فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث أبي هريرة أن رسول الله ص 2717 قال (( لا يقتسم ورثتي ) ).
وحديث عائشة توفي رسول الله وما في بيتي من شيء يأكله، وحديث عمرو [بن] الحارث ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم.
الحديث الثالث سلف.
ووقع للقابسي ثنا يحيى، عن سفيان به، وصوابه ثنا مسدد ثنا يحيى به، كما نبه عليه الجياني، ووجه مطابقة الثاني للترجمة؛ لأنها لم تذكر أنها أخذته في نصيبها، إذ لو لم تكن النفقة مستحقة، لكان الشعير الموجود لبيت المال، إذ كان مقسومًا بين الورثة وهي إحداهن.
وأراد في حديث عمر بالأرض التي ينفق منها على نسائه بعد وفاته، فطابق الترجمة، واختلف في مؤنة العامل، فقيل حافر قبره ومتولي دفنه، وقيل الخليفة بعده، وقيل عمال حوائطه.
قولها (( ذو كبد ) )تريد إنسانًا أو بهيمة و (( الرف ) )كالرفرف الصغيرة في البيت إلا أنه ليس عليه باب، و (( شطر شعير ) )نصف وسق.
وقال ابن الجوزي أي جزءًا من شعير قال ويشبه أن يكون نصف شيء كالصاع ونحوه.
قولها (( فكلته ففني ) )قال الداودي بورك لها فيه حتى شعرت، فأصابته بالعين.
وفيه أن البركة مع جهل المأخوذ منه، أو أنها أكثر ما تكون في المجهولات ولا يبالي أن يكون المأخوذ منه مكتالًا، وإنما لا يكتال المأخوذ لأنه من باب الإحصاء من قوله (( لا تحصي فيحصى عليك ) ).
وأما حديث المقدام بن معدي كرب (( كيلو طعامكم يبارك لكم فيه ) ). ففيه جوابان
1 أن المراد بكيله أول تملكه إياه.
2 عند إخراج النفقة منه بشرط أن يبقى الباقي مجهولًا، ويكيل ما يخرجه، لئلا يخرج أكثر من الحاجة أو أقل.
قال ابن بطال كان الشعير الذي عند عائشة غير مكيل، فكانت البركة فيه من أجل جهلها بكيله، وكانت تظن في كل يوم أنه سيفنى لقلته، كانت تتوهمها فيه فلذلك طال عليها، فلما كالته علمت مدة بقائه ففني عند تمام ذلك الأمر.
قوله (( لا تقتسم ورثتي دينارًا ) )بمعنى النهي كما قال الطبري؛ لأنه لم يترك دينارًا ولا درهمًا يقسم؛ لأنه مات ودرعه مرهونة بوسق من شعير، ولا يجوز النهي عما لا سبيل إلى فعله، وإنما ينهى المرء عما يمكن وقوعه منه.
ومعنى الخبر أنه ليس يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا، لأني لا أخلفهما بعدي [1] ، وقال غيره إنما استثنى عليه السلام نفقة نسائه بعد موته لأنهن محبوسات عليه، لقوله تعالى {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده} [الأحزاب53] .
قال المهلب ومن أجل ظاهر حديث أبي هريرة طلبت فاطمة ميراثها في الأصول؛ لأنها وجهت قوله (( لا يقتسم دينارًا ) )إلى الدنانير ونحوها خاصة لا إلى الطعام والأثاث والعروض، وما تجري فيه المؤنة والنفقة.
وجزم ابن بطال أن المراد بالعامل عامل نخله فيما خصه الله به من الفيء في فدك وبني النضير وسهمه بخيبر، مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكان له من ذلك نفقته، ونفقة أهله، ويجعل سائره في نفع المسلمين، وجرت النفقة بعده من ذلك على أزواجه، وعلى عمال الحوائط إلى أيام عمر، فخير عمر أزواجه بين أن يتمادين على ذلك أو يقطع لهن قطائع، فاختارت عائشة وحفصة الثاني، فقطع لهما بالغابة وأخرجهما عن حصتهما من ثمرة تلك الحيطان، فملكتا ما أقطعهما عمر من ذلك إلى أن ماتتا، وورث عنهما.
وفيه من الفقه كما قال الطبري أن من كان مشتغلًا من الأعمال بما فيه لله بر، وللعبد عليه من الله أجر أنه يجوز أخذ الرزق على اشتغاله به إذا كان في قيامه به سقوط مؤنة عن جماعة من المسلمين أو عن كافتهم، وفساد قول من حرم القسام أخذ الأجور على أعمالهم والمؤذنين أخذ الأرزاق على ص 2718 تأذينهم، والمعلمين على تعليمهم، وذلك أنه عليه السلام جعل لولي الأمر من بعده فيما أفاء الله عليه مئونته، وإنما جعل ذلك لاشتغاله.
فبان أن كل قيم بأمر من أمور المسلمين مما يعمهم نفعه سبيله سبيل عامل رسول الله في أن له المؤنة من بيت المال، والكفاية ما دام مشتغلًا به، وذلك كالعلماء والقضاة والأمراء، وسائر أهل الشغل بمنافع الإسلام.
وفي حديث أبي هريرة الدلالة على أن الله تعالى أباح لعباده المؤمنين اتخاذ الأموال، والضياع ما يسعهم لأقواتهم وأقوات عائلتهم، ولما ينوب من النوائب ويفضل عن الكفاية؛ لأنه عليه السلام جعل الفضل عن نفقة أهله للسنة ومؤنة عامله صدقة، وفي ذلك دلالة واضحة على جواز اتخاذ الأموال واقتنائها طلب الاستغناء بها عن الحاجة إلى الناس، وصونًا للوجه والنفس استنانًا برسول الله، وأن ذلك أفضل من الفقر والفاقة إذا أدى حق الله منها، ولو كان الفقر أفضل لما كان عليه السلام يختار أحسن المنزلتين عند الله على أرفعهما، بل كان يقسم أمواله وأصوله على أصحابه، فبان فساد قول من منع اتخاذ الأموال وادخار الفضل من قوت يوم وليلة.
وأن التوكل لا يصح لمؤمن على ربه إلا بأن لا يحبس بعد غدائه وعشائه شيئًا في ملكه، وأن احتباسه ذلك يخرجه عن معنى التوكل، ويدخله في معنى من أساء الظن بربه.
ولا يجوز أن يقال أن أحدًا أحسن ظنًا يريه من الشارع فإن اعترضوا بحديث ابن مسعود مرفوعًا (( لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا ) )فمعناه لا تتخذوها إذا خفتم على أنفسكم باتخاذها الرغبة في الدنيا، فإذا لم تخافوا، فلا يضركم اتخاذها بدليل اتخاذ سيد الخلق لها.
[1] في هامش المخطوط أقول معنى لا تقتسم لا تجد ما يقتسم من دينار أو درهم ويمكن أن يقال هذا في قوله لا نورث أي لا نخلف ما يورث عنا.