فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 3844

وقالت أم سلمة طفت وراء الناس.

هذا التعليق سلف في الباب قبله ثم ساق حديث ابن عباس انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين .. إلى آخره.

وفيه وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر .. إلى آخره.

ثم ساق قول عكرمة عن ابن عباس قرأ النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر .. إلى آخره، وهذا من أفراد (خ) ، والأول أخرجه (م) ، وخرجه (خ) في التفسير أيضًا.

والحديث الأول والثاني ظاهر فيما ترجم له من الجهر بالقراءة في صلاة الفجر [1] . وأما الثالث فوجه الدلالة منه عموم قوله (( فيما أمر ) )يعني جهر، بدليل قوله (( وسكت فيما أمر ) )أي أسر، فيدخل الفجر في الذي جهر فيه أيضًا، والدليل عليه قول خباب إنهم كانوا يعرفون قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أسر باضطراب لحيته، فسمى السر سكوتا، ولا يظن بالشارع أنه سكت في صلاة صلاها؛ لأنه قد قال (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) )، وقال الإسماعيلي إن سلم الحديث من قبل عكرمة من الطعن فالذي يصلح أن يوجه عنه أنه سكت عن الإعلان لا عن القراءة.

وقال الخطابي لو شاء أن يترك ذكر بيان أفعال الصلاة وأقوالها حتى يكون قرآنًا متلوا لفعله، ولم يتركه عن نسيان، لكنه وكل الأمر في بيان ذلك إلى نبيه عليه السلام، ثم أمرنا بالاقتداء به، وهو معنى قوله {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل44] ولم تختلف الأمة في أن أفعاله التي في بيان مجمل الكتاب ص 988 واجبة، كما لم يختلفوا في أن أفعاله التي هي من نوم وطعام وشراب وشبهها غير واجبة. وإنما اختلفوا في أفعاله التي تتصل بأمر الشريعة مما ليس شأن محل الكتاب، فالذي نختار أنها واجبة.

وحديث ابن عباس دال على أن الشهب إنما رميت في أول الإسلام من أجل استراق الشياطين السمع، لكن رميها لم يزل قبل الإسلام، وعلى ممر الدهور.

قال الزمخشري وغيره إن الصحيح إنه كان قبل المبعث أيضًا، وقد جاء ذكره في شعر أهل الجاهلية، وكانت تسترق في بعض الأحوال، فلما وقع البعث كثر الرجم، وزاد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجن، ومنع الاستراق أصلًا.

وقال ابن الجوزي الذي أميل إليه أن الشهب لم ترم إلا قبيل مولده، ثم استمر ذلك وكثر حين بعث.

أقول وفي بعض التواريخ أنه كان بين مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أن راث قريش النجوم يوفى بها في السماء عشرون يومًا وقد قال تعالى {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} إلى قوله {فأتبعه شهاب ثاقب} فدل بقوله {حفظًا من كل شيطان} أنها لم تزل محفوظة مذ خلقت الكواكب لها ريبة.

وقد سئل الزهري عن انقضاض الكواكب في الجاهلية فقال قد كان ذلك فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شدد وغلط ألا ترى إلى قول الشاعر

~فانقض كالوكب الدري يتبعه نقع يخال على أرجائه الطنب

وقد روي أخبار في هذا الباب والذي يشبه الحق أنه قد كان قبل ذلك، وأنه قرئ به عند الوحي ضرب من الغدات يقضي به الخاطف المستمع.

وقال السهيلي في الروض وقد روي أن إبليس كان يخترق السموات قبل عيسى فلما بعث عيسى أو ولد عيسى عليه السلام حجب عن ثلاث سموات فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم حجب عنها كلها وقذفت الشياطين بالنجوم وقالت قريش حين كثر القذف بالنجوم قامت الساعة فقال عتبة بن ربيعة انظروا إلى العبوق فإن كان رمي به فقد آن قيام الساعة وإلا فلا.

وذكر ابن إسحاق في هذا الباب ما رميت به الشياطين حين ظهر القذف بالنجوم لئلا يلتبس بالوحي وليكون ذلك أظهر للحجة والذي قاله صحيح ولكن القذف بالنجوم قد كان قديمًا وهو موجود في أشعار الجاهلية.

وفي قول الله تعالى {إنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا} ولم تقل حرست دليل على أنه قد كان منه شيء فلما بعث صلى الله عليه وسلم ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا انتهى.

قوله أوحي قرئ (( وحي ) )على الأصل (( واحي ) ).

و (( النفر ) )جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة، وفي (( صحيح الحاكم ) )عن ابن مسعود هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة.

واختلف في أصلهم فقال الحسن إنهم ولد إبليس، وكافرهم يسمى شيطانا، وعن ابن عباس هم ولد الجان، والشياطين ولد إبليس.

وأبعد من أنكر وجودهم، وإنما قيل بإنكار تسلطهم على البشر، والصواب أنهم موجودون [2] . وهل هم أجسام أو جواهر قائمة بأنفسها؟ قولان.

وقام الاتفاق على تعذيبهم قال تعالى {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} والصواب أن مؤمنهم يدخل الجنة ينعم، قال تعالى {ولكل درجات مما عملوا} بعد قوله {يا معشر الجن والإنس} الآيات [3] . وعن أبي حنيفةص 989 لا، وإنما تحصل لهم النجاة من النار، قال {ويجركم من عذاب أليم} ثم يصيرون ترابًا.

وكان خروجه عليه السلام إلى الطائف واستماع الجن بعد موت عمه وخديجة، وقبل المعراج، فلم يستجب له أحد، ورجع في جوار المطعم بن عدي، وذلك يعني خروجه في شوال سنة عشر من النبوة، وكان معه زيد بن حارثة فاستمع له الجن وهو يقرأ سورة الجن، كذا في (( طبقات ابن سعد ) )، وتأمل رواية (خ) التي بمعناها فإن ظاهرها أن سورة الجن إنما نزلت بعد استماعهم.

وزعم جماعة أن الشهب لا تصيبهم، منهم السهيلي، وهذا فائدة تعرضهم لذلك بعد علمهم به، ويجوز أن ينسوه لينفذ فيهم القضاء كما قيل في الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، ولا يرى الفخ على ظاهرها.

فإن قلت تزول الكواكب التي يرمي بها؟ قلت يجوز أن يفنى ويتلاشى، ويجوز أن لا، فربما فصل شعاع من الكوكب فأحرق، نبه عليه ابن الجوزي.

وقال النووي في قوله تعالى {رجوما للشياطين} قيل هو مصدر فتكون الكواكب هي الراجمة المحرقة بشهبها لا بأنفسها، وقيل هو اسم فتكون هي بأنفسها التي ترجم بها، وتكون (( رجوم ) )بمعنى رجم بفتح الراء.

و (( السوق ) )يذكر ويؤنث، قال في (( الجامع ) )اشتقاقها من سوق الناس بصنائعهم إليها، وقال ابن التين لقيام الناس فيها على سوقهم.

و (( عكاظ ) )سوق معروف بناحية مكة.

أقول قال ياقوت عكاظ بضم أوله وآخره ظاء معجمة هو نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة وبينه وبين مكة ثلاث ليال كانت تقام سوق للعرب بموضع منه فقال له الابتداد به كانت الفجار وهناك صخور عظام يطوفون بها ويحجون إليها وكانت للعرب أسواق بمواضع حول مكة فعكاظ بين نخلة والطائف وذو المجاز خلف عرفة ومجنة بمر الظهران ولم يكن فيها أعظم من عكاظ وكانت العرب إذا حجت تقيم بعكاظ شهر شوال ثم تنتقل إلى سوق مجنة فتقيم فيه عشرين يومًا من ذي القعدة ثم تنتقل إلى سوق ذي المجاز فيقيم فيه إلى أيام الحج.

وقيل ما ذكره الزمخشري.

أقول وقال أيضًا هي سوق ذكره في الأمكنة وإيلياء ويصرف ولا يصرف وعامدين أي حاصدين وتهامة بكسر التاء ونخلة قريب منها وإسوة بكسر الهمزة وضمها قرئ بهما ومعناه القدوة.

أقول

قال ياقوت تهامة بالكسر تهامة تساير البحر منها مكة، ص 990 والحجاز ما حجز بين تهامة والعروض قال الأصمعي إذا خلفت عمان مصعدًا فقد أنجدت فلا تزال منجدًا حتى تزال في ثنايا ذات عرق فإذا فعلت ذلك فقد أتهمت إلى البحر، وإذا عرضت لك الحرار، وأنت منجد فذلك الحجاز وإذا تصوبت من ثنايا العرج واستقبلك الأراك والمرخ فقد أتهمت، وإنما سمي الحجاز حجازًا؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد وقيل طرف تهامة من قبل الحجاز مدارج العرج وأول تهامة من قبل نجد ذات عرق والمدارج الثنايا الغلاظ وقيل تخرج من مكة فلا تزال في تهامة حتى تبلغ عسفان.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( حيل ) )يقال حال الشيء بيني وبينك أي حجز و (( الشهب ) )بضم الهاء جمع شهاب، وهو شعلة نار ساطعة كأنها كوكب منقض و (( فاضربوا ) )أي سيروا في الأرض كلها و (( مشارق ) )منصوب على الظرفية أي في مشارق.

قوله (( أولئك ) )أي الشياطين (( الذين توجهوا ناحية تهامة ) )وهي بكسر التاء بلد، وقيل هي اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، وسميت بذلك لشدة حرها لأنها مشتقة من التهم بفتح التاء والهاء وهو شدة الحر وركود الريح.

وقال صاحب المطالع أنها من تهم الدهن إذا تغير وسميت بذلك لتغير هوائها.

قوله (( بنخلة ) )غير منصرف موضع معروف ثمة وبطن نخلة هو موضع بين مكة والطائف.

فإن قلت (( عامدين ) )حال منه فما وجه الجمع. قلت جمع باعتبار أن أصحابه معه كما يقال جاء السلطان، والمراد هو وأتباعه أو جمع تعظيمًا.

قوله (( استمعوا له ) )الفرق بين السماع والإسماع أن باب الافتعال لا بد فيه من التصرف والاستماع سماع بالقصد والإصغاء إليه والسماع أعم منه.

قوله (( فهنالك ) )ظرف مكان والعامل فيه قالوا، وفي بعضها فقالوا والعامل رجعوا مقدرا يفسره المذكور.

النووي ظاهر الحديث يدل على أن الحيلولة بين الشياطين وخبر السماء حدثت بعد نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولم يكن قبلها، ولهذا أنكرته الشياطين وضربوا مشارق الأرض ومغاربها ليعرفوا خبره، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب حتى قطع بينهم وبين صعود السماء واستراق السمع فما أخبر الله تعالى {إنا لمسنا السماء فوجدناها} الآية [4] .

وقال جماعة مازالت الشهب مذ كانت الدنيا وقالوا كانت قليلة فغلظ أمرها وكثرت حين بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذكر المفسرون أن الرمي وحراسة السماء كانت موجودة قبل النبوة لكن إنما كانت تقع عند حدوث أمر عظيم ينزل بأهل الأرض أو إرسال رسول إليهم ونحوه، وقيل كانت الشهب قبل البعثة مرئية ومعلومة لكن رجم الشياطين وإحراقهم بهم لم يكن إلا بعدها.

وفيه أن صلاة الجماعة مشروعة في السفر وأنها شرعت في أول النبوة.

أقول وفيه وجود الجن والشياطين. فإن قلت الحديث يدل على أنها نوع واحد. قلت وهو كذلك إلا أنهما صارا صنفين باعتبار أمر عرض لهما وهو الكفر والايمان فالكافر منهم يسمى شيطانًا والمؤمن جنًا.

قوله (( أمر ) )بضم الهمزة والآمر هو الله تعالى و (( نسيا ) )أي تاركًا لبيان أفعال الصلاة.

فإن قلت هذا الكلام من أي الأساليب إذ النسيان ممتنع على الله تعالى. قلت من أسلوب التجوز أطلق الملزوم وأراد اللازم إذ نسيان الشيء مستلزم لتركه.

فإن قلت لم ما قلت أنه كناية قلت لأن شرط الكناية إمكان إرادة معناه الأصلي، وهاهنا يمتنع وشرطه أيضًا المساواة في الملزوم، وههنا الترك ليس مستلزمًا للنسيان إذ قد يكون الترك بالعمد، وهذا عند أهل المعاني وأما عند الأصولي فالكناية أيضًا نوع من المجاز.

الخطابي لفظ سكت يريد به أنه أسر القراءة لا أنه تركها فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يزال إمامًا فلا بد له من القراءة سرًا أو جهرًا، ومعنى الآية ومثله بها في هذا الموضع هو أنه لو شاء أن ينزل ذكر بيان أفعال الصلاة وأحوالها حتى يكون قرآنا متلوا لفعله ولم يتركه عن نسيان لكنه وكل الأمر في بيانه إلى الرسول ثم أمر بالاقتداء وائتساءً بفعله.

فإن قلت كيف دلالته على الترجمة. قلت المقصود من الترجمة بيان سنة الجهر بالقراءة للأمة، وقد ثبت بالروايات أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح جهرًا فهو كان مأمورًا بالجهر ونحن مأمورون بالأسوة فيسن لنا الجهر، وهو المطلوب وأنه لم يورده في هذا الباب مستقلًا في دلالته على الترجمة بل تتميمًا للحديث السابق آنفا الذي رواه أيضًا ابن عباس أو لما كان المراد من قرأ فيما أمر جهر فيما أمر ناسب الترجمة في أصلص 991 الجهر بالقراءة فبهذا القدر من المناسبة ذكره في هذا الباب.

[1] في هامش المخطوط (( أقول فإن قلت ما الحكمة في الجهر في الأوليين من الجهرية والإسرار في الأخريين قلت والله أعلم أنه لإعلام من سهى عن صلاته ليسمع قراءة المصلي فيتوجه إليها ويصلي والتنبيه يحصل بالأوليين والله أعلم بسر ذلك ... فإن قلت صلاة الصبح لا تخرج من أن تكون ليلية أو نهارية فإن كانت ليلية فكيف يجب إمساك ما بعد الفجر للصائم وإن كانت نهارية فينبغي أن يسر في قراءتها قلت هي نهارية لكنه شرع فيها الجهر فالجمعة والعيدين والكسوف وقد قيل عن الأعمش سليمان أنه قال لولا النهي لصليت الصبح ثم تسحرت فإن صلاة الصبح ليلية وقد قال عليه السلام (( صلاة النهار عجماء ) ))) .

[2] في هامش المخطوط (( أقول قال والدي في شرح الجواهر قال أهل الملة الجن والشيطان أجسام لطيفة تتشكل بأي شكل شاءت والفلاسفة منعوه لأنها إما أن تكون كيفية فيجب أن ترى وإلا جاز أن تكون بحضرتنا جبال وبلاد ولا نراها وإما أن تكون لطيفة فيجب أن يسهل انقسامه ويرى قوامه وتتلاشى بأدنى قوة كالريح، وأجيب بأن لطفها بمعنى الشفافية فلا تجب الرؤية ولا سهولة الانقسام ولا رقة القوام كالسماء ) ).

[3] في هامش المخطوط (( أقول قوله {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون} الآية ) ).

[4] في هامش المخطوط (( أقول ويؤيد هذا القول قوله تعالى {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين} وهو الصحيح فإنها مجعولة لذلك فلا يمكن أن تنفك عنها ولا ترجم بها ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت