فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال أبو العالية ... إلى آخره.
قوله (( أتينا من قبل ) )صوابه كما قال ابن التين من آتيته أعطيته، وليس هو من أتيته إذا جئته، وقيل هو الذي وعدناه في الدنيا.
وما فسر به المتشابه يريد به أنه يشبه ثمر الدنيا في التسمية ويختلف في المطعم.
قال ابن عباس ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، قاله مجاهد وقتادة. وقال الحسن متشابه أي خيار لا رذل فيه.
واختاره ابن كيسان وأكثر أهل اللغة، وما ذكره في {الأرائك} . قال ابن فارس الأريكة الحجلة على السرير لا تكون إلا كذا، وقال عن ثعلب الأريكة لا تكون إلا سريرًا منجدًا في قبة عليه سوار ومخدة.
وقال ابن عزير (( أرائك ) )أسرة في الحجال، واحدتها أريكة، وأثر مجاهد رواه الطبري في (( تفسيره ) ).
(( {غول} ) )قال إنه وجع بطن، وقال غيره صداع، وقيل لا نغتال عقولهم فنذهب بها.
وما ذكره في (( {ينزفون} ) )قاله ابن عباس وغيره، وقرئ (( ينزفون ) )بكسر الزاي. وفيه قولان
أحدهما إنه من أنزف الرجل، والثاني يقال أنزف إذا سكر، وأما نزف إذا ذهب عقله من السكر فمشهور مسموع.
وأثر ابن عباس في {دهاقًا} رواه الطبري عن أبي كريب، قال ابن عباس لغلامه اسقني دهاقًا، قال فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس هذا الدهاق.
(( {كواعب} ) )نواهد كما قاله كأنهن اللائي خرج من ثديهن مثل الكعب.
قوله (( الرحيق الخمر ) )هو قول ابن مسعود وابن عباس {يشرب بها المقربون} [المطففين28] صرفًا، وتمزج لسائر أهل الجنة، وما ذكره في ختامه هو قول مجاهد.
وقال سعيد بن جبير والنخعي ختامه آخر طعمه. وقيل في الكوب غير ما ذكره أنها المستدبرة لا عرى لها وجمع كوب أكواب، وجمع أكواب أكاويب.
(( والعرب ) )المحببات لأزواجهن كما قال، وقال زيد بن أسلم هن الحسنات الكلام، وأثر مجاهد في الروح رواه عبد بن حميد في (( تفسيره ) ).
قال {فروح وريحان} [الواقعة89] قال رزق. وعن مجاهد قال الروح والريحان الرزق، وقيل روح طيب ونسيم، وقيل الاستراحة، ومن قرأ بالضم أراد الحياة التي لا موت معها؛ للترجمة.
قوله {فرش مرفوعة} [الواقعة34] قد فسره ص 2825 في الترمذي، وقال حسن غريب، وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال (( ارتفاعها لكما بين السماء مسيرة خمسمائة عام ) ).
وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الخبر فيما حكاه القرطبي الفرش في الدرجات وما بين الدرجات كما بين السماء والأرض، وقيل الفرش هنا النساء المرتفعات الأقدار في حسنهن وجمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشًا على الاستعارة، وقال عليه السلام (( الولد للفراش ) ) [1] .
ثم ذكر (خ) فيه ستة عشر حديثًا
1 -حديث نافع، عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا مات أحدكم ... ) )وهذا الحديث سلف في الجنائز. وأخرجه (م) أيضًا.
2 -ثنا الوليد، ثنا مسلم بن رزين، ثنا أبو رجاء، عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم (( اطلعت في الجنة ... ) )الحديث أخرجه في النكاح أيضًا عن عثمان.
وعند (خ) حديث أسامة (( قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون ) )، وفي رواية (( محترسون ) )بدل محبوسون بفتح الراء والتاء اسم مفعول من احترس، أي موثق لا يستطيع الفرار.
قال الداودي أرجو أن يكون هؤلاء أهل التفاخر؛ لأن أفاضل الصحابة كانت لهم أموال ووصفهم الله بأنهم سابقون.
وفي كتاب (( النكاح ) )للفريابي من حديث بقية، عن بحير عن ابن معدان، عن كثير بن مرة، عن أبي شجرة يرفعه (( إن النار خلقت للسفهاء، وإن النساء أسفه السفهاء إلا القسماء والسراج ) ). قال بقية هي التي تقوم على رأس زوجها وتوضئه.
وفي (( أخبار اللالكائي ) )من حديث عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا (( أن الفساق هم أهل النار ) )، ثم فسرهم بالنساء قالوا يا رسول الله ألسن أمهاتنا وأخواتنا؟ قال (( بلى، ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن ) ).
قال المهلب وإنما استحق النساء النار؛ لكفرهن العشير، ألا ترى أن الشارع فسره بقوله (( لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ) )لجازت ذلك بالكفران، فغلب استيلاء الكفران على دهرها، فكأنها مصرة عليه، والإصرار من أكبر أشرار النار، وذلك أن حق زوجها عظيم عليها، يجب عليها شكره والاعتراف بفضله وصيانته لها، وقيامه بمؤنتها، وبذل نفسه في هذا، ومن أجله فضلت الرجال على النساء، وقد أمر الشارع من أسديت إليه نعمة أن يشكرها، فكيف نعم الزوج التي لا تنفك المرأة منها دهرها كله.
وقال بعض العلماء شكر المنعم فرض، محتجًا بقوله {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان14] فقرن بشكره شكر الآباء، وكذلك شكر غيرهم واجب.
وذكر الحكيم الترمذي وغيره أن الأخبار بكون النساء أكثر أهل النار كان قبل الشفاعة فيهن، وإلا فليس في الجنة عزب ولكل رجل زوجتان.
قال القرطبي إنما كان النساء أقل ساكني الجنة؛ لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا، لنقصان عقولهن فيضعفن عن عمل الآخرة، والتأهب لها لميلهن إلى الدنيا، ثم هن أقوى الأسباب التي يصرف بها الرجال عن الآخرة؛ لما لهم فيهن من الهوى، وأكثرهن معرضات عن الآخرة بأنفسهن، صارف عنها لغيرهن، سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الآخرة ص 2826 وأعمالها من المتقين.
روى (ت) من حديث أبي سعيد مرفوعًا (( يدخل فقراء المهاجرين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام ) )ثم قال حسن غريب.
وعند الترمذي عن جابر (( يدخل فقراء المسلمين قبل الأغنياء بأربعين خريفا ) )، وصححه واختلاف هذه الأحاديث يدل على أن الفقراء مختلفة الأحوال، وكذلك الأغنياء.
ووجه الجمع أن سباق الفقراء المهاجرين يسبقون سباق الأغنياء منهم بأربعين خريفًا، وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام.
وقد قيل إن حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وجابر يعم جميع فقراء المسلمين، فيدخل الجنة سباق فقراء كل قرن قبل غير السباق من أغنيائهم بخمسمائة عام، ولما كان الفقير فاقدًا للمال الذي يتسبب به إلى المعاصي، ويحصل به البطر واللهو الذي يقرب به إلى النار، فاز بالسبق وحاز قصباته، ولما كان هذا الأغلب إلى النساء قربن منها.
فإن قلت فقد ظهر فضل الفقراء، فلم استعاذ عليه السلام منه؟
قلت إنما استعاذ من شر فتنته كما استعاذ من شر فتنة الغنى، أو استعاذ من فقر النفس، ولا شك أن الفقر مصيبة من مصائب الدنيا، والغنى نعيم من نعيمها، كالمرض والعافية.
وما أحسن قول أبي علي الدقاق فيما حكاه عنه في (( الرسالة ) )لما سئل أي الوصفين أفضل الغنى أو الفقر؟ فقال الغنى لأنه وصف الحق، والفقر وصف الخلق.
قال عبد الله الغني المتعلق البال بالمال هو الفقير، وعادمه الذي يقول ليس لي رغبة فيه إنما هي ضرورة العيش، هو الغني.
قال عليه السلام (( ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس ) )، والشارع سأل ربه رتبة علياء وهي الكفاف، فقال (( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا ) )وفي لفظ (( كفافًا ) )أخرجه (م) .
وقد اتفق الجميع على أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم، فالكفاف حالة وسطى.
3 -حديث أبي هريرة قال بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله (( فإذا امرأة تتوضأ ) )إنما هو امرأة شوهاء، وإنما أسقط الكاتب منه بعض حروفه، فصار (( يتوضأ ) )لالتباس ذلك في الخط؛ لأنه لا عمل في الجنة، وضوء ولا غيره.
والشوهاء. قال أبو عبيدة هي المرأة الحسناء، والشوهاء الواسعة الفم، والصغيرة الفم.
وقال ابن الأعرابي الشوهاء القبيحة، وقال الجوهري فرس شوهاء صفة محمودة، ويقال يراد بها سعة أشداقها.
قال ابن التين وذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه قال فيه أن الوضوء موصل إلى هذا القصر والنعيم.
وقال القرطبي الرواية الصحيحة (( تتوضأ ) )وإنما ابن قتيبة قال بدله شوهاء.
قال ابن الأعرابي وهي الحسنة والقبيحة ضد، ووضوء هذه إنما هو لتزداد حسنًا ونورًا لا أنها تزيل وسخًا ولا قذرًا؛ إذ الجنة منزهة عن ذلك.
ويحتمل أن يراد به الوضوء اللغوي وهو غسل الوجه واليدين، وفيه كما قال ابن بطال الحكم لكل رجل مما يعلم من خلقه، ألا ترى أنه لم يدخل القصر لغيرة عمر مع علمه أنه لا يغار عليه؛ لأنه أبو المؤمنين، وكل ما نال بنوه المؤمنون من خير فبسببه وعلى يديه، لكنه أراد أن يأتي ما يعلم أنه يوافق عمر.
وفيه فضل الغيرة، وبكاء عمر يحتمل أن يكون سرورًا ص 2827 وأن يكون تشوقًا إلى ذلك.
4 -حديث أبي بكر بن عبد الله بن قيس الأشعري، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( الخيمة ... ) ). الحديث.
اسم أبي بكر هذا عمرو بن عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري، مات في ولاية خالد بن عبد الله، وكان أكبر من أخيه أبي بردة، وأبو عبد الصمد اسمه عبد العزيز بن عبد الصمد العمي البصري، مات سنة سبع وثمانين ومائة، ومتابعته أخرجها (خ) في تفسير سورة الرحمن عن محمد بن المثنى عنه، وتعليق الحارث أخرجه (م) عن سعيد بن منصور عنه.
والخيمة بيت مربع من بيوت الأعراب، وقد بينها وقسمها أبو زياد الكلابي في كتابه، وجاء في رواية (( من لؤلؤة ومجوفة ) )بالفاء، كذا الرواية، وللسمرقندي بالباء الموحدة وهي المثقوبة التي قطع داخلها، وروى ابن عباس الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب.
وفي (( نوادر الترمذي ) )بلغنا في الرواية أن سحابة مطرت من العرش فخلق منها الحور ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار، سعتها أربعون ميلًا وليس لها باب، حتى إذا خلى ولي الله بالخيمة انصدعت عن باب؛ ليعلم الولي أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها.
ومن هذا الحديث يعلم أن نوع النساء المشتمل على الحور والآدميات في الجنة أكثر من نوع رجال بني آدم نبه عليه القرطبي.
5 -حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ... ) ).
هذا الحديث دال على وجود الجنة؛ لأن الإعداد غالبًا لا يكون إلا لشيء حاصل، ثم أعاد ذكره في تفسير السجدة بزيادة (( ذخرًا، بله ما أطلعتم عليه ) ).
و (( ذخرًا ) )هو بذال معجمة مضمومة؛ أي مدخرًا، وهو مصدر، ووقع في طريق القابسي ذكرًا بالكاف، ولبعضهم ذخر. بغير تنوين وليسا بشيء.
قوله (( بله ) )أي سوى، وهي من أسماء الأفعال، المعنى أن ما اطلعتم عليه محقر بالإضافة إلى ما لم تطلعوا عليه، وإنما ذكر ما يعرفونه لشيئين؛ لأنهم ... [2] بما يعرفون، ولأنه لو وعدهم ما يعرفون اشتاقوا إلى ما لم يعرفوا, وطلبوا ما يعرفون فوعدهم بهما، وذهب بعض المتكلمين إلى انحصار الأجناس، وأنه لا موجود يخرج عما وجد في هذا العالم، وفيه نظر.
قوله (( ما أخفي ) )ضبطه الدمياطي بإسكان الياء.
6 -حديث أبي هريرة أيضًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أول زمرة تلج الجنة ) ).
7 -حديث أبي هريرة بمثله وفيه (( والذين على آثارهم كأشد كوكب ) ).
قوله (( على خلق رجل واحد ) )قال مسلم بن أبي شيبة يرويه بضم الخاء واللام، وأبو كريب بقوله بفتح الخاء وسكون اللام.
وروى (ت) عن معاذ (( يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين ) ).
ثم قال غريب، وروي عن قتادة مرسلًا، وعن أبي سعيد (( من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاث وثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها، وكذا أهل النار ) )ثم قال غريب.
وروى البيهقي هذا من حديث المقدام مرفوعًا (( ما من أحد يموت سقطًا ولا هرمًا ولا غيره إلا بعث ابن ثلاثين سنة، فإن كان من أهل الجنة كان على مسحة آدم وصورة يوسف وقلب أيوب ) )، وعن أبي سعيد (( إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنان وسبعون زوجة ) ).
وروى الطبراني في (( أوسطه ) )من حديث أبي هريرة مرفوعًا (( يدخل فقراء أمتي قبل أغنيائهم بنصف يوم خمسمائة عام، ص 2828 ويدخلون جميعًا على صورة آدم، وصورته اثني عشر ذراعًا طولًا في السماء ستون ذراعًا، وستة عرضًا، والذراع كطول الرجل الطويل منكم ) ).
والحور أصناف صغار وكبار على ما اشتهته أنفس أهل الجنة.
قال القرطبي روي أنه عليه السلام وصف حوراء رآها ليلة الإسراء (( كأن جبينها الهلال، طولها ألف وثلاثون ذراعًا، في رأسها مائة ضفيرة، ما بين الضفيرة والضفيرة سبعون ألف حلة مثل شقائق النعمان، إذا أقبلت يرى كبدها من رقة ثيابها وجلدها، في رأسها ألف ذؤابة من المسك لكل ذؤابة وصيفة ترفع ذيلها ) ).
وروي أن الآدميات مع هذا كله أفضل منهن بسبعين ألف ضعف.
وليلة البدر هي ليلة أربع عشرة، وسميت بذلك؛ لأن القمر يبادر طلوع غروب الشمس، وقيل لامتلاء القمر وحسنه وكماله، ومنه قولهم عين بدرة، إذا كانت ممتلئة جدًا.
وعدم بصقهم وشبهه؛ لأن أغذيتهم في الجنة في غاية اللطافة والاعتدال ليست بذي فضلة مستقذرة، بل تستطاب وتستلذ.
وفي رواية أن ما في بطونهم يخرج رشحًا كرائحة المسك.
(( المجامر ) )المباخر. (( الألوة ) )العود، فارسي معرب، بفتح الهمزة وضمها، حكاهما ابن التين، وقيل بكسرها، وتخفف وتشدد، وعند الهروي قال بعضهم لوه، وليه، وتجمع الألوة الألو، وقال الداودي الألوة اليد.
وفي رواية أخرى (( ووقود مجامرهم الألوة ) )كأنه أراد به الجمر الذي يطرح عليه.
فإن قلت أي حاجة لهم في البخور والأمشاط؛ لعدم تلبد شعرهم وطيب ريحهم؟ قلت نعيم أهل الجنة، وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، وكذا أكلهم ليس عن جوع ولا شربهم عن ظمأ، إنما هي لذات متوالية ونعم متتابعة قال تعالى {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} [طه118] .
والحكمة فيه أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزاد عليه ما لا يعلمه إلا الله.
قوله (( زوجتان ) )كذا هو في الروايات بالتاء، وهي لغة متكررة في الحديث وكلام العرب، والأشهر حذفها، قال تعالى {اسكن أنت وزوجك الجنة} [البقرة35] .
قوله (( يسبحون الله بكرةً وعشيا ) )أي قدرهما، وليس عن تكليف وإلزام؛ لأن الجنة ليست بمحل ذلك، إنما هو إلهام كما هو في الرواية الأخرى (( يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس ) )وذلك أن تنفس الإنسان لابد له منه ولا كلفة عليه ولا مشقة في فعله، وسر ذلك أن قلوبهم تنورت بالمعرفة وأبصارهم بالرؤية، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره.
قوله في الحديث الثاني (( والذين على آثارهم كأشد كوكب إضاءةً ) )معناه أن أبدان أهل الجنة متفاوتة بحسب درجاتهم، قاله القرطبي، وقال الداودي يعني على ضياء الزهرة.
وتعليق مجاهد ذكره الطبري عن محمد بن عمرو. والإبكار مصدر من قول القائل أبكر فلان في حاجته يبكر إبكارًا، وذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضحى فذلك إبكار يقال منه قد أبكر فلان وبكر يبكر بكورًا، ويقال من ذلك بكر النحل يبكر بكورًا، والباكورة من الفواكه أولها إدراكًا.
والفيء من حين تزول الشمس إلى أن تغيب، كما قال الشاعر
~فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق
فالفيء إنما يبتدئ من الزوال ويتناهى ص 2829 بمغيبها وعند النحاس أن أبكر إذا خرج من بين مطلع الشمس ووقت الضحى والعشاء من الزوال إلى الغروب، وقرئ (( الأبكار ) )بفتح الهمزة على أنه جمع بكرة، ويقال بكر وبكر وأبكر وابتكر إذا جاء أول الوقت.
وقال ابن فارس بكرت أسرعت أي وقت كان، وأبكرت إذا فعلت بكرة، قال وكل من بادر إلى الشيء فقد أبكر إليه وبكر أي وقت كان.
8 -حديث سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( ليدخلن من أمتي سبعون ألفًا ... ) )الحديث.
وهو من أفراده، وعند الحميدي (( سبعون ألفًا وسبعمائة ألف سماطين آخذ بعضهم ببعض ) ).
ورواية (خ) (( أو ) )قال ابن التين هو شك من الراوي.
9 -حديث أنس أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس.
10 -حديث البراء بن عازب قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب من حرير ... الحديث.
وقال (( أفضل ) )بدل أحسن، والسندس هو رقيق الديباج، والإستبرق صفيقه.
والمنديل مفعيل من ندلت الشيء إذا نقلته، فكأنه ينقل الندل، وهو الوسخ من الأيدي.
11 -حديث سهل بن سعد الساعدي مرفوعًا (( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا ... ) )الحديث سلف في الجهاد. قال الداودي يعني في حسنه وبهجته.
وقال غيره أنه لا يفنى فكان أفضل مما يفنى.
12 -حديث أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إن في الجنة لشجرةً ... ) ).
13 -حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن في الجنة لشجر يسير الراكب ... ) )الحديث.
وفي لفظ (( إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين _ أو قال _ مائة سنة ) )، وهي شجرة الخلد.
وفي (ت) عن أسماء سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وذكر سدرة المنتهى قال (( يسير الراكب في ظل الفيء منها مائة سنة أو يستظل بظلها مائة سنة راكب ) )شك يحيى؛ ثم قال حسن صحيح.
ولابن عبد البر من حديث عتبة بن عبد السلمي مرفوعًا (( شجرة طوبى تشبه الجوزة ) )قال رجل يا رسول الله ما عظم أصلها؟ قال (( لو رحلت جذعة ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرمًا ) ).
والمراد بظلها راحتها ونعيمها من قولهم عز ظليل، وقيل معناه ذراها وناحيتها وكنفها كما يقال أنا في ظلك، أي في كنفك، وإنما أحوج إلى هذا التأويل؛ لأن الظل المتعارف عندنا إنما هو وقاية حر الشمس وأذاها وليس في الجنة شمس، وإنما هي أنوار متوالية، لا حر فيها ولا قر، بل لذات متوالية ونعم متتابعة.
14 -حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أول زمرة ... ) )الحديث.
الزمر الجماعات في تفرقة والزمرة واحدتها.
15 -حديث البراء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما مات إبراهيم قال إن له مرضعًا في الجنة ... الحديث.
سلف في الجنائز، وذلك لأنه مات قبل أن يفصل عن أمه، ولعل ولدان المؤمنين مثله، قاله ابن التين.
وروي أنه عليه السلام لما مات ابنه القاسم بكت خديجة فقال (( ما يبكيك؟ ) )قالت در ثديي يا رسول الله. قال (( إن له مرضعًا في الجنة ) )قالت لو علمت ذلك ما بكيت. قال (( إن شئت أريك ذلك ) )قالت بل أصدق الله ورسوله.
16 -حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إن أهل الجنة يتراءون ) ).
(( الغابر ) )يروى بالباء، اسم فاعل من غار، وروي (( الغارب ) )بتقديم الراء والمعنى واحد، وروي غالبًا بباء موحدة ومعناه الذاهب أو الباقي؛ لأن غير من الأضداد، يريد أن الكوكب حالة طلوعه وغروبه يبعد عن الأبصار فيظهر صغيرًا لبعده، وقد بينه بقوله (( بين المشرق والمغرب ) )وروي العازب بعين مهملة وزاي ومعناه البعيد.
قوله (( في الأفق ) )كذا هنا، وعامة نسخ (م) كما قال النووي، ص 2830 وقال القرطبي إنها أوضح.
قوله (( يتراءون ) )وفي أخرى (( يرون أهل عليين كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء ) )، ودري بكسر الدال، فعيل، من درأت كأنه يدرأ الشياطين، ودري على مثال الدر، ومن قرأ (( دريء ) )، فهو عند أكثر أهل العربية لحن؛ إذ ليس في كلام العرب فعيل، والأكثر الضم بغير همز، قال الكسائي شبه بالدر، وروي بضم الدال مهموز ممدود.
قال ابن التين وانظر قوله (( الغابر في الأفق من المشرق إلى المغرب ) )وإنما تغور الطوالع من المغرب خاصة فكيف ذكر المشرق، والغابر الذاهب في البعد، قاله الداودي.
و (( الأفق ) )ناحية السماء واحد الآفاق، وشبه الكواكب بالدر؛ لكونه أرفع من باقي النجوم كما أن الدر أرفع الجواهر.
قوله (( بلى والذي نفسي بيده ... ) )إلى آخره؛ يريد أنهم لم يبلغوا درجات الأنبياء، قيل هكذا ظاهره، وقال الداودي يعني أنهم يبلغون هذه المنازل التي وصفت، وأن منازل الأنبياء فوق ذلك، فعلى ما عند أبي ذر إلى آخره الأمر بين كما ذكره الداودي، وعلى ما عند الشيخ أبي الحسن (( بلى ) )تكون كما تقدم أنهم يبلغون درجات الأنبياء.
وقال القرطبي كذا وقع هذا الحرف (( بلى ) )الذي أصلها حرف جواب وتصديق، وليس هذا موضعها؛ لأنهم لم يستفهموا وإنما أخبروا أن تلك المنازل للأنبياء لا لغيرهم، فجواب هذا يقتضي أن تكون (( بل ) )التي هي للإضراب عن الأول، وإيجاب المعنى للثاني فكأنه تسومح فيها، فوضعت (( بلى ) )موضع (( بل ) ).
و (( رجال ) )مرفوع بالابتداء المحذوف، تقديره هم رجال، ورواية (( بل ) )فيها توسع أي تلك المنازل منازل رجال آمنوا بالله؛ أي حق إيمانه، (( وصدقوا المرسلين ) )أي حق تصديقهم، وإلا فكل من يدخل الجنة آمن بالله، وصدق رسله.
فائدة
روى محمد بن الحسن بن زياد النقاش في (( فضائل عاشوراء ) )من حديث ابن عباس مرفوعًا (( إن لله تعالى ثماني جنان ) )الحديث.
[1] في هامش المخطوط (( أقول ذكر قوله عليه السلام الولد للفراش في هذا المحل لا مناسبة له فإنه يريد إثبات معنى الفراش للمرأة نفسها وفي هذا الحديث على حقيقته لما يُفرش أي لفراش الرجل أي له لا للمرأة فإن الولد من الزنا للمرأة ... ) ).
[2] بياض في الأصل.