نقل أن ملكًا نزل في شأنهم بشيء، ولو نزل بشيء اتبع وترك قول سعد، قلت في غير رواية البكائي أنه عليه السلام قال في حكم سعد (( بذلك طرقني الملك سحرًا ) ).

ثانيهما في بعض ألفاظ الصحيح كما سيأتي في موضعه (( قضيت بحكم الله ) )، وأما ابن التين فقال المعنى كله واحد على الكسر والفتح. انتهى كلام ابن الملقن.

أقول وقد ذكر النووي رحمه الله تعالى في كتاب الترخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمروءة من أهل الإسلام بإسناده عن أبي سعيد الخدري أن ناسًا نزلوا على حكم سعد الحديث كما سبق.

وقال أخرجه (خ، م، د، ن) وغيرهم، وقال قال (م) لا أعلم في قيام الرجل حديثًا أصح من هذا قال الخطابي والبغوي بعد أن ذكر الحديث المذكور وما روي من قوله صلى الله عليه وسلم (( من أحب أن له ص 2676 الرجال صفوفًا فهو أن يأمرهم بذلك ويلزمهم إياه على مذهب الكسر والنحو، وذكر حديث كعب وتوبته وقيام طلحة له، وذكر قيام النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة ابنته وقيامها له صلى الله عليه وسلم هذا حديث رواه(د، ت، ن) وهو أصرح الأدلة في المسألة.

وقال بإسناده عن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا يومًا فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله فأجلسه بين يديه هكذا رواه (د) في كتاب الأدب من سننه مرسلًا.

قال بإسناده عن ابن شهاب أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل فأسلمت يوم فتح مكة وهرب زوجها من الإسلام حتى قدم اليمن فإن يجلب أم حكيم حتى قدمت عليه بالتمر فدعت إلى الإسلام فأسلم تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحًا وما عليه رداء حتى بايعه هكذا رواه الإمام مالك مرسلًا، وهذا والحديث الذي قبله وإن كانا مرسلين فيصح الاحتجاج بهما في هذه المسألة وذلك لأن أكثر الفقهاء قالوا يجوز الاحتجاج بالمرسل.

قال (د، ن) بسندهما عن أبي هريرة رضي الله عنه كان رسول الله يحدثنا فإذا قام قمنا قيامًا حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه إسناد هذا الحديث إسناد الصحيح.

وقال أبو داود بسنده عن رجل من غيره أنه قال لأبي ذر هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه قال ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إلي ذات يوم ولم أكن في أهلي فلما جئت اخترت أنه أرسل إلي فأتيته وهو على سريره فالتزمني وكانت تلك أجود وأجود هكذا رواه عن هذا الرجل المجهول وليس الاعتماد عليه وإنما يستأنس به ويضم إلى ما قبله وما بعده.

وذكر قيامه صلى الله عليه وسلم لزيد مولاه قال وروى الحافظ أبو موسى الأصبهاني في الحر الذي صنفه في إباحة القيام بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فأتاه قرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقه وقبله، وفي الاستدلال بهذا نظر.

وعن حماد بن زيد قال كنا عند أيوب فجاء يونس فقال قوموا لسيدكم أو قال لسيدنا، وذكر النووي نحو ذلك من أفعال العلماء والصالحين انتهى ما ذكرته من كلام النووي رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت