فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 3844

قوله كان إذا أصاب ثوب أحدهم إلى آخره.

هذا الحديث أخرجه في المظالم، وأخرجه مسلم هنا والأربعة أيضًا.

وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة العبدي مشهور، وانفرد أبو داود بأبي وائل القاضي عبد الله بن بحير، وليس في الكتب الستة غير هذين بهذه الكنية.

والسباطة _بضم السين وفتح الباء الموحدة _ الموضع الذي يرمى فيه التراب ونحوه يكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، ويكون ذلك في الغالب سهلًا فلا يرد على بائله. وقيل إنها الكناسة نفسها، وكانت هذه السباطة بالمدينة

وبوله _ صلى الله عليه وسلم _ في هذه السباطة ص 534 يحتمل أوجهًا

أظهرها أنهم كانوا يؤثرون ذلك، ولا يكرهونه بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه والأكل من طعامه، بل كانوا يستشفون به، بل ورد أن الأرض تبتلع ما يخرج منه ويفوح له رائحة طيبة.

وقيل أنها كانت مواتًا مباحة لا اختصاص لهم بها، وكانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيفت إليهم؛ لقربها منهم، فإضافتها إضافة اختصاص لا إضافة ملك.

ويحتمل أن يكونوا أذنوا في ذلك إما صريحًا أو دلالة.

وروى وكيع بسنده، عن مجاهد ما بال النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا إلا مرة واحدة في كثيب أعجبه. وهذا الحديث يرده.

والمعروف من عادته عليه أفضل الصلاة والسلام البعد في المذهب. وأما بوله في هذه السباطة؛ فلأنه _ صلى الله عليه وسلم _ كان من الشغل بأمور المسلمين والنظر في مصالحهم بالمحل المعروف، فلعله طال عليه المجلس حتى حضره البول فلم يمكن التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السباطة لدمثها، وقام حذيفة بقربه؛ ليستره عن الناس.

وفي سبب بوله _ صلى الله عليه وسلم _ قائمًا أوجه

أحدها أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب به، فلعل ذلك كان به.

ثانيها أنه فعل ذلك لجرح كان بمأبضه، والمأبض باطن الركبة.

ورواه الحاكم في"مستدركه"، وقال رواته كلهم ثقات. وفيه نظر لا جرم ضعفه البيهقي وغيره.

ثالثها أنه لم يجد مكانًا للقعود فاضطر إلى القيام؛ لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا مرتفعًا.

رابعها أنه فعل ذلك؛ لأنها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر، بخلاف القعود.

ومنه قول عمر _ رضي الله عنه _ البول قائما أحصن للدبر.

خامسها أنه فعله لبيان الجواز، وعادته المستمرة القعود، دليله حديث عائشة من حدثكم أنه _ صلى الله عليه وسلم _ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا. رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، لا جرم صححه ابن حبان والحاكم على شرط البخاري ومسلم.

سادسها لعله كانت في السباطة نجاسة رطبة، وهي رخوة، فخشي أن يتطاير عليه، أبداه المنذري.

واعلم أن بعضهم ادعى نسخ حديث حذيفة بعائشة.

قال أبو عوانة في"صحيحه"بعد أن أخرجه بلفظ ما بال قائمًا منذ أنزل عليه القرآن. حديث حذيفة منسوخ بهذا.

وروي في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تثبت، وحديث عائشة السالف ثابت.

ومن الأحاديث الضعيفة حديث جابر نهى رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ الرجل أن يبول قائمًا.

وقال ابن المنذر ثبت أن عمر وابنه وزيد بن ثابت وسهل بن سعد بالوا قيامًا. قال وروي ذلك عن علي وأنس وأبي هريرة.

وفعل ذلك ابن سيرين وعروة بن الزبير.

وكرهه ابن مسعود، والشعبي وإبراهيم بن سعد، وكان ابن سعد لا يجيز شهادة من بال قائمًا، ولم يبلغه الحديث، كما قال الداودي في"شرحه".

قوله (( ثم دعا بماء ) )فيه جواز الاستعانة في العبادات.

قوله (( فتوضأ به ) )المراد به الوضوء الشرعي وفيه مطلوبية الوضوء عقب الحدث حتى يكون على طهارة، وإن كان المراد بالوضوء الاستنجاء ففيه رد على من منعه بالماء.

ومعنى (( انتبذت منه ) )تأخرت عنه بعيدًا، وفعل حذيفة ذلك تأدبًا معه، لأنها حالة تخفي ويستحيى منها.

قوله (( فأشار إلي فجئته ) )وفي رواية فقال"ادنه". قد يستدل به على جواز التكلم عند قضاء الحاجة، إلا أن يئول القول على الإشارة، وإنما استدناه ليستتر به عن أعين الناس، ولأنها حالة يستخفي منها، وكانت الحاجة بولًا يؤمن معه من الحدث الآخر، ولهذا استدناه.

وجاء في حديث آخر ص 535 أنه قال له"تنح"لكونه كان قاعدًا ويحتاج إلى الحدثين جميعًا.

ولهذا قال بعض العلماء في هذا الحديث من السنة القرب من البائل إذا كان قائمًا، وإن كان قاعدًا فالسنة الإبعاد عنه، وكانت السباطة خلف الحائط ويقال أنه استقبل الجدار واستتر من المارين خلفه بحذيفة.

وقول حذيفة (( ليته أمسك ) )مقصود أن هذا التشديد خلاف السنة، فإنه _ صلى الله عليه وسلم _ بال قائمًا، ولا شك في كون القائم يتعرض للرشاش فلم يتكلف إلى هذا الاحتمال، ولا تكلف البول في قارورة، كما كان يفعله أبو موسى.

قوله (( كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه ) )وفي رواية إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه _يعني بالجلد التي كانوا يلبسونها_ كما قاله القرطبي.

قال وحمله بعض مشايخنا على ظاهره، وأن ذلك من الإصر الذي حملوه. وقرضه أي قطعه.

فيه جواز البول قائمًا، وقرب الإنسان من البائل، وطلب البائل من صاحبه الذي يدل عليه القرب منه؛ ليستره، واستحباب التستر، وجواز البول بقرب الديار والاستعانة، وكراهة مدافعة البول إذا قلنا إن البول في السباطة لذلك، وكراهة الوسوسة، وتقديم أعظم المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين، وخدمة العالم، والتسهيل على هذه الأمة، والرخصة في يسير البول، لأن المعهود ممن بال قائمًا أن يتطاير إليه مثل رءوس الإبر، وهو مذهب الكوفيين خلافًا لمالك والشافعي.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( رابتني ) )بضم الباء وبنصب النبي لأنه عطف على المفعول لا على الفاعل وعليه الرواية ويحتمل رفعه أيضًا من جهة صحة المعنى. فإن قلت كيف جاز أن يكون الفاعل والمفعول عبارة عن شيء واحد. قلت ذلك جائز في أفعال القلوب فقط لأنه من خصائصه وتقديره رابت نفسي والنبي متماشين.

قوله (( فانتبذت منه ) )الجوهري جلس فلان نبذه بفتح النون وضمها؛ أي ناحية وانتبذ فلان أي ذهب ناحيته. فإن قلت جاء في الصحيح أنه عليه السلام قال حين أراد قضاء الحاجة تنح. فما وجه الجمع قلت هذا عند القعود والتقريب كان عند القيام، والفرق قد تقدم من جوف استماع الصوت وعدمه، وفيه جواز البول قائمًا وغير ذلك كما سبق بيانه.

قوله كان (( يشدد ) )أي كان يحتاط عظيما في الاحتراز عن رشاشاته حتى كان يبول في القارورة و (( بنو إسرائيل ) )بنو يعقوب وإسرائيل لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليهم. فإن قلت بنو جمع فلم أفرد كان الراجع إليه. قلت أن فيه ضمير الشأن والجملة الشرطية خبره وفاعل أصاب ضمير البول (( وقرضه ) )بالمعجمة؛ أي قطعه ومنه المقراض.

قوله (( ليته ) )أي ليت أبا موسى أمسك نفسه عن هذا التشديد أو لسانه عن هذا القول أو كليهما عن كليهما، ومقصوده أن هذا التشديد خلاف السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائما، ولاشك في كون القائم معرضًا للرشاش ولم يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاحتمال ولم يتكلف البول في القارورة. قال ابن بطال هو حجة لمن رخص في يسير البول لأن المعهود ممن بال قائما أن يتطاير إليه مثل رؤوس الإبر، وفيه يسر وسماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب القرض كما أوجب على بني إسرائيل، واختلف في مقدار رؤوس الإبر فقال مالك يغسلها استحسانا وتنزها والشافعي يغسلها وجوبا وأبو حنيفة سهل فيها كما في يسير كل النجاسات وقال الثوري كانوا يرخصون في القليل من البول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت