ما ترجم عليه هو مذهب الثلاثة الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، وعامة الفقهاء وأهل الحديث أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة، فرضها ونفلها، ظاهر مذهب مالك كما قال ابن رشد في (( قواعده ) )بعد أن اتفق العلماء على أنها فرض بإطلاق أنها من سنن الصلاة.
وعن بعضهم أنه شرط عند الذكر دون النسيان، فإن قلت هل يستدل للقول الثاني بحديث عمرو بن سلمة لما تقلصت بردته، فقالت امرأة غطوا عنا أست قارئكم.
قلت لا لأنه كان فاقدًا لها، وأيضًا كان ذلك في أول الإسلام، وفي (م) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا (( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة ) ).
ومن حديث المسور أنه صلى الله عليه وسلم قال له (( ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة ) ).
وفي (( صحيح ابن خزيمة ) )من حديث عائشة مرفوعًا (( لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار ) ).
وهو المراد برواية أبي داود (( صلاة حائض ) ). والترمذي (( صلاة الحائض ) ).
وسيأتي في (خ) من حديث أبي سعيد النهي عن الاحتباء، ثم قال (خ) وقول الله تعالى {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف31] .
وكأنه رحمه الله فهم أن المراد بها الثياب، وكذلك ساقه بعد أن بوب بذلك، وهو ما رواه البيهقي عن طاوس، قال أبو محمد بن حزم اتفقوا على أنه ستر العورة.
وقال ابن بطال أجمع أهل التأويل على أنها نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة؛ ولذلك أمر أن لا يطوف بالبيت عريان.
وقال ابن رشد من حمل {خذوا} على الندب قال المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغيره من الملابس التي هي زينة، مستدلًا لذلك بما في الحديث (( أنه كان رجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على أعناقهم ) ).
ومن يحمله على الوجوب استدل بحديث مسلم عن ابن عباس (( كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول من يعيرني تطوافًا. وتقول
~اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله ))
فنزلت الآية، وفي رواية وهب بن جرير كانت المرأة إذا طافت بالبيت تخرج صدرها وما هناك، فأنزل الله الآية.
وعند الواحدي كان أناس ص 698 من العرب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت المرأة لتعلق على سيورًا مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذباب وهي تقول اليوم يبدو. وفي لفظ وعلى فرجها خرقة.
أقول القائلة اليوم يبدو هي ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن قيس كانت سودة بن علي بن ثمامة فهلك عنها، ثم تزوجت عبد الله بن جدعان ثم فارقها عبد الله بن جدعان فتزوجت هشام بن المغيرة المخزومي فولدت سلمة بن هشام، وكان من خيار المسلمين، ثم مات هشام عنها، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها إلى ابنها سلمة ثم بدا له لأنه أخبر أنها قد علتها كثرة وهي القائلة اليوم يبدو بعضه أو كله.
وقال ابن عباس المراد بالمسجد المسجد الحرام خاصة؛ تعظيمًا له، وأن النساء يطفن حول البيت عراة في الجاهلية ليلًا، فإذا أرادته نهارًا استعارت ثيابًا من ثياب أهل الحرم، فتطوف بها، فأقبلت امرأة ذات جمال، فأبوا أن يعيروها ثوبًا وقالوا حتى ننظر إلى خلقها. فطافت عريانة وقالت اليوم يبدو.
وجاء أنها ضباعة بنت عامر لما أرادت فراق ابن جدعان تخيل أنها تتزوج بالوليد بن المغيرة، فقال إن تزوجت به تطوفين بالبيت نهارًا عريانة، ففعلته أسبوعًا.
وفي (( تفسير الثعلبي ) )أن بني عامر كانوا يطوفون في الجاهلية عراة، الرجال نهارًا، والنساء ليلًا.
وفي الآية أقوال أخر غريبة
أحدها أن الزينة المشط، قاله عطية.
2 رفع اليدين في الصلاة، قاله القاضي التنوخي.
3 الصلاة بالنعلين، ورد في حديث مرفوع من طريق أبي هريرة، ولكن وهاه العقيلي.
أقول قال ابن الجوزي وفي هذه الزينة قولان أحدهما أنها الثياب ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه ورد في ستر العورة في الطواف قاله ابن عباس والحسن وجماعة، والثاني أنه ورد في ستر العورة في الصلاة قاله مجاهد والزجاج، والثالث أنه ورد في التزين بأجمل اللباس في الجمعة والأعياد ذكره الماوردي.
والثاني المراد بالزينة المشط قاله أبو روق.
والواجب من اللباس للصلاة ما تستر به العورة وما زاد فحسن.
ثم قال (خ) ويذكر عن سلمة أن رسول الله قال (( يزره ولو بشوكة ) ).
قال (خ) في إسناده نظر. هذا الحديث أخرجه (د، ن) عن سلمة بن الأكوع، قلت يا رسول الله، إني رجل أصيد فأصلي في القميص الواحد؟ قال (( نعم، وأزره ولو بشوكة ) ).
قال ابن القطان في إسناده موسى بن إبراهيم بن الحارث التيمي وهو منكر الحديث.
ولعل هذا هو الذي أشار إليه (خ) بالنظر، لكن أخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه ) )بسنده عن موسى بن إبراهيم، قال سمعت سلمة. وفي رواية ابن حبان أيضًا بسنده عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن عن سلمة، قلت يا رسول الله إني أكون في الصيد وليس علي إلا قميص واحد؟ قال (( فازرره ولو بشوكة ) ).
ورواه الحاكم أيضًا في (( مستدركه ) )وقال هذا حديث مدني صحيح.
قلت وظهر بهذه الرواية أن موسى بن إبراهيم هذا غير السالف الذي ظنه ابن القطان، وفيه ضعف أيضًا.
قوله (( يزره ولو بشوكة ) )أي يجمع بين طرفيه بشوكة، فيقوم ذلك مقام الأزرار إذا شدها، يقال زررت له القميص أزره بالضم زرًا إذا شددت أزراره، وأزررت القميص إذا جعلت له أزرارًا.
وقال ابن سيده الزر الذي يوضع في القميص، والجمع أزرار وزرور.
وفي (( الفصيح ) )أزرر عليك قميصك وزره مثلث الراء. وأورد (خ) هذا الحديث؛ ليدل على وجوب ستر العورة، إذ لو كان سنة لما قال له ذلك، ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار ص 699 وليس عليه سراويل ولا رداء، وهو قول الشافعي والكوفيين وأبي ثور، إلا أنه إن رأى من جيبه عورته أعاد الصلاة عندهم.
ثم قال (خ) ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه.
هذا منه دال على الاكتفاء بالظن فيما يصلي فيه، لا القطع، وقد روى (د) بإسناد جيد من حديث أم حبيبة وقد سألها أخوها معاوية هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت نعم، إذا لم ير فيه أذى.
ثم قال (خ) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يطوف بالبيت عريان.
يريد بذلك نداء علي في الحج لما أرسله لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكأن (خ) أخذ اشتراط ستر العورة في الصلاة منه؛ لأنه لما كان الطواف صلاة، وقد أمر بالستر فالصلاة أولى.
ثم ساق (خ) حديث أم عطية. وفيه قالت امرأة يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب. قال (( لتلبسها صاحبتها من جلبابها ) ).
وهذه المرأة هي أم عطية، وكنت بها عن نفسها ففي رواية، قلت يا رسول الله، إحدانا ... الحديث.
ثم قال (خ) وقال عبد الله بن رجاء ثنا عمران، ثنا ابن سيرين، ثنا أم عطية.
وعبد الله هذا هو الغداني ووهم من يجعله المكي، وعمران هو ابن داور، بالراء في آخره، وفيه ضعف. استشهد به (خ) هنا وفي غزوة ذات الرقاع، وروي له في كتاب (( الأدب ) )والأربعة.
وهذا الأثر وصله الطبراني في (( معجمه الكبير ) )فقال ثنا علي بن عبد العزيز، عن عبد الله بن رجاء فذكره، وساق (خ) هذا ليصرح بسماع ابن سيرين من أم عطية، وروي ذلك عن أخته حفصة، وصحح الدارقطني رواية ابن سيرين عن أم عطية.
والجلباب كالملاءة، وكأن (خ) ساق حديث أم عطية في الباب لأن الشارع صلى الله عليه وسلم أمر بإلباس الجلباب، وما ذكر إلا أنه يوم زينة، وإذا كان كذلك فالمصلي أحق بالتزين؛ لأنه يناجي ربه.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( ويذكر ) )هذا تعليق بصيغة التمريض ولذلك قال في إسناده نظر و (( سلمة بن الأكوع ) )هو الذي كلمه الذئب، وقد تقدم ذكره.
قوله (( ومن صلى ) )هو من تتمة الترجمة و (( أذى ) )أي نجاسة (( وألا يطوف ) )بنصب الفاء. فإن قلت البحث في الصلاة فما وجه ذكر الطواف. قلت من حيث أن الصلاة طواف.
قوله (( أمرنا ) )بضم الهمزة و (( نخرج ) )بكسر الراء (( والخدور ) )الستور (( ومصلاهن ) )أي مكان صلاتهن، وفي بعضها (( مصلاهم ) ). قوله (( إحدانا ) )مبتدأ ومعناه بعضنا (( لا جلباب لها ) )فكيف تشهد بدون الجلباب، وكان هذا بعد نزول آية الحجاب.
قوله (( لتلبسها ) )بالجزم وهو يحتمل معنيين أن تشركها في جلبابها أو تعطيها جلبابًا مستقلًا من جلابيبها.
فإن قلت كيف دلالة الحديث على الترجمة؟. قلت حيث وجب اللبس للخروج إلى جماعة المسلمين فللخروج إلى الصلاة بالطريق الأولى، وإذا وجب للخروج إلى الصلاة فاللبس للصلاة أيضًا بالطريق الأولى.
فإن قلت لم يلزم اللبس منه إلا على النساء. قلت عورة الرجل حكمها حكم جميع بدن المرأة في وجوب الستر اتفاقًا لأنهما في كونهما عورة سواء.
قال ابن بطال الواجب من اللباس في الصلاة ما يستر به من العورة، وأما غير ذلك من الثياب فالتجمل بها في الصلاة حسن والله أحق من أن يتجمل له، واختلفوا فقيل ستر العورة من سنن الصلاة، وقيل واجب وهو فرض في الجملة وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين المخلوقين في الصلاة وغيرها، والصلاة أوكد من غيرها.
وقال الشافعي وأبو حنيفة أنه من فرض الصلاة احتج الأولون بأنه لو كان فرضًا لما صح الإتيان به إلا بنية كالطهارة ولكان العريان لا يجوز له أن يصلي؛ لأن فرض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة، ويبدله مع عدمها كالعاجز عن القيام يصلي قاعدًا ولم يفعل العريان فعلًا يقوم ص 700 مقام اللبس مع عدمه، والجواب عن الأول بالنقض باستقبال القبلة، وعن الثاني بأنا لا نسلم وجوب البدل؛ لأن القراءة واجبة على المنفرد وتسقط عنه خلف الإمام لا إلى بدل.
قال وحديث سلمة أصل في المسألة ولو كان سنة لم يقل له ذلك، وإنما قال (خ) فيه نظر لأن روايته عن الدراوردي عن موسى بن محمد عن إبراهيم عن أبيه عن سلمة قال إني أعالج الصيد .. الحديث. وموسى بن محمد في حديثه مناكير. قاله (خ) في كتاب (( الضعفاء ) ).
أقول الشافعي يقول بفرضية الستر خارج الصلاة أيضًا ولا يقول بسقوط القراءة خلف الإمام، والأصل في المسألة عنده {خذوا زينتكم} ونحوه.